مقدمة
يكتسب موضوع دراسة منظمات المجتمع الثالث «المدني» أهمية كبيرة لدى المجتمعات الحديثة لا سيما بعد انتصار الثورات، بكونه يشكل ركيزة في فهم مؤشرات الحرية والرخاء وما تتطلع له البنى الاجتماعية التي تحررت من الاستبداد والطغيان، وتأتي الأهمية بكون المجتمع المدني ومنظماته يشكلان حلقة وصل بين التحوّل السياسي والانتقال الديمقراطي وبين السلطة والمجتمع على أسس وطنية متسقة مع المتطلبات العامة كما في الواقع السوري الجديد.
من هنا، يعتبر النموذج السوري عقب سقوط الأسد من الموضوعات المهمة لدراسة حالة المنظمات وتتبع مستويات تحوّلاتها، بعدما كانت سورية من الدول الرائدة في التنظيمات الأهلية والمدنية قبل انقلاب البعث وسيطرة عائلة الأسد على السلطة. وقد شكّلت الثورة السورية فرصة مهمة للفواعل المدنيين السوريين للعودة إلى مربع الحركة والعمل مما جعل هذه التجربة منطلقاً جديداً لمنظمات المجتمع المدني السورية لإعادة بناء ملامحه وهويته من جديد لا سيما بعد سقوط الأسد.
تناقش هذه الورقة في أصول منظمات المجتمع المدني السورية عبر سرد تاريخي للجذور من حيث البيئة القانونية والدستورية، وتعمل على تفكيك نماذج وآليات تعاطي الاستبداد مع المنظمات والجمعيات خلال حقبتي الأسد الأب والابن، كما تحاول فهم كيف استعادت المنظمات دورها خلال الثورة السورية وذلك عبر الإشارة لواقعها وأهم الدروس المستفادة منها، بالإضافة إلى تحوّلاتها وتحدياتها عقب سقوط الأسد في محاولة لتسليط الضوء على قدرتها في التكيّف مع الواقع الجديد، وتقدّم هذه الورقة توصيات للفاعلين في المنظمات والحكومة السورية الجديدة من أجل النهوض في المجتمع المدني السوري.
أولاً. البنية القانونية والدستورية للمنظمات السورية: لمحة تاريخية
عاصرت سورية مراحل مختلفة في عمل الجمعيات والمنظمات، ولطالما كان هناك حاجة ملحة من أجل تنظيم المجتمع المدني ضمن الدساتير والقوانين الناظمة في سورية وذلك بسبب النشاط والفعالية الكبيران، مما ساعد على وجود حالة تنظيمية يزيد عمرها عن 100 عام في سورية.
بدأت تجربة سورية المدنية بالتزامن مع تراجع دور السلطة المركزية خلال المرحلة العثمانية، وتعاظم دور الجمعيات القومية لا سيما التركية والعربية، وكان المنعطف الأساسي عند اعتماد القانون الأساسي الثاني عام 1909 لقانون تنظيم الجمعيات، حيث انتظمت عدة جمعيات ضمن القانون ، وخلال نشوء المملكة السورية حفظ الدستور السوري في المادة 16 حق إنشاء الجمعيات مع استمرار بقاء العديد من القوانين الناظمة خلال مرحلة الدولة العثمانية منها «قانون الجمعيات» وعمد الانتداب الفرنسي لاستصدار عدة قرارات تنظيمية إضافية لقانون الجمعيات من أجل الحرص على الضبط والاستحواذ على الحركة الوطنية السورية، مع ذلك نص دستور العام 1930 وهو أول دساتير «الجمهورية السورية» على ضرورة حفظ حق تشكيل وتأسيس الجمعيات السورية.
لدى استقلال سورية، نص دستور سورية لعام 1950 على حق السوريين في تأليف الجمعيات والانتساب لها، في حين كان قانون الجمعيات رقم 47 لعام 1953 أول قانون للجمعيات السورية، وقد ألغى قوانين الجمعيات العثمانية وقرارات الانتداب الفرنسي السابقة، ويعتبر القانون أكثر تحرراً ومساحةً للحريات العامة مقارنةً بغيره، إذ جاء في سياق تنظيم الجمعيات والمنظمات السورية بينما اعتمدت حكومة الوحدة العام 1958 القانون رقم 93 قانوناً للجمعيات السورية وهو الثاني والذي بقي مستمراً لحد كتابة هذه الورقة[1].
وتأثرت سورية خلال مرحلة البعث بشكل كبير بقانون الطوارئ للعام 1962 والذي جعل الرقابة على المنظمات مرتفعة جداً مقارنةً بالفترات السابقة، بينما كانت تعديلات قانون الجمعيات ضمن المرسوم التشريعي رقم 224 لعام 1969 بالتزامن مع وصول حافظ الأسد للسلطة من أكثرها رقابةً وسيطرةً على المنظمات والجمعيات السورية، لحين اندلاع الثورة السورية 2011 حيث ألغى بشار الأسد قانون الطوارئ، بجانب إضافة مواد دستورية جديدة متعلقة بالمنظمات كما في المادة 10 و45 كجزء من الاستجابة لمطالب على المجتمع المدني، والتي أخذت الطابع الشكلي.
الشكل (1) تطور الحالة الدستورية والقانونية للجمعيات السورية

بينما اتجهت المعارضة السورية لتطوير مساحات عمل المجتمع المدني خلال الثورة السورية، عبر اعتماد عدة قرارات تنظيمية كما في حالة الحكومة المؤقتة التي اعتمدت قرارات 10 و11 في العام 2021 [2] من أجل تنظيم الجمعيات وكذلك عمدت حكومة الإنقاذ نحو إصدار قرارات عامة من أجل تنظيم عمل المنظمات الإنسانية.
أخيراً، كانت آخر مراحل التنظيم للجمعيات والمنظمات عندما أصدرت حكومة تصريف الأعمال السورية، القرار القاضي بتنظيم الجمعيات السورية مطلع العام 2025 لتبدأ مرحلة جديدة في العلاقة بين المنظمات والحكومة السورية[3].
ثانيًا. سورية وتجربة المنظمات خلال حقبتي الأسد الأب والابن
مرّت سورية خلال مرحلة نظام الأسد منذ مطلع العام 1970 لحد سقوط نظام الابن بشار الأسد، بثلاثة مراحل «مرحلة نظام حافظ الأسد» و «مرحلة نظام بشار الأسد» و «مرحلة الثورة السورية» بينما يمكن أن يضاف لها المرحلة الجديدة عقب سقوط الأسد. [4]
شهدت حقبة حافظ الأسد تشديداً على عمل المنظمات مقارنةً بفترة الاستقلال مستفيداً من إعلان حالة الطوارئ التي حلت عملياً مكان قانون الجمعيات، حيث قام النظام بحظر مجموعة من المنظمات المدنية وإيقاف نشاطها بشكل كامل مثل حالة الكشاف السوري، بجانب تشديد الرقابة عليها عبر طلب موافقات أمنية لتشكيل المنظمات، مع تعديلات على آليات حل الجمعيات بقرار أمني، كما عمل على تشكيل منظمات بديلة مقربة منه لمحاصرة النشاط المدني مثل المنظمة الوطنية للطفولة السورية التابعة لحزب البعث العربي الاشتراكي، وقد أدت هذه السياسات لإلغاء هوية المجتمع المدني واستبداله بهوية المجتمع المتجانس مع رؤية الأسد ليصبح أداةً ناعمة بيده لمواجهة معارضيه، وقد انخفض عدد الجمعيات إلى 513 بعدما كانت تزيد عن 596 خلال مرحلة ما قبل وصول البعث في سورية 1946-1963 في إشارة لحجم الاستبداد السياسي في محاولة ترويض المجتمع الثالث «المدني».
بينما شهدت فترة بشار الأسد قبل الثورة انفتاحاً محدوداً بالتزامن مع الانفتاح على المعارضة السياسية، حيث تشجعت “لجان إحياء المجتمع المدني» أواخر العام 2000 عبر بيان وقع عليه 99 شخصاً ومن ثم بداية العام 2001 على المطالبة بإلغاء حالة الطوارئ وإطلاق الحريات وإصدار قانون لتنظيم عمل الأحزاب والجمعيات والنوادي والمنظمات غير الحكومية في إطار إعادة تعريف احتكار الدولة لهذا القطاع. بينما وضعت وزارة الشؤون الاجتماعية ضوابط محددة لتشكيل المنظمات من بينها أخذ إذن قبل 15 يوماً من الموعد، مرفقاً بقائمة تضم أسماء الحضور والشخصيات وذلك بالتزامن مع حملة أمنية وإعلامية شنها عدة مسؤولين لدى النظام أبرزهم وزير الإعلام حينها «عدنان عمران» الذي وصف المجتمع المدني السوري بـ “الاستعمار الجديد» بذات التوقيت وفّرت الوزارة تسهيلات لتشكيل منظمات جديدة في سورية أخذت طابع “المنظمات غير الحكوميّة المنظّمة حكومياً» (GO-NGOs) أو القطاع النصفي حكومي، كما في نموذج الأمانة السورية للتنمية التي أسستها أسماء الأسد عقيلة رئيس النظام بشار الأسد عام 2001 والتي حاولت تصدير نفسها كداعمة للتنمية المجتمعية، لكنها في الأصل كانت «ديكور للمجتمع المدني».
بالتزامن مع ذلك، اعتمدت حكومة الأسد سياسة «اقتصاد السوق الاجتماعي» التي أدت لبعض الانفتاح المقيد ودخول مفاوضات مع شبكات اقتصادية سورية منها «شبكة الأغا خان للتنمية» التي عاودت عملها في سورية العام 2001 انطلاقاً من حرصها على دعم الطائفة الاسماعلية، أو رجال أعمال سوريين في أوروبا مثل «منظمة سعيد»[5]. وقد ارتفعت عدد المنظمات في هذه المرحلة لحوالي 1486منظمة بينما لم تتجاوز ال500 خلال مرحلة حافظ الأسد، لكن سرعان ما عاود النظام للتضيق على المنظمات عقب أحداث ربيع دمشق ووصل لأوجه بعد اندلاع الثورة 2011، لكن لا يعبر هذا النمو عن تغير في ثقافة العمل المدني السوري، حيث بقيت معظم هذه المنظمات تعمل ضمن القطاع الخدمي فقط.[6]
في الفترة الثالثة، عاشت سورية انفتاحاً كبيراً على تشكيل منظمات المجتمع المدني في مناطق المعارضة السورية، حيث تم تشكيل مئات المنظمات رغم الظروف الأمنية الصعبة ودخول المنظمات الدولية لسورية منها دخل لأول مرّة، حيث عملت معظمها في الجانب الإنساني مع اهتمام بالواقع الحقوقي للقضية السورية، وارتكزت عملية التشكيل على مناطق ريفي حلب وإدلب بعد الاستقرار النسبي لشكل السيطرة للقوى العسكرية. [7]
بينما حرص النظام في مناطقه خلال هذه الفترة على إيقاف عملية تشكيل المنظمات سوى تحت رقابة أمنية شديدة، وقد شكّل جمعيات تابعة له وتوجيهها بما يخدم أجندته السياسية والاقتصادية القائمة على الهيمنة والاستحواذ إذ بلغ عدد المنظمات بين أعوام 2011-2021 التي شكلتها شبكات مقربة من الأسد وتعمل لصالحه ما يزيد عن 40 جمعية من أصل 83 جمعية عاملة في حلب مناطق النظام، كما في حالة «يداً بيد» التي عملت لصالح جيش النظام، وكانت تلك الجمعيات كتكتيك من أجل الهيمنة الكاملة على المجتمع المدني[8]. لكن مع توفر فضاء حريات جيد في مناطق المعارضة السورية مقارنة بمناطق النظام بدأت تتشكل ملامح العمل المدني القائم على الحريات والاستقلالية لحد ما، لكنه لم يصل لمرحلة المجتمع المدني المستقر بعدما استطاع نظام الأسد تفتيت المجتمعات الثلاثة (السياسية والمدنية والعسكرية) بينما نجحت المنظمات التي تشكلت عقب الثورة في إعادة تشكيل مقدمات أولية للمجتمع المدني السوري الحديث؛ مما قد يوثر على مستقبل سورية.
بدورها، استمدت المنظمات السورية خلال الفترة التي تلت الثورة السورية مرجعيتها القانونية، وفق عدة قوانين منها قانون الجمعيات السورية رقم 93 عام 1958 في مناطق النظام والمؤقتة، بجانب قانون الجمعيات التركي رقم 5253 الصادر العام 2004 في مناطق المؤقتة، أو وفق تعميمات حكومة الإنقاذ في إدلب مما جعل عمل المنظمات السورية خلال فترة الثورة السورية شديدة التعقيد.
ثالثًا. المنظمات خلال الثورة السورية في مناطق المعارضة: واقع ودورس مستفادة
نجحت المنظمات العاملة في مناطق المعارضة في ضمن منطقتي الحكومة المؤقتة والانقاذ في بناء تجربة تنظيمات مدنية اتسمت بالحركية والحداثة وذلك ببوادر ذاتية ومجتمعية، حيث تلقت المنظمات أشكالاً مختلفة من الدعم، أبرزها جاءت عبر تشكيل صناديق دعم دولية مختلفة، فشهدت سنوات الثورة عودة لنشاط المنظمات الدولية في سورية لا سيما تلك المرتبطة بمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) التي زادت نشاطها في تركيا بشكل ملحوظ وعززت من برامجها ليشمل الشريحة السورية في تركيا خاصة بعد قرار مجلس الأمن 2165 لعام 2014 وما تلاه من تمديد أو تعديل خلال القرارات اللاحقة.
شهد الدعم الدولي للمنظمات حالة من التنظيم خلال «مؤتمر بروكسل» والذي عقد لأول مرّة العام 2017 لأجل حشد الدعم الدولي للمنظمات العاملة في سورية، كما اعتمدت المنظمات على التبرعات الشخصية من رجال أعمال سوريين، أو تبرعات عامة من الجاليات خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. في الأصل، تركّز عمل المنظمات السورية بشكل مكثّف في تركيا، وفق شكلين لتنظيم الجمعيات السورية: الأولى، يتم اعتبار الجمعيات السورية كأنّها جمعية تركية وذلك لاعتبارات ربما بيروقراطية وأخرى أمنية وقد تكون لتسهيل آليات عمل المنظمات السورية في تركيا. الثانية، توسعت المنظمات الدولية التي إمّا كانت موجودة في تركيا ووسعت برامجها لتشمل السوريين أو أنّها قامت بافتتاح أفرع لها في تركيا.
بجانب ذلك، تُشير آخر الإحصائيات في أيلول 2024 حول عدد منظمات المجتمع المدني في تركيا المحلية ب100.943 وتشمل هذه الإحصائية المنظمات السورية العاملة في الشأن الإنساني لكن دون وجود قدرة على تحديد عددها بكونها منظمات يتم التعامل معها على أساس قانون الجمعيات التركي، بينما كانت عدد المنظمات الأجنبية العاملة في تركيا من بينها منظمات سورية بشكل كامل مرخصة أو أجنبية لديها برامج تخدّم السوريين وعددها وفق وزارة الداخلية التركية 129 منظمة.
عاشت هذه المنظمات فترات متباينة من النشاط بسبب الأجندة والأولويات الدولية المتعلقة بحجم الاهتمام والمصالح ضمن القضية السورية، حيث اتسمت أعوام 2015-2019 بالازدهار، بينما تراجع دور المنظمات مع بدء مسار «التعافي المبكر» بعد قرار الأمم المتحدة الخاص بالمساعدات الإنسانية عام 2021 رقم 2585 وعاد ليتحسن خلال «كارثة الزلزال» وصولاً لنهاية العام 2023 الذي كانت خلاله المنظمات في أسوء أحوالها المادية جراء تراجع الاهتمام الدولي بالقضية السورية على حساب قضايا أخرى كالأوكرانية والفلسطينية خلال اجتياح غزة.[9]
كما تلقّت المنظمات خلال عملها ردود فعل مجتمعية مختلفة بين الرضا والرفض، فعملت في جو يضعف به الأطر القانونية التي يمكن التعويل أو الاعتماد عليها في عملية تنفيذ أعمالها المختلفة، فضلاً عن محاولة حكومتي المؤقتة والإنقاذ تطوير بعض اللوائح القانونية للعمل سواء عبر الاستفادة من قانون الجمعيات السوري في مناطق المؤقتة أو الإعلان عن قرارات خاصة كما في نموذج الإنقاذ. مع ذلك، أدى ضعف السلطة المركزية وأجسام المعارضة السورية في مناطق المؤقتة وعدم وجود تراتبية واضحة لعمل المنظمات دون وجود ضوابط إلزامية كافية مع وجود عملية المراقبة من جانب المنظمات الدولية الداعمة للمنظمات المحلية مقارنةً بدور الحكومة المؤقتة، بينما كان نموذج حكومة الإنقاذ أكثر انضباطاً لكنه بذات الوقت أقل حرية ومساحات.
فضلاً عن ذلك، سهّلت هذه البيئة عمل المنظمات وجعلها تتحمل أعباء الدولة والقيام بأدوار لا تقوم بها مثل بناء الوحدات السكنية أو العمل على البنية التحتية للطرقات، ما جعلها متأقلمة مع سياق عمل مرهق وصعب وفي بيئة يسودها عدم الاستقرار والتوتر المستمر، ما قد يجعل عملية الانتقال من حالة الثورة إلى حالة الدولة من أصعب التحديات الذاتية والموضوعية ليس فقط على المستوى العسكري وإنما كذلك ضمن الإطار المدني.[10]
الشكل (2) مكامن القوة والضعف في عمل المنظمات في مناطق المعارضة

من جانب آخر، ارتكّز عمل المنظمات على دورها ضمن «القطاع الإنساني» بشكل مفرط وكانت في الغالب أسيرة التحوّلات السياسية من حيث التحديات الداخلية، فالتوجهات الدولية والإقليمية هي التي رسمت طبيعة المشاريع سواء كانت الاستجابة الطارئة أو التعافي المبكر، وأثّر عدم وجود «هوية برامجية» واضحة لعمل منظمات في تعميق الهوية المدنية، كذلك عزز وجود بيئة عسكرية فصائلية من تدخل القوى العسكرية في عمل المنظمات وفرض شروط وقيود أمنية عليها، كما أنّ حرص بعض المنظمات في هذا الواقع على تحصيل مزايا وامتيازات من الفصائل لتسهيل عملها جعل استقلاليتها تحت التهديد.[11]
في المقابل، حرصت بعض المنظمات على عدم تبيان أي موقف سياسي تجاه نظام الأسد خلال عملها الإنساني مما لم يمنحها قبولاً كافياً مجتمعياً، في حين أخذت منظمات أخرى شكلاً سياسياً وطنياً وكانت أكثر ميلاً للعمل الوطني انطلاقاً من المسؤولية وبسبب متطلبات السياق السوري الذي يغلب عليه الطابع الوطني أو عدم وجود مجتمعات طبيعية سياسية ومدنية مما منحها قبولاً اجتماعياً كما في نموذج الدفاع المدني السوري.[12]
بالتالي، إنّ عدم وجود مؤسسات الدولة الطبيعية أو ملامح لها في مناطق المعارضة ترك هذا النوع من الفراغ والتداخل، وجعل إمكانية تدخل «المجتمع العسكري» في عمل المنظمات ممكنة كونهم الأكثر قوّة لفرض شكل من أشكال «السيطرة الأدواتية» على القضية السورية لا سيما في ظل كثرة الفصائل والأجندة العسكرية والسياسية.
من ناحية أخرى، كانت في المجمل طبيعة العلاقة في إدلب بين السلطات الموجودة والمجتمع المدني أقرب للعلاقة الريعية بمعنى «الاستحواذ والضبط» خاصةً سيطرة حكومة الانقاذ على مفاصل القرار المدني، وقد منحت حكومة الإنقاذ بعض الهوامش المحدودة من أجل ضمان تقديم المنظمات الإنسانية الدعم للمجتمع المحلي، بينما أدّى ضعف السلطة المركزية في الحكومة المؤقتة وانحسار دورها، لاختلاف العوامل والظروف وواقع الضبط والفوضى أي أنّه كان ذو مساحات عريضة وواسعة أفسحت المجال أمام «الفوضى».
وبناء على ذلك يتبين أنماط المنظمات المدنية العاملة في المنطقة كالتالي:
– منـظمات مرخصة في تركيا وتعمل في مناطق الإنقاذ والمؤقتة
– منظمات مرخصة لدى حكومة الإنقاذ وتعمل محلياً.
– منظمات غير مرخصة لديها تنسيق مع الحكومة المؤقتة.
– منظمات دولية تعمل في مناطق الحكومتين.
ضمن هذه الظروف، يعتبر سقوط النظام بمثابة عودة المجتمع المدني السوري للنشاط والحيوية واستعادة القرار الوطني، خاصةً بعدما عانى على مستوى ضعف الدعم المادي وتسيسه، واحتكام هذا المجتمع لأجندة دولية وإقليمية، بجانب تراجع قدرة المؤسسات نفسها على تقديم الوظائف للموظفين بعد عملية تسريح كبيرة قامت بها على خلفية تراجع الدعم الدولي خلال عام 2024 مما شكّل تهديداً كبيراً استقرار المجتمع المدني السوري.
رابعًا. تحوّلات المنظمات عقب سقوط نظام الأسد: بين إعادة التموضع والتكيف مع المتغيرات
برز دور المنظمات خلال مرحلتين: الأولى، عند بدء العملية العسكرية، أمّا الثانية، بعد سقوط النظام السوري. فقد انصب التركيز في المرحلة الأولى على مدينة حلب وكثّفت كأول تجربة للتجربة المدنية المعارضة في محافظات سورية جديدة، وكانت أهميتها كرسم للانطباع العام حول التعامل مع الملف السوري. عملت عدة منظمات في حلب كنوع من تحقيق الاستجابة السريعة للمساهمة في تأمين الاحتياجات العامة، لكن كان من الملفت أن المنظمات ساهمت بدور إضافي ضمن سياق العملية العسكرية بإدارة الخطاب العام والدعم الإغاثي، حيث شكّلت نوعاً من الطمأنينة للأهالي خلال تقديم المساعدات عبر وإطلاق المبادرات العامة، لا سيما في المناطق التي تشهد تنوعاً في مدينة حلب.
غلب على معظم هذه المبادرات الطابع الإسعافي وليست برامجية، وقد كان انتشار المنظمات إحدى التكتيكات التي عوّلت عليها إدارة العمليات العسكرية في ضبط المدينة، حيث شهدت حلب دخول منظمات قادمة من إدلب وقريبة من حكومة الانقاذ كحال «منظمة الاستجابة الطارئة» التي نفذت حملات عديدة ضمن مناطق في حلب ذات تنوع ديني كأول اختبار لها، أو فرق تطوعية غير مرتبطة بأيّة سلطة كدور «الدفاع المدني» في عملية تنظيم المدينة.
أمّا المرحلة الثانية فتلت سقوط النظام، حيث كشف توسّع المساحات الجغرافية وعدم وجود الكوادر أو السياسات الكافية، مدى صعوبة تحقيق الحد الأدنى من معايير التعامل مع الواقع السوري الجديد، وقد كان خيار التركيز على العاصمة دمشق من قبل المنظمات من التكتيكات التي اتبعتها من أجل الحفاظ على ذات مستوى الزخم والتأثير، مما أدى لضعف النشاط في المحافظات السورية الأخرى، وتراجع الدور السابق في محافظة حلب مقارنةً مع البدايات. بينما تم تغطية حالة الفراغ المدني في المحافظات السورية الأخرى بالاعتماد على المجتمعات الأهلية والمحلية أو بدء تشكيلها كما في حالة محافظة حمص عندما شعر المجتمع بضرورة تعويض هذا الغياب عبر إطلاق مبادرة محلية «مجموعة السلم الأهلي في حمص»، ويمكن ملاحظة ذات الأمر في محافظة درعا عبر المساهمات المادية من قبل المجتمع المغترب لأبناء المحافظة خلال سنوات الثورة السورية.
وشكّل مشهد انفتاح المحافظات السورية على بعضها بدء التعاون أو التنافس بين منظمات المعارضة والمنظمات القديمة العاملة في دمشق وحلب، وتلك المعارضة العاملة في ريف حلب وإدلب مما أدى لوجود نوع من الاستقطاب الجديد، تجلّى الأمر بين سعي المنظمات المعارضة من أجل الاستفراد بقطاعات عمل معينة على حساب المنظمات العاملة في مناطق النظام من بوابة «الأحقية الثورية» ويمكن ملاحظة هذا الأمر في سلوك كل من نقابات الطلبة والأسنان والمهندسين المعارضة على حساب تلك التابعة سابقاً للنظام السابق.
من ناحية أخرى، استطاعت عدة منظمات كانت عاملة في مناطق النظام وغير متورطة في دعمه في إعادة رسم سياسات جديدة بما يتماشى مع الوضع الراهن واستعادة نشاطها كما في نموذج «منظمة سند التنموية» أو منظمة «الغرفة الفتية» ال JCI فرع سورية[13]، وذلك باتباع تكتيك استضافة شخصيات معارضة للنظام قد عادت لسورية، وذلك ضمن برامج حوارية أو تدريبية مختلفة، وقد لقت مبادراتها قبولاً واسعاً من الناحية الاجتماعية؛ بكون هذه المنظمات لديها جمهور واسع من المجتمع المحلي المقيم داخل سورية.
من جهة أخرى، سعت منظمات المعارضة لإعادة تموضعها في المناطق الجديدة لتشكل حالة من التنافس مع المنظمات أو من التكامل كما في حالة «مدنية» التي أفسحت المجال لانضمام منظمات جديدة لها من داخل دمشق، بالتوازي مع نشاط كبير قامت به خلال المرحلة الأولى التي تلت سقوط النظام عبر إطلاق عدة لقاءات وحوارات بجانب مؤتمر صحفي كان الأول من نوعه أعلنت به عن التزامها «بالتحول والمبادئ الديمقراطية» وقد أدى الدور الكبير الذي قامت به مدنية خلال الفترة الأولى عقب سقوط الأسد، من تحصيل مكاسب مهمة قد يكون منها تسمية السيدة «هند قبوات» كإحدى الأعضاء السبعة في «لجنة الحوار الوطني» أو لقاء وزير الخارجية السوري السيد «أسعد الشيباني» في العاصمة الفرنسية باريس، وقبل ذلك اللقاء مع الرئيس «أحمد الشرع» في دمشق.
كما عملت المنظمات الشبابية على استقطاب شخصيات مختلفة في دمشق وحلب كنوع من محاولة التعامل مع احتياج المجتمع المحلي وفهم احتياجاته وتحقيق الانتشار المطلوب، كون الكوادر القديمة غير كافية من أجل توسيع الانتشار والتأثير خاصة في دمشق وحلب.
ويمكن تقسيم واقع المنظمات العاملة في سورية بعد سقوط النظام، ووفق الواقع الجديد لخمسة نماذج:
– منظمات عملت في مناطق حكومة الإنقاذ وتوسعت كما في حالة «الاستجابة الطارئة».
– منظمات علمت في مناطق الحكومة المؤقتة وتوسعت كما في حالة «وحدة المجالس المحلية».
– منظمات تابعة للأسد وعاملة في مناطق النظام قبل سقوطه كما في حالة «الأمانة السورية للتنمية».
– منظمات لم تدعم النظام وعملت في مناطقه، لكنها أعادت صياغة موقفها من الثورة كما في حالة «منظمة سند التنموية».
– منظمات ومبادرات تشكّلت بعد سقوط النظام السابق كما في حالة «رجعنا يا شام» و «بقجة»[14].
ولم تتسع بعد رقعة استهداف المنظمات غير الحكومية المحافظات والمدن السورية البعيدة عن مركزية حلب ودمشق، لكنها شهدت بعض المبادرات بعد مرور أكثر من شهر ونصف على سقوط النظام، وشملت هذه النشاطات فعاليات ثقافية ومعارض فنية مثل «معرض الفن التشكيلي» الذي أقامه منتدى خيزران الثقافي وجمعية بصمة فن في السلمية، وأيضاً فعالية لتكريم المعتقلين الخارجين من سجون الأسد من قِبل جمعية الأمل للأحداث في السلمية.
الشكل (3) مؤشرات البيئة الديمقراطية لعمل المنظمات في مستقبل سورية

كما يلاحظ ارتفاع في عدد المبادرات الاجتماعية التي تدعو لتجميل المحافظات السورية كتنظيف الشوارع والطرقات وطلاء المحال بعلم الثورة السورية، أو تقديم الدعم الإغاثي للسكان المحليين كذلك محاولة ترحيل القمامة في المحافظات؛ وهي مظاهر انتشرت بكثافة في مناطق المعارضة سابقاً كجزء من الشعور بالمسؤولية الوطنية والانتماء لسورية، وعادت للتوسع والانتشار بعد سقوط النظام في المحافظات السورية. بينما يمكن ملاحظة بدء الجانب التنسيقي مع الحكومة السورية من خلال حملة «رجعنا يا شام» التي أطلقها الدفاع المدني السوري وبمشاركة نحو 37 مؤسسة وفريقاً تطوعياً و1300 عاملاً في المجال الإنساني، بهدف إعادة تأهيل وتجميل شوارع العاصمة دمشق، وأيضاً شملت النشاط حملات شبابية لتحسين المظهر الحضاري للمدن مثل حملة ترميم مدخل مدينة الحارة في محافظة درعا، وتأهيل حديقة بطرني في اللاذقية [15].
وفي سياق تنظيم العمل المدني اجتمعت وزارة الشؤون الاجتماعية السورية، عقب تشكيل حكومة تصريف الأعمال مع مجموعة من المنظمات السورية، بهدف إعادة تنظيم المجتمع المدني وبدء صياغة علاقة قائمة على التعاون والتنسيق، مما قد يمهد لتعزيز الشفافية وبناء الثقة مع المنظمات، وأخطرت الوزارة ممثلي المنظمات بنيتها استصدار قانون جديد للجمعيات بشكل مؤقت خلال هذه المرحلة الذين أبدو استعدادهم للالتزام.
الجدول (1) نماذج عن قوانين جمعيات في دول أخرى

وتضمّن القرار الذي أعلنت عنه الحكومة في كانون الثاني 2025، مجموعة من الشروط لضبط وترخيص منظمات المجتمع المدني، ويأتي هذا الإجراء كتجسيد لبدء الدولة السورية استيعاب عمل المنظمات وقونتها كمرحلة مؤقتة ليكون هذا القرار تمهيداً لبدء مرحلة جديدة في علاقة السلطة مع المجتمع المدني؛ بحيث تكون مختلفة عن المرحلة السابقة، وهذا ما أكّده المسؤولون الحكوميون بشكل مستمر على الحريات الواسعة بما في ذلك حرية تأسيس الجمعيات والقضاء المستقل، وبناءً على ذلك يمكن الاستفادة من تجارب دول عديدة في إعادة النظر في تركة قانون الجمعيات السوري الذي بات قديماً وغير متسق مع متطلبات المرحلة الجديدة، وخاصة أن تعديلاته لعام 1969 تفرض قيودًا شديدًة تعرقل من عملها.
خامسًا. مستقبل المنظمات بعد سقوط الأسد: آفاق واستراتيجيات
لعلّ الانتقال لمجتمع مدني سوري مستقر ومتطور يحتاج اتباع بعض الاستراتيجيات الأساسية التي تساهم في نمو وتطوير «المجتمع المدني» وتجاوز التحديات الحالية التي يمكن أن تتلخص بالتالي:
توقف الدعم الدولي: تعاني المنظمات عقب سقوط النظام من تحد بقاء صناديق الدعم الدولية خلال الثورة وإعادة تنظيمه بالتنسيق مع الحكومة، وتغير السياسات الدولية تجاه سورية، مما قد يفتح المجال لتراجع دور منظمات المجتمع المدني بشكل مبدأي، وقد توقفت مجموعة من المنظمات الدولية وذلك عقب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعادة تقييم برامج سياسيات الدعم الدولي مثل: [16]PRM, BHA. كما يحد استمرار الاعتماد على التمويل الوطني السوري من قدرة المنظمات على تغطية الحاجة الكبيرة، ولا سيما مع التمدد لمحافظات سورية ذات مساحات جغرافية واسعة وبحاجة دعم واستجابة[17].
الترخيص والتحول المؤسساتي: قد تشكّل عوامل الانتقال من العمل على أساس الجماعة إلى المؤسسة صعوبة بنيوية لدى عدة منظمات، لا سيما ضمن إجراءات الاعتماد والترخيص، فقد تجد تلك المنظمات صعوبة في الالتزام بعملية الترخيص، علماً أنّ بعضها قد نجح في الحصول على الترخيص كما في نموذج منظمة شفق الإنسانية.
التنمية التشاركية: يساهم الموقف السابق لدى المنظمات إزاء الثورة السورية دوراً كبيراً في تعميق الشرخ بينها، لا سيما بين المنظمات العاملة في مناطق الثورة والنظام قبل سقوط الأسد، مما يضعف أواصر التعاون بين المنظمات المدنية، في ظل اعتبارات المنظمات التي دعمت الثورة بامتلاكها «الأحقية الثورية» على حساب الأخرى.
القبول المجتمعي: ستكون مهمة إعادة النظر في أولويات المجتمع السوري من أهم التحديات التي تصطدم بها المنظمات، بسبب الانقطاع عن المجتمع السوري في معظم المحافظات السورية الكبيرة لأكثر من 14 عاماً، فحالة العمل في ريف حلب وإدلب مختلفة تماماً عن نظيرتها في دمشق وحلب، مما قد يتطلب وقتاً وجهداً كبيراً لإعادة الثقة للمجتمع وتحفيزه من جديد للانخراط في القضايا المدنية والاجتماعية، وذلك عبر ترميم الرأس المالي الاجتماعي وتوسيع نطاقه وسياق عمله.
السلم الأهلي: يعتبر العمل على مبادرات «السلم الأهلي» من أهم القطاعات الحالية، حيث تتحمل المنظمات مسؤوليتها جراء الثقافة الرجعية التي خلفها النظام في سورية، والتي وصلت لمرحلة حاجة ليس فقط المدن والمحافظات والمكونات للحوار المشترك وإنما حتى الأحياء الصغيرة، ولعلّ النجاح في بناء السلم الأهلي يعتبر أهم المداخل لبناء مجتمع مدني سليم وحر ودولة قوية متسقة مع الحريات المطلوبة، وإن تحقق هذا التبادل في الأدوار والمسؤوليات يساعد على بناء «التكامل الوطني».
التوصيات والمقترحات
قوننة المنظمات والجمعيات عبر تسهيل إجراءات التأسيس والتسجيل وذلك بإعادة النظر في نظام الترخيص والانتقال نحو نظام «الإشعار المضبوط» مما يساعد على تحسين واقع المنظمات ويزيد تنظيمها وحريتها ويقلل أعباء قانونية عليها [18].
إنهاء حالة محاصرة المنظمات والتدخل الأمني الذي ساد خلال حقبة الأسد، وإلغاء عملية الحل بقرار أمني، بجانب ضرورة تعزيز استقلال القضاء وعدم التدخل في شؤون المنظمات الإدارية.
تعزيز الاستقلالية والحريات المدنية وذلك بإنهاء دور «الهيمنة» على الشؤون الإدارية والحوكمية خلال حقبة الأسد، وضرورة اقتصار دور وزارة الشؤون الاجتماعية على ضمان الرقابة المالية والإدارية؛ بما يتقاطع مع روح فكرة الجمعيات المدنية بناءً على معايير الشفافية والمصارحة.
ضمان الحقوق المدنية والمواءمة الدولية عبر توفير بيئة قانونية تمنح «حرية التمويل» مما يساعد على تنمية المجتمع والمدني، وهذا لا يعني عدم وجود رقابة مالية على مصادر التمويل؛ لكن من المهم أن يشرف عليها لجان قضائية مستقلة وظيفتها ضمان الشفافية والحريات والمساءلة.
الحرص على سيادة سورية الوطنية عبر ضبط ومراقبة التمويل الخارجي بما يتناسب مع الظروف الحالية التي تمر بها سورية وتتقاطع مع الحريات العامة، وعدم تشكيل أي اختراق أمني أو سيادي لسورية ومصالحها الوطنية.
مواءمة قانون الجمعيات مع القوانين الدولية خاصة مع المادة 22 من العهد الدولي لحقوق الإنسان لعام 1948 مما يجعل سورية في مصاف الدول الملتزمة في حقوق الإنسان التاريخ، مما يمنحها فرص كبيرة لاستقطاب المنظمات الدولية.
خاتمة
عاشت منظمات المجتمع المدني في سورية خلال مرحلة الثورة، ضمن عدة بيئات وذلك جراء خلفيات السيطرة العسكرية والأمنية، فقد غاب عن مناطق المعارضة نموذج الدولة، بينما غاب عن المناطق التي سيطر عليها الأسد نموذج المنظمة وهويتها المدنية المستقلة؛ بسبب الاستبداد المطلق، ومن هنا تبرز أهمية المرحلة الجديدة بعد سقوط الأسد، كونها ستشكل مفترق طرق أمام حالة مجتمع مدني جديد ضمن بيئة جديدة عنوانها الأساسي الدمج بين دور الدولة الطبيعية ومساحة المنظمات المفترضة في سياق الحريات، فاتباع استراتيجيات تقوم على خلق أطر قانونية ودستورية ومجتمعية جديدة لمنظمات المجتمع المدني السوري سيعني عودة الروح للمجتمع الوسيط مما يسهم في النمو السريع في الدولة.
فإنّ وجود جماعات مدنية خارج إطار الدولة لا يعد مقبولاً، كما أنّ وجود دولة تتحكم بالمجتمع المدني سيكون ثمنه اجتثاث أي فرصة لبناء دولة حريات وديمقراطية، ما يعني أن الموازنة بين دور الدولة والمجتمع المدني خلال المرحلة الجديدة في سورية سيشكل مفترق طرق ويرسم ملامح سورية الجديدة الذي لا تتحمله الحكومة السورية وحدها وإنما تتشارك معها المنظمات في المسؤولية وفق الأدوار المنوط بها تنفيذها، كما أنّ استنباط المؤسسات المدنية من حاجة المجتمع السوري نفسه ومن رغبته في تمثيل القوى السورية الوطنية ضمن المجالات المدنية، سيساعد على بناء منظمات وجمعيات ذات ثقل وحضور وقبول جيد في الأوساط السورية.
يتطلب ذلك تبني نهج «bottom-up» الأقرب إلى المجتمع المحلي منه السياسي؛ أي تشكيل المجتمع المدني لا يكون بالطريقة التي بني بها خلال فترة النظام السابق «من الأعلى»، بل يكون أقرب لحالة التشكيلات في مناطق المعارضة «من الحاضنة» والتي استطاعت بناء الملامح الأولية للمجتمع المدني الحديث، ومن غير المفترض أن يكون هذا التحوّل بمعزل عن هياكل الدولة الجديدة بل بالتنسيق معها بحيث يكون مستوى التدخل تكاملي وتنسيقي وليس تحكمي أو موجه، وهذا يعني الاتساق مع متطلبات المرحلة الجديدة عبر تشكيل ثقافة مدنية جديدة فاهمة للمجتمعات المحلية وتركّز على تحقيق ثنائية الشرعية والحرية.
المراجع
محمد حرب فرزات، الحياة الحزبية في سورية: دراسة تاريخية لنشوء الأحزاب السياسية وتطورها العام 1908-1955 تاريخ النشر: 1955، الصفحة 246-280.
مجموعة الباحثين، إعادة بناء المجتمع المدني السوري بعد التغيير، مركز حرمون للدارسات المعاصرة، 5 تموز/ يوليو ,2021، الرابط: https://cutt.ly/hrq2aIAy
يمان زباد، استجابة «القطاع المدني» للزلزال في مناطق النظام، عام 2022، مركز عمران للدراسات، الرابط: https://cutt.ly/vrq2gmcX
Raymond A. Hinnebusch. State and Civil Society in Syria, The Middle East Institute (MEI), link: https://cutt.ly/lrq0GfAE
Ruiz de Elvira, L., & Zintl, T. (2023). The End of the Ba’athist Social Contract in Bashar al-Assad’s Syria: Reading Sociopolitical Transformations through Charities and Broader Benevolent Activism. HAL Archives. https://shs.hal.science/halshs-03963418v1
How The Syrian Regime Uses the Humanitarian Organizations SARC and STD to Steal Humanitarian Aid, Syrian Network for Human Rights, 28-Dec-2023, link: https://cutt.ly/Hrq0HdK0
Ziad Awad, Non-Governmental Organizations in Aleppo: Under Regime Control and at its Service, 03 June 2022, https://cutt.ly/Orq0HSLI
Housam Halimeh , Civil Society organizations’ role in Early recovery in Northwest Syria, 22.octobar 2022. Link: https://dergipark.org.tr/en/pub/irmrs/issue/73124/1130383
Rana Khalaf, Governance without government in Syria: civil society and state building during conflict, 21 September 2015, link: https://cutt.ly/hrq0Jnur
The vital role of civil society in building a post-Assad Syria, the new Arab, 05 February 2025, link: https://cutt.ly/srq0JZZV
U.S. Department of State. (2024, February 2). Strengthening support for Syria: Fact sheet. https://shorturl.at/iYivy
The Guardian. (2025, February 10). Nearly $500m of food aid at risk of spoilage after Trump USAID cuts. The Guardian. https://cutt.ly/Arq0CEPv
State Repression of Human Rights Activism in Syria, human rights watch 2007, link: https://cutt.ly/8rq0J5TM
[1] محمد حرب فرزات، الحياة الحزبية في سورية: دراسة تاريخية لنشوء الأحزاب السياسية وتطورها العام 1908-1955 تاريخ النشر: 1955، الصفحة 246-280.
[2] صدر القرار رقم 10 بتاريخ 8/4/2020 م، وهو متألف من 8 مواد، تشمل آليات وشروط تسجيل المنظمة والجمعيات، والأوراق الرسمية المطلوبة والنظام الداخلي.
[3] تضمن القرار مجموعة من الإجراءات العامة مثل تقديم الأوراق الاعتمادية، والنظام الداخلي، بالإضافة لوجود مقر واضح.
[4] Raymond A. Hinnebusch. State and Civil Society in Syria, The Middle East Institute (MEI), link: https://cutt.ly/lrq0GfAE
[5] هي مؤسسة خيرية تعود أصولها لوفيق سعيد وهو رجل أعمال سوري وتأسست في بريطانيا.
[6] Ruiz de Elvira, L., & Zintl, T. (2023). The End of the Ba’athist Social Contract in Bashar al-Assad’s Syria: Reading Sociopolitical Transformations through Charities and Broader Benevolent Activism. HAL Archives. https://shs.hal.science/halshs-03963418v1
[7] How The Syrian Regime Uses the Humanitarian Organizations SARC and STD to Steal Humanitarian Aid, Syrian Network for Human Rights, 28-Dec-2023, link: https://cutt.ly/Hrq0HdK0
[8] Ziad Awad, Non-Governmental Organizations in Aleppo: Under Regime Control and at its Service, 03 June 2022, https://cutt.ly/Orq0HSLI
[9] يمان زباد، استجابة «القطاع المدني» للزلزال في مناطق النظام، عام 2022، مركز عمران للدراسات، الرابط: https://cutt.ly/vrq2gmcX
[10] Housam Halimeh , Civil Society organizations’ role in Early recovery in Northwest Syria, 22.octobar 2022. Link: https://dergipark.org.tr/en/pub/irmrs/issue/73124/1130383
[11] مجموعة الباحثين، إعادة بناء المجتمع المدني السوري بعد التغيير، مركز حرمون للدارسات المعاصرة، 5 تموز/ يوليو ,2021، الرابط: https://cutt.ly/hrq2aIAy
[12] Rana Khalaf, Governance without government in Syria: civil society and state building during conflict, 21 September 2015, link: https://cutt.ly/hrq0Jnur
[13] تعتبر المنظمتان من المنظمات الشبابية البارزة في سورية، تشكلت منظمة سند التنموية العام ٢٠١٢ وهي منظمة محلية، أمّا منظمة الغرفة الفتية فهي منظمة أمريكية معنية بدعم الشباب وتمتلك أفرعاً في كل أنحاء العالم وكان أبرز مؤسسيها الرئيس الأمريكي «جون كندي».
[14] هي مبادرات اجتماعية أطلقتها مجموعة من المنظمات العاملة في سورية في دمشق وحلب، من أجل إنهاء أثر النظام السابق وإعادة تنظيف المحافظات ومعالمها الأثرية.
[15] The vital role of civil society in building a post-Assad Syria, the new Arab, 05 February 2025, link: https://cutt.ly/srq0JZZV
[16] U.S. Department of State. (2024, February 2). Strengthening support for Syria: Fact sheet. https://shorturl.at/iYivy
[17] The Guardian. (2025, February 10). Nearly $500m of food aid at risk of spoilage after Trump USAID cuts. The Guardian. https://cutt.ly/Arq0CEPv
[18] State Repression of Human Rights Activism in Syria, human rıghts watch, 2007, link: https://cutt.ly/8rq0J5TM

