الملخص
شكّل سقوط نظام بشار الأسد، في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، منعطفًا حاسمًا في تاريخ سورية، حيث أتاح فرصة لإعادة الإعمار والاستقرار بعد أعوام من الصراع. وقد دفع هذا التطور السياسي كثيرًا من اللاجئين السوريين إلى التفكير في العودة إلى وطنهم. وبينما بدأ البعض بالفعل في العودة إلى الوطن، لا يزال هناك ملايين منهم في البلدان المجاورة وفي أوروبا. ومن بين المخاوف الرئيسة التي تؤثر في قرارهم بالعودة مسألة تعليم أطفالهم. وتكشف الدراسات الاستقصائية أن كثيرًا من السوريين المنفيين يُعربون عن رغبتهم في العودة، لكنهم يعطون الأولوية لإكمال أبنائهم دراستهم. ومع ذلك، فقد عانى قطاع التعليم في سورية أضرارًا جسيمة بسبب الصراع الذي طال أمده. وبسبب تدمير البنية التحتية، باتت كثير من المدارس غير صالحة للاستخدام، ومن ثم كان هناك انخفاض كبير في القدرة التعليمية، فضلًا عن أن مئات الآلاف من الأطفال تُركوا من دون الحصول على التعليم. وإضافة إلى ذلك، أدى النزوح الجماعي للمدرّسين المؤهلين إلى تفاقم الأزمة، حيث لا يحصل من تبقى منهم في كثير من الأحيان على رواتبهم، ويبحثون عن سبل عيشٍ بديلة. ويشكل هذا الخليط من تناقص الموارد وتحديات القوى العاملة عائقًا كبيرًا أمام توفير التعليم الجيد، وهو عامل حاسم في عودة أسر اللاجئين وإعادة إدماجهم. وستكون معالجة هذه القضايا ضرورية لتعزيز العودة المستدامة، وإعادة بناء النظم الاجتماعية والتعليمية في سورية.
العقبات التي تواجه دمج الطلاب العائدين في النظام التعليمي
إن إدماج الأطفال والشباب العائدين في نظام التعليم في سورية عملية محفوفة بمجموعة معقدة من التحديات التي تشمل الأبعاد الاقتصادية والأكاديمية والبيروقراطية والنفسية والاجتماعية. وتكمن إحدى العقبات الكبيرة في المجال الأكاديمي، حيث درس كثيرٌ من الأطفال مناهج دراسية مختلفة إلى حد كبير عن المناهج لدى النظام السوري خلال فترة لجوئهم، وغالبًا ما تكون بلغات أجنبية. وبينما يجد الأطفال العائدون من الدول العربية الانتقال أكثر سلاسة إلى حد ما؛ يواجه الأطفال العائدون من تركيا أو أوروبا أو غيرها من المناطق غير الناطقة بالعربية صعوباتٍ كبيرة، منها الحاجة إلى إعادة تعلم القراءة والكتابة باللغة العربية.
وتتفاقم هذه التحديات الأكاديمية، بسبب التناقضات بين المناهج الدراسية في الخارج وتلك الموجودة في سورية، فضلًا عن الاختلافات الأيديولوجية والثقافية الكامنة فيها. ويمكن أن تعوق هذه التباينات الفهم والاندماج، ولا سيّما للطلاب الذين عانوا من انقطاع طويل في تعليمهم. غالبًا ما تترك الحواجز اللغوية وعدم تطابق المناهج الدراسية تلك الطلاب العائدين يكافحون لمواكبة أقرانهم، ما يخلق لديهم مشاعر الإحباط والاغتراب. وفي غياب أنظمة الدعم المناسبة، يمكن أن تؤدّي هذه التحديات إلى زيادة إمكانية عدم المشاركة والتسرّب، ما يزيد من تهميش هؤلاء الأطفال الضعفاء.
وتزيد التحديات الاقتصادية الوضع تعقيدًا، حيث إن كثيرًا من الأسر العائدة تعيش في فقر، وتعاني البطالة والتكاليف المرتبطة بالتعليم، مثل نفقات النقل واللوازم المدرسية والزيّ المدرسي. وبالنسبة لكثيرين، فإن هذه النفقات تجعل التعليمَ غير متاح، ما يجبر الأطفال على العمل بدلًا من الذهاب إلى المدرسة.
تفتقر سورية حاليًا إلى برامج شاملة لمعالجة هذه الفجوات التعليمية. ولا تزال السياسات والإجراءات الخاصة بدمج الطلاب العائدين غير واضحة، لا سيما لأولئك الذين تلقّوا تعليمًا غير رسمي في مخيمات اللاجئين. ويواجه كثير من الطلاب العائدين تحديات بيروقراطية، مثل الحاجة إلى تقديم وثائق رسمية لدراستهم السابقة. وفي بعض الحالات، لا تعترف المؤسسات السورية بالشهادات أو المستويات الأكاديمية التي حصل عليها اللاجئون في الخارج، ويُجبر الطلاب على إعادة الصفوف أو الخضوع لاختبارات المعادلة.
ويضاف إلى ذلك أن الأثر النفسي للنزوح يعوق إعادة إدماج الطلاب العائدين، حيث عانى كثير من الأطفال والشباب تجارب صادمة مرتبطة بالرضات النفسية خلال فترة اللجوء، من ضمن ذلك التعرض للعنف والفقدان وعدم الاستقرار. وتترك هذه التجارب ندوبًا نفسية دائمة تؤثر في قدرتهم على التكيف مع البيئة التعليمية الجديدة. ويفاقم عدم وجود برامج دعم نفسي واجتماعي في سورية هذه الصعوبات، ما يؤدي إلى تدنّي الثقة بالنفس وضعف الدافع والشعور بالإحباط لدى العائدين.
يشكّل الاندماج الاجتماعي أيضًا تحدّيًا. فقد يواجه الطلاب العائدون التنمّر أو الإقصاء أو التمييز من أقرانهم أو حتى من المعلّمين بسبب الاختلافات في اللهجة أو المعايير الثقافية أو الاستعداد الأكاديمي. يمكن لمثل هذه التجارب أن تزيد من نفور العائدين، ما يضاعف من معاناتهم ويقلّل من فرص نجاحهم في إعادة الاندماج.
يمثّل اندماج الطلاب العائدين إلى المناطق التي تسيطر عليها ما يسمّى “قوات سوريا الديمقراطية”، في الشمال الشرقي، والمناطق المدعومة من تركيا في الشمال الغربي، تحديات فريدة من نوعها، بسبب المشهد التعليمي المجزأ والمناهج الدراسية المختلفة. ففي المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، طبقت الإدارة مناهج دراسية متميزة، غالبًا ما يُنظر إليها على أنها خاضعة لتأثير سياسي وأيديولوجي، وتختلف بشكل كبير عن المناهج الوطنية السورية. وهذا يخلق حالة من الانفصال بالنسبة للطلاب العائدين، الذين قد يواجهون صعوبة في مواءمة تعليمهم السابق مع المناهج الجديدة أو يواجهون مقاومة إذا ما رغبوا في إعادة الاندماج في النظام الوطني لاحقًا. في الشمال الغربي، يتأثر نظام التعليم بشكل كبير بالمعايير التركية، حيث تعتمد المدارس مناهج دراسية تتضمن اللغة التركية. وتطرح هذه الاختلافات صعوبات أمام الطلاب العائدين، لا سيّما أولئك الذين درسُوا في البلدان المجاورة لسورية أو في سياقات دولية أخرى، حيث يجب عليهم التكيف مع المناهج الدراسية الجديدة، ومع المناهج التربوية واللغات المختلفة أيضًا.
دروس من نماذج التعليم العالمية في مرحلة ما بعد الصراع
واجهت كثير من البلدان تحديات في دمج اللاجئين العائدين ضمن أنظمتها التعليمية. يعرض هذا القسم الممارسات والتجارب الناجحة لثلاثة بلدان تعرّضت للصراع في دمج العائدين في نظامها التعليمي.
· البوسنة والهرسك
شكّل إدماج الأطفال اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين في نظام التعليم في البوسنة والهرسك تحديًا معقدًا، ولكنه شكّل أيضًا فرصة حيوية للنمو في سياق ما بعد الحرب. فالبلاد التي كانت لا تزال تشتبك مع إرث الصراع الذي مزق المشهد التعليمي فيها، كانت مكلفة بتوفير التعليم والدعم للأطفال الذين جلبوا معهم تجاربهم الفريدة من الرضة النفسية (تراوما) والتهجير وتعطيل التعليم. تطلّب الاندماج الناجح الالتزام بالأطر الدولية لحقوق الإنسان، ووضع تصوّر أساسي للممارسات التعليمية لخلق بيئات شاملة وداعمة للجميع (Fischer, 2006).
كان لدى البوسنة والهرسك التزامات قانونية بضمان الحقّ في التعليم لجميع الأطفال، حتى اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، وبضمان الحصول على التعليم من دون تمييز. ومع ذلك، واجه النظام القائم في البلاد عقبات كبيرة. فقد خلّفت تركة حرب البوسنة إطارًا تعليميًا لا مركزيًا ومنقسمًا إثنيًا، وكان أحيانًا مشحونًا أيديولوجيًا. وأدى هذا التشرذم إلى انعدام التنسيق، وعدم الاتساق في الممارسات، وأحيانًا إلى اعتماد مناهج قديمة وغير مناسبة. وقد ازدادت الحواجز المنهجية هذه صعوبةً، بسبب نقاط الضعف لدى الأطفال اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، الذين غالبًا ما يتحمّلون، على غرار الأطفال السوريين العائدين، وطأةَ التجارب المؤلمة، والحواجز اللغوية، وتبعات الانقطاع عن التعلّم، والافتقار إلى شبكات الدعم الاجتماعي الراسخة، فضلًا عن التهديد بالتمييز المحتمل (MCAFH, 2020).
وللتغلّب على هذه التحديات، كان من الضروري اتباع مقاربة متعددة الجوانب. أولًا، تنفيذ الإطار القانوني بشكل كامل على جميع المستويات، ومعالجة القضايا المنهجية التي أعاقت الاندماج الحقيقي. ثانيًا، إصلاح المناهج الدراسية، مسترشدين بالمعايير الدولية والاستجابة للتنوع الثقافي، من ضمن ذلك حقوق الإنسان، وإدماج المحتوى الثقافي واللغوي المتنوع. وفي الوقت نفسه، تعزيز تدريب المعلمين، مع التركيز على بناء قدراتهم على العمل بفعالية على الأطفال اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين في المدارس الثانوية، من خلال توفير الرعاية الواعية بالرضات النفسية والدعم اللغوي وأساليب التدريس المتمايزة.
على مستوى المدرسة، كان من الضروري تهيئة بيئات آمنة ومُرحِّبة، تشمل إجراء تقييمات أولية شاملة، ووضع خطط تعليمية مصمّمة للوضع الجديد، وتيسير أنظمة دعم الأقران، وإشراك أولياء الأمور وأفراد المجتمع، وتنفيذ تدابير إضافية مثل ورشات اللغة، وفصول الاستدراك، والأنشطة في تقوية المنهاج. وكان هناك تركيز على توفير خدمات الصحة النفسية لمعالجة الرّضة النفسية التي تعرّض لها كثير من الأطفال اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين. ونُفِّذ ذلك بالتنسيق بين المدارس والخدمات الاجتماعية وخدمات الرعاية الصحية ذات الصلة. وإضافة إلى ذلك، لعب الوسطاء الثقافيون دورًا رئيسًا في سد الفجوات الثقافية (Lanahan, 2016).
وكان هناك تسليم واعتراف بضرورة معالجة اللغة، وهي عائق رئيسي أمام التعلم، من خلال فصول لغوية متخصصة، وضرورة دعم الأطفال في التواصل من خلال وسائل مختلفة. وإضافة إلى ذلك، كان تنفيذ التقييمات التكوينية/ التدريبية التي تدعم النمو الفردي للتلاميذ، والتركيز على مناهج التدريس الفردية أمرًا حاسمًا لنجاح الاندماج (فيشر، 2006). وكان لا بد من دمج هذه الأمور مع الإجراءات المجتمعية، حيث أدت مشاركة المجتمع المحلي إلى فهم أكبر لاحتياجات مجتمع اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين.
في نهاية المطاف، اعتمد الاندماج الناجح على تحويل النظام التعليمي من نظام مجزأ وحصري إلى نظام منسق وداعم وشامل. من خلال إعطاء الأولوية لمصالح الطفل المثلى، والتقيد بالالتزامات القانونية، وإصلاح البنية التحتية القائمة، وتمكين المعلمين، كان اندماج أطفال اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين في البوسنة والهرسك، في مرحلة ما بعد الحرب، فرصةً لإعادة بناء النظام، فضلًا عن خلق مجتمع أكثر عدلًا وإنصافًا وانسجامًا للجميع.
· رواندا
كانت الجهود التي بذلتها رواندا لإعادة دمج الطلاب العائدين في النظام التعليمي انعكاسًا لاستراتيجيتها الأوسع نطاقًا لإعادة بناء التعليم، التي ظهرت في أعقاب الإبادة الجماعية عام 1994. وقد التزم البلد ببناء بيئة تعليمية شاملة ومنصفة، بهدف ضمان عدم إهمال أي طفل، بغض النظر عن خلفيته أو ظروف عودته. وركزت الممارسات الرئيسة في دمج الطلاب العائدين في النظام التعليمي على معالجة كلٍ من تحديات إعادة الاندماج وفرص الصمود والنموّ.
كانت إحدى أولى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الرواندية بعد الإبادة الجماعية في عام 1994 هي إعادة فتح المدارس بسرعة، بدعم من الموارد الداخلية والشراكات الخارجية. وفي غضون شهرين من انتهاء الصراع، استأنفت المدارس الابتدائية عملها، ما يرمز إلى خطوة حاسمة نحو عودة الحياة الطبيعية والتعافي. ووفر هذا الإجراء السريع منصة لإعادة الاندماج (World Bank, 2005).
ومن بين الممارسات الإيجابية التي لوحظت سياسة الباب المفتوح التي اعتمدتها المدارس للترحيب بالعائدين. فقد أظهرت كثير من المدارس نهجًا استباقيًا، من خلال ضمان عدم التمييز ضد الطلاب العائدين بسبب تاريخهم أو حقيقة أنهم تلقّوا تعليمهم في بلدان مختلفة أو في مخيمات اللاجئين. كان هذا النهج الشامل أمرًا بالغ الأهمية، لأنه سمح للعائدين بالشعور بأنهم في وطنهم ومعترف بهم في بيئتهم الجديدة. غالبًا ما كان الطلاب الذين عادوا يصرّحون بأنهم شعروا بالارتياح عند عودتهم إلى نظام يمكنهم فيه التحدث بلغتهم والاندماج من دون تحيز، على عكس تجاربهم في المدارس الأجنبية، حيث كانوا يعاملون أحيانًا على أنهم “الآخر” (Dickson, 2023; Obura, 2003).
لتلبية الاحتياجات الخاصة للطلاب العائدين، استُحدِثت برامج استدراكية ومسارات تعليمية بديلة. على سبيل المثال، وفرت مدارس “اللحاق بالركب/ الاستدراك” فرص التعلّم السريع للأطفال الذين فاتتهم أعوام من التعليم بسبب النزوح أو الصراع. وتم تصميم برامج التعلم السريع على شكل دورات دراسية مضغوطة مدتها (3) أعوام، تغطي (6) أعوام من التعليم الابتدائي، ما يساعد الطلاب العائدين الأكبر سنًا على اللحاق بالركب. ونفذت المدارس نهجًا ثنائي اللغة لاستيعاب الطلاب العائدين من مختلف البلدان الناطقة بالإنجليزية والفرنكوفونية. وقد اعترفت هذه البرامج بالخلفيات التعليمية المتنوعة للطلاب العائدين، الذين التحق كثير منهم بالمدارس في المنفى، وهدفت إلى سد الفجوات في تعلمهم (Obura, 2003).
إضافة إلى ذلك، أكدت المؤسسات التعليمية في رواندا أهمية الدعم المجتمعي ودعم الأقران. واستفاد كثير من العائدين من الطبيعة الترحيبية لكل من المعلمين وزملائهم الطلاب. ونجحت المدارس التي عززت العلاقات الإيجابية بين المعلّمين والطلاب، وأظهرت اللطف في خلق بيئة مواتية لإعادة إدماج العائدين بسلاسة. وانسجمت هذه الممارسة مع جهود رواندا الأوسع نطاقًا لتعزيز الوحدة الوطنية والمصالحة الوطنية، وهي ضرورية لتضميد الجراح وإعادة بناء البلد (Obura, 2003; World Bank, 2005).
ولوحظ أيضًا أن سياسة اختيار مستوى الفصل الدراسي للأطفال العائدين بالتعاون مع أسرهم كانت ناجحة. وقد كفل ذلك وضع الأطفال في صفّ دراسي مناسب لخلفيتهم الأكاديمية، ما يحول دون الشعور بالإحباط أو الاغتراب بسبب عدم تطابق الخبرات التعليمية. أقرّت هذه الاستراتيجية بالخصوصية الفردية لكل طالب، لا سيما أولئك الذين ربما عانوا اضطرابات في تعليمهم، بسبب طول المدة التي قضوها في المنفى.
وإضافة إلى ذلك، انعكس تركيز رواندا على توفير التعليم للجميع، ومنهم العائدون، من خلال الجهود التي بذلتها الدولة لتخفيض تكاليف المدارس وتقديم المساعدة المالية لأكثر الفئات احتياجًا. وكان ذلك مهمًا بشكل خاص لأسر العائدين الذين ربما كانوا يعانون اقتصاديًا. ولعبت السلطات المحلية دورًا حاسمًا في ضمان عدم استبعاد الأطفال الأكثر ضعفًا من نظام التعليم (Obura, 2003).
تقدّم المقاربة التي تتبعها رواندا، في دمج الطلاب العائدين في نظامها التعليمي، دروسًا قيّمة للدول الأخرى في مرحلة ما بعد الصراع. ويساعد الجمع بين المنهاج الشامل والمشاركة المجتمعية القوية، والالتزام بالحد من العوائق التي تحول دون التعليم، في ضمان إتاحة الفرصة للعائدين، كحال جميع الأطفال، للازدهار والمساهمة في جهود إعادة بناء البلاد (Dickson, 2023).
· أفغانستان
واجهت أفغانستان تحديات كبيرة في دمج الطلاب العائدين في نظامها التعليمي، بسبب ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والأمنية المعقدة. ومع ذلك، يمكن تسليط الضوء على كثير من الممارسات الإيجابية من الاستراتيجيات والبرامج الأخيرة التي تهدف إلى معالجة هذه التحديات.
فقد أكدت الخطة الاستراتيجية الوطنية للتعليم في أفغانستان (2017-2021) أهمية الوصول العادل إلى التعليم، مع الاعتراف بالعدد الكبير من الطلاب العائدين كمجموعة ذات أولوية. وحددت الخطة الحاجة إلى تكييف الخدمات التعليمية لتلبية الاحتياجات المتنوعة لجميع الطلاب، ومنهم العائدون، من خلال توسيع نطاق الوصول إلى التعليم الأساسي وضمان توفير الموارد اللازمة (Lan and Yang, 2022).
كان أحد الأساليب الفعالة هو سياسة التعليم المجتمعي التي تهدف إلى تقريب التعليم من المجتمعات المحلية، لا سيما في المناطق الريفية والمناطق المتأثرة بالصراع. وقد ساعدت هذه المقاربة في الحد من العوائق، مثل مسافات السفر الطويلة للوصول إلى المدارس، التي كانت مشكلة شائعة بالنسبة للطلاب العائدين. أظهر برنامج التعليم المجتمعي التعليمي المجتمعي نتائج واعدة في زيادة الالتحاق بالمدارس بين الفئات المهمشة، من ضمن ذلك العائدون والنازحون داخليًا (ECW, 2022).
ومن المبادرات الإيجابية الأخرى، البرنامج الكبير (التعليم لا يمكن أن ينتظر) الذي يستمر أعوامًا عدة، وقد استهدفت هذه المبادرة الفئات السكانية الضعيفة من النازحين والعائدين، بهدف خلق بيئة تعليمية شاملة وضمان استمرارية التعليم. وقد عالجت هذه المبادرة الاحتياجات الخاصة للطلاب العائدين، من خلال توفير برامج تعليمية سريعة ساعدت الطلاب في استدراك ما فاتهم من تعليم. وأكدت هذه البرامج أيضًا أهمية الدعم النفسي والاجتماعي، وهو أمرٌ بالغ الأهمية للطلاب الذين عانوا النزوح (ECW, (2022.
وكان التركيز على سياسات التعليم الشامل، مثل تطوير المدارس الصديقة للطفل والجهود المبذولة لزيادة عدد المعلمات، خطوة مهمّة إلى الأمام، إذ ساعدت هذه التدابير في خلق بيئة أكثر أمانًا وترحيبًا لجميع الطلاب، الذين غالبًا ما واجهوا عوائق إضافية في التعليم (UNESCO, 2021; ECW, 2022).
وقد أكدت مشاركة المنظمات الدولية (المنظمات الدولية غير الحكومية)، مثل (يونسكو)، في دعم التزام أفغانستان بخطة التعليم 2030، أهمية الشراكات العالمية في تحسين نتائج التعليم. من خلال الاستفادة من الدعم والخبرة الدولية، تمكنت أفغانستان من تنفيذ استراتيجيات شاملة لدمج الطلاب العائدين في نظامها التعليمي بفعالية (UNESCO, 2021).
كانت جهود أفغانستان لدمج الطلاب العائدين في نظامها التعليمي مدعومةً بسياسات هادفة ومقاربات مجتمعية وتعاون دولي. ويمكن لهذه الممارسات الإيجابية، في حال استمرارها وتوسيع نطاقها، أن تحسّن كثيرًا من فرص حصول الطلبة العائدين في أفغانستان على التعليم ونتائجه.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا العرض يركّز على الممارسات الإيجابية في دمج الطلاب العائدين في أنظمة التعليم، وعلى الدروس المفيدة مع تجنّب تحليل الأمثلة السلبية. فعلى سبيل المثال، يشكل الحظر المستمر الذي تفرضه سلطات الأمر الواقع في أفغانستان على تعليم الفتيات تناقضًا صارخًا مع الممارسات الإيجابية المحددَة، ويسلط الضوء على أهمية هياكل الحوكمة الداعمة للاندماج الناجح.
وتوضّح دراسات الحالة المذكورة أعلاه أهميّة المقاربات الخاصة والشاملة والقائمة على المجتمع المحلي لدمج الطلاب العائدين في نظم التعليم. وعلى الرغم من أن الاستراتيجيات كانت فعالة في معالجة التحديات المشتركة، فإن نجاحها غالبًا ما اعتمد على الاحتياجات الخاصة بسياق كل بلد. على سبيل المثال، كان اعتماد البوسنة والهرسك على الوسطاء الثقافيين والإصلاحات القانونية ضروريًا في سياق الانقسام الإثني، في حين إن تركيز رواندا على المصالحة الوطنية والمساعدة المالية عَكسَ الأهداف المجتمعية الأوسع نطاقًا للتعافي في مرحلة ما بعد الإبادة الجماعية. وأظهر نجاح أفغانستان في مجال التعليم المجتمعي أن الحلول المحلية يمكن أن تتغلب على العوائق الممنهجة والجغرافية.
يسلط هذا العرض الضوء على قابلية هذه الاستراتيجيات للتكيف وملاءمتها، ويقدم دروسًا قيمة لبلدان أخرى مثل سورية، حيث يواجه الطلاب العائدون تحديات مماثلة. ومن خلال التركيز على الممارسات الإيجابية المحددَة، يقدّم هذا التحليل خارطة طريق لجهود الدمج التعليمي الفعالة والمستدامة.
استراتيجية دمج الطلبة السوريين العائدين في النظام التعليمي
يتطلب اندماج الطلاب السوريين العائدين في النظام التعليمي إجراء مقاربة متعددة الأوجه، تعالج التحديات الفريدة الناشئة عن أعوام الصراع والنزوح والتجارب التعليمية المختلفة. وفي ما يلي الخطوط العريضة لاستراتيجية شاملة تتماشى مع أفضل الممارسات العالمية في سياق المشهد التعليمي الحالي في سورية.
- إعادة بناء البنية التحتية التعليمية وتوسيع نطاقها
إن إعادة بناء البنية التحتية التعليمية أمرٌ بالغ الأهمية لاستيعاب تدفق الطلاب العائدين. وينبغي إجراء تقييمات شاملة أولًا لإعطاء الأولوية لإعادة بناء المرافق التعليمية المتضررة أو المدمرة، وضمان توفير بيئات تعليمية آمنة ومناسبة. ويجب أن تعطي الجهودُ الأولوية لإعادة تأهيل المدارس، لا سيما في المناطق التي تضم أعدادًا كبيرة من العائلات العائدة. ولا يقتصر ذلك على إعادة بناء المدارس فحسب، بل يشمل أيضًا ضمان تجهيزها بالمرافق المناسبة، مثل الكهرباء والمياه والصرف الصحي. يمكن نشر حلول مؤقتة، مثل المدارس المتنقلة أو المباني الجاهزة، لتلبية الاحتياجات العاجلة، ويجب أن تشمل هذه المرافق مرافق المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية والمرافق الصحية التي يمكن الوصول إليها لذوي الإعاقة لضمان الشمولية والسلامة.
- جسر الفجوات في المناهج الدراسية والدعم اللغوي
لمعالجة هذا الأمر، يجب على النظام التعليمي السوري إنشاء برامج تجسّر الفجوات، تتماشى مع المنهاج الوطني السوري، مع الأخذ في الحسبان التجارب التعليمية المتنوعة للعودة. يمكن تصميم برامج تعليمية لمساعدة الطلاب العائدين في الانتقال السلس إلى المنهاج السوري، مع الأخذ في الحسبان الفروقات في المناهج التي درسها الطلاب خلال فترة لجوئهم. يجب أن تركز هذه البرامج على المواد الأساسية، مثل اللغة العربية والرياضيات والعلوم، مع تقديم دعم إضافي في اكتساب اللغة العربية للطلاب الذين تلقوا تعليمهم باللغات الأجنبية. مستوحاة من برامج مثل برنامج التعلم الذاتي لـ (يونسكو) في مناطق الصراع، يجب أن تشمل هذه المبادرات أساليب التعلّم الرقمي والمختلط للوصول إلى الطلاب في المناطق النائية.
- تقديم الدعم النفسي والاجتماعي والعاطفي
لا بد أن تكون المدارس، فضلًا عن أنها مراكز للتعلم، مساحات آمنة تعزز الصحة العقلية. وينبغي للمعلمين وموظفي المدارس أن يتلقوا تدريبًا في التعليم الذي يراعي الرّضات النفسية لخلق بيئات داعمة. وينبغي دمج خدمات الاستشارة في المدارس، مع إقامة شراكات مع منظمات الصحة العقلية لضمان الرعاية المهنية. وإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام أنشطة خارج المنهاج، مثل الفن والرياضة، لمساعدة الأطفال في التعبير عن أنفسهم وبناء الثقة. وكان هذا النهج فعالًا في بيئات أخرى بعد الصراع، مثل رواندا والبوسنة، حيث إن دمج الدعم النفسي والاجتماعي داخل المدارس، بغية معالجة الصدمات النفسية، وتعزيز رفاهية الطلاب، وخلق بيئة داعمة مواتية للتعلم، يسهم في تسريع دمج الطلاب العائدين إلى سورية في النظام التعليمي.
- الحد من الحواجز الاقتصادية أمام التعليم
لتخفيف هذه الحواجز، يتعين على الحكومة السورية وشركائها تنفيذ برامج التحويلات النقدية المشروطة التي تحفز الحضور إلى المدارس. ومن الممكن أن تعالج برامج، مثل مبادرات التغذية المدرسية، الاحتياجات الغذائية والوصول إلى التعليم، كما يتبين من جهود برنامج الغذاء العالمي في مناطق الأزمات. وينبغي أيضًا توفير المنح الدراسية وإعانات النقل للأسر المحتاجة. ولا تزيد هذه التدابير معدلات الالتحاق بالمدارس فحسب، بل تحدُّ أيضًا من معدّلات التسرب.
- تعزيز توظيف المعلمين وتدريبهم
يجب أن تستهدف جهود التوظيف العائدين الذين لديهم خبرة في التدريس، وتقديم الفرص لهم للعودة إلى المهنة، من خلال برامج وشهادات تدريب عاجلة. يجب أن تركز برامج التطوير المهني على تزويد المعلمين بالمهارات اللازمة لتلبية الاحتياجات المتنوعة للطلاب، من ضمن ذلك ذوي الإعاقة والرّضات النفسية. وإضافة إلى ذلك، يمكن لتدريب المعلمين على حلّ الصراعات والممارسات الشاملة أن يساعدهم في التعامل بحساسية مع الفصول الدراسية ذات الخلفيات الطائفية المتنوعة. يجب إعطاء اهتمام خاص لإنشاء هيئة تدريس متوازنة جندريًا، لا سيما في المناطق الريفية، حيث يمكن للمعلّمات أن يلعبن دورًا حاسمًا في زيادة تسجيل الفتيات. يقدّم برنامج (لا يمكن للتعليم أن ينتظر ECW) في أفغانستان نموذجًا، حيث تم تدريب أعضاء المجتمع المحلي كمعلمين، لضمان الملاءمة الثقافية والاستدامة.
- تبسيط العمليات الإدارية
ينبغي لوزارة التربية والتعليم السورية تبسيط إجراءات التسجيل، من خلال التخلي عن متطلبات التوثيق الصارمة التي تسمح بالقبول المؤقت، وربما يكون ذلك باعتماد آليات تقييم بديلة، لتحديد المستوى التعليمي المناسب لهم. إن إنشاء نظام معلومات إدارة التعليم القوي يمكن أن يُسهّل تتبع الطلاب العائدين ودمجهم، مع ضمان عدم تخلف أي طفل عن الركب. يمكن للشراكات مع المنظمات غير الحكومية الدولية و(يونيسيف) و(يونسكو) أن تدعم تطوير هذه الأنظمة وتنفيذها (Al-Samarai, 2021).
- معالجة قضايا النوع الاجتماعي (الجندرة)
تتطلب معالجة قضايا النوع الاجتماعي (الجندرة) في إعادة دمج الطلاب السوريين العائدين جهودًا موجهَة للتغلب على التحديات الفريدة التي تواجهها الفتيات في الوصول إلى التعليم. ذلك بأن المعايير التقليدية الجندرية، والمخاوف المتعلقة بالسلامة، والآثار المترتبة على الصراع، أدت إلى تقليص الفرص التعليمية للفتيات، ما يجعل من الضروري تنفيذ سياسات تراعي الجندرة. إن وجود المعلّمات يمكن أن يشجع الفتيات على الالتحاق بالمدرسة. وإنّ خلق بيئات تعليمية آمنةٍ يسهل الوصول إليها، من خلال توفير مرافق منفصلة حسب الجندر ووسائل نقل آمنة ومدارس تقع بالقرب من المناطق المحرومة من الخدمات، يمكن أن يساعد في تخفيف الحواجز التي تؤثر في استجابة الطالبات.
إن تحدي المعايير الثقافية ومعالجة بعض القضايا الاجتماعية مثل الزواج المبكّر أمران مهمّان بالقدر نفسه لضمان مشاركة الفتيات المستدامة في التعليم. وينبغي أن تركز حملات التوعية على تعزيز الفوائد الاجتماعية والاقتصادية لتعليم الفتيات للأسر والمجتمعات. ومن خلال دمج الإرشاد والتوجيه للطالبات، وخاصة العائدات من بيئات تعليمية مضطربة، يمكن للمدارس أن تعزز بيئة داعمة للفتيات، وتمكنهن من النجاح أكاديميًا ومن المساهمة في التعافي والتنمية الأوسع في سورية.
- معالجة الطائفية
إن معالجة هذه القضية أمرٌ بالغ الأهمية لتعزيز التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية. يمكن للانقسامات الطائفية، التي تفاقمت بسبب أعوام الحرب، أن تشكل تحديات كبيرة في خلق بيئات تعليمية شاملة للطلاب العائدين. إن تعزيز المناهج الدراسية التي تحتفي بالتراث الثقافي والديني المتنوع في سورية أمرٌ ضروري لمواجهة التحيزات وتشجيع الاحترام المتبادل بين الطلاب. يمكن للمدارس أن تعمل كمساحات للمصالحة، من خلال تسهيل التعاون بين المجموعات عبر المشاريع القائمة على الجماعة والأنشطة خارج المنهاج، وتعزيز الثقة والتفاهم بين الطلاب من المجتمعات الطائفية المختلفة.
- تعزيز المشاركة المجتمعية
إن دعم المجتمع أمرٌ ضروري لإعادة دمج الطلاب العائدين بنجاح. ومن الممكن أن يؤدي إشراك القادة المحليين والشخصيات الدينية وجمعيات الآباء والمعلمين إلى بناء الثقة وتشجيع الأسر على إعطاء الأولوية للتعليم. وينبغي لحملات التوعية العامة أن تؤكد على قيمة التعليم، وأن تعالج الوصمات المرتبطة بالنزوح. ومن الممكن أن تعمل البرامج التعاونية التي تشمل المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية على تعزيز مشاركة المجتمع المحلي وإنشاء شبكات دعم للأسر العائدة. وتسلط الدروس المستفادة من نماذج أخرى الضوء على أهمية المشاركة الشعبية في التغلب على الحواجز الثقافية واللوجستية التي تحول دون حصول الأطفال على التعليم.
إن المشاركة المجتمعية أمرٌ حيوي في مكافحة التحيز الطائفي وتعزيز القيم الشاملة. إن إشراك الآباء وقادة المجتمع في المبادرات المدرسية من شأنه أن يعزز التسامح والتفاهم خارج الفصول الدراسية. وتسلط الأمثلة الناجحة، مثل استخدام الوسطاء الثقافيين في البوسنة والهرسك، الضوء على أهمية سد الفجوات وضمان الوصول العادل إلى التعليم لجميع الفئات. ومن خلال تبنّي مقاربات مماثلة، يمكن لنظام التعليم في سورية أن يلعب دورًا محوريًا في معالجة الانقسامات المجتمعية، وبناء الثقة، والمساهمة في الاستقرار ووحدة البلد على المدى البعيد.
- التباينات في المناهج الدراسية والنظام التعليمي
يكمن الحلّ الأمثل للأنظمة التعليمية المجزأة في سورية في التوصل إلى تسوية سياسية تعيد دمج المناطق لسيطرة الحكومة المركزية في دمشق، ولأن هذا الأمر غيرُ ممكن حاليًا، بسبب اقتراب امتحانات نهاية العام، فلا بدّ من اتخاذ خطوات فورية لمعالجة التباينات في المناهج الدراسية. ومن الممكن أن يؤدي الحوار بين أصحاب المصلحة -من ضمن ذلك وزارة التربية والتعليم والسلطات التعليمية المحلية والمنظمات غير الحكومية الدولية والجهات المانحة- إلى إرساء معايير أساسية للمواد الأساسية، مثل الرياضيات والعلوم والقراءة والكتابة، ما يخلق الانسجام بين المناطق. ولا بدّ من تنفيذ برامج جسر الفجوات ومراكز التعليم الانتقالي لمساعدة الطلاب على التكيف، مع التركيز على اكتساب اللغة والكفاءات الأساسية بما يتماشى مع المناهج الوطنية السورية.
كما يمكن للمنصّات الرقمية والتعلّم المدمج أن تلعب دورًا حاسمًا في توفير مواد موحدة مصممة خصيصًا لتلبية الاحتياجات اللغوية والثقافية المتنوعة مع ضمان التوافق مع الأهداف التعليمية الوطنية. ويشكل الإطار التعاوني ضرورة أساسية، حيث تعمل فرق العمل المشتركة على تيسير التنسيق بين الجهات الفاعلة الرئيسة لتوحيد التقييمات والشهادات، وضمان الاعتراف بالإنجازات الأكاديمية للطلاب في مختلف المناطق. وتقدّم هذه التدابير حلولًا عملية قصيرة الأجل لدعم الطلاب العائدين ومعالجة الفوارق التعليمية في غياب إطار وطني موحد.
- المراقبة والتقييم
إن وجود إطار شامل للمراقبة والتقييم أمر ضروري لقياس نجاح جهود الإدماج. وينبغي لمؤشرات الأداء الرئيسة أن تتعقب معدلات الالتحاق والحضور والأداء الأكاديمي للطلاب العائدين. ولا بد من إنشاء قنوات لتلقي ردود الفعل من الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين والمجتمعات المحلية، لضمان استمرار نظام التعليم في الاستجابة لاحتياجاتهم. وسوف تسمح التقييمات الدورية بإجراء تعديلات تستند إلى البيانات على البرامج والسياسات، ما يضمن استمرار فعاليتها وارتباطها بالواقع.
تقدّم هذه الاستراتيجية الشاملة خارطة طريق لضمان حصول الأطفال والشباب العائدين على تعليم شامل عالي الجودة. ومع ذلك، يتطلب تحقيق هذه الأهداف جهودًا متضافرة تمتد إلى ما هو أبعد من الحدود الوطنية، مع تأكيد الدور الحاسم للمجتمع الدولي والتعاون بين وزارة التربية والتعليم السورية والمنظمات غير الحكومية الدولية.
يلعب المجتمع الدولي دورًا حيويًا في توفير الموارد المالية والخبرة الفنية ودعم بناء القدرات اللازمة لتنفيذ هذه المبادرات واستدامتها. ويمكن للمنظمات غير الحكومية الدولية أن تُسهم جيدًا من خلال تمويل إعادة تأهيل البنية الأساسية ودعم تدريب المعلمين وتوفير الموارد لبرامج الربط. ولن تسرّع مشاركتها تنفيذ الحلول فحسب، بل ستضمن أيضًا التوافق مع أفضل الممارسات العالمية في التعليم والتعافي في مرحلة ما بعد الصراع.
يشكل التعاون بين وزارة التربية والتعليم السورية والمنظمات غير الحكومية الدولية أهمية بالغة لإنجاح هذه الاستراتيجية. فالمنظمات غير الحكومية الدولية تقدّم خبرات قيّمة من تجربتها في سورية وغيرها من البيئات التي شهدت صراعات، وتقدم نماذج مثبتة للتغلب على الحواجز التي تحول دون التعليم. ومن خلال العمل في شراكة، تستطيع الوزارة والمنظمات غير الحكومية الدولية تصميم وتنفيذ برامج مبتكرة مصممة خصيصًا لتلائم السياق الفريد لسورية، مثل مبادرات التعليم المجتمعية، وممارسات التدريس التي تراعي الرّضات النفسية، ومنصات التعلّم القائمة على التكنولوجيا. وينبغي أن يمتد هذا التعاون إلى جهود المراقبة والتقييم، لضمان استجابة البرامج للاحتياجات المتطورة للطلاب والمجتمعات.
الخاتمة
يُعدّ دمج الطلاب السوريين العائدين في النظام التعليمي عنصرًا محوريًا في رحلة سورية الأوسع، لإعادة الإعمار والتعافي بعد سقوط نظام بشار الأسد. وبينما يبعث احتمال العودة إلى سورية ما بعد الصراع الأملَ بين اللاجئين، فإن التحديات التي تواجه الأسر العائدة، ولا سيما في مجال التعليم، واسعة النطاق ومتعددة الأوجه. وإن معالجة هذه العقبات أمرٌ ضروري لتعزيز الاستقرار وإعادة بناء المجتمعات وضمان مستقبل مليء بالفرص للجيل الأصغر سنًا في البلاد.
يتجاوز دور التعليم حدود الفصول الدراسية. فهو حجر الزاوية في بناء السلام والمصالحة الوطنية والتنمية المستدامة. ومن خلال الاستثمار في نظام تعليمي شامل ومرن، لا تعالج سورية الاحتياجات الفورية للأسر العائدة فحسب، بل تضع أيضًا الأساس للتعافي المجتمعي على المدى الطويل. وبفضل التعليم، يمكن للطلاب العائدين أن يصبحوا مشاركين نشطين في إعادة بناء بلدهم، وتعزيز الوحدة، والمساهمة في الانتعاش الاقتصادي والاجتماعي لسورية.
وعلى الرغم من أن التحديات كبيرة، فإنها ليست عصيّة على الحلّ. ومن الممكن أن يضمن الجهد المنسّق الذي تشارك فيه الحكومة السورية والشركاء الدوليون والمنظمات غير الحكومية الدولية والمجتمعات المحلية بأن يصبح التعليم منارة أمل وأساسًا لمستقبل سورية. وبالنسبة إلى ملايين النازحين السوريين الذين يحلمون بالعودة إلى ديارهم، فإن نظام التعليم القوي والشامل لا يوفر لهم الوعد بالفرصة فحسب، بل ضمان الانتماء وإعادة البناء أيضًا.
المراجع
1- Al-Samarai E. 2021. Strengthening Education Management Information Systems (EMIS) and Data for Increased Resilience to Crisis, Country Case Study: Syria. UNESCO.
2- Dickson B. A. 2023. Reconstruction and Resilience in Rwandan Education Programming: A News Media Review. Journal of Peacebuilding and Development, 18(2), 177-194.
3- ECW (Education Cannot Wait) Multi-Year Programme. 2022. Delivery Collective Education Outcomes in Afghanistan.
4- Fischer A. 2006. Integration or Segregation? Reforming the Education Sector. In: Martina Fischer (ed.) Peacebuilding and Civil Society in Bosnia-Herzegovina. Ten Years after Dayton. Münster: Lit-Verlag, 297-324.
5- Lan J. and Yang X. 2022. A Review of Afghanistan’s National Education Strategic Plan (2017-2021). Pacific International Journal, 5(3), 10-17.
6- Lanahan B. 2016. Post-Conflict Education for Democracy and Reform: Bosnian Education in the Post-War Era, 1995–2015. Palgrave Macmillan, London.
7- MCAFH (Ministry of Civil Affairs of Bosnia and Herzegovina) and UNICEF Bosnia and Herzegovina, 2020. Manual for the Inclusion of Refugee, Asylum Seeker and Migrant Children in the Education Process in Bosnia and Herzegovina.
8- Obura A. 2003. Never again: Educational Reconstruction in Rwanda. International Institute for Educational Planning, Working document.
9- UNESCO. 2021. The right to education: What’s at stake in Afghanistan? A 20-year review. Paris.
10- World Bank. 2005. Reshaping the Future:Education and Post conflict Reconstruction. The International Bank for Reconstruction

