مقدمة
بعد نهاية الحرب الباردة، في أوائل تسعينيات القرن العشرين، سمحت السلطات الفدرالية اليوغوسلافية بإنجاز عملية انتقال ديمقراطي سلمي، أدت إلى إنشاء أحزاب سياسية في مختلف الجمهوريات الست، ومن ضمنها البوسنة والهرسك. وقد أظهرت هذه الأحزاب مجموعة من التوجهات الأيديولوجية والقومية.
في بدايات تسعينيات القرن العشرين، أُجريت الانتخابات في الجمهوريات الست المكونة ليوغسلافيا ، ومن ضمنها البوسنة والهرسك، ولكن ليس في المستوى الفدرالي. ونتيجة لهذه العملية الديمقراطية، غُيّرت الحكومات سلميًا، في سلوفينيا وكرواتيا والبوسنة والهرسك وجمهوريات أخرى. وتقبّلت الأنظمة الشيوعية الاستبدادية هزائمها الانتخابية، وسهلّت عملية الانتقال السلس إلى الديمقراطية. وهذا الانتقال السلمي يتناقض تناقضًا صارخًا مع الوضع في سورية.
أدى التحوّل الديمقراطي في الجمهوريات اليوغوسلافية الست إلى إدخال مزيدٍ من الحرية السياسية، والتعددية الحزبية، والصحافة الحرة. إلا أن هذا التحوّل أدى أيضًا إلى تراجع التماسك الاجتماعي والاتساق الذي كان قائمًا في ظل حكم الحزب الواحد، في يوغوسلافيا الفدرالية. وكان هذا التراجع واضحًا لا سيما في البوسنة والهرسك الأكثر تعددًا، من حيث القوميات والأديان والإثنيات، من أي جمهورية يوغوسلافية أخرى.
سياق ما قبل الحرب في المستويات المحلي والإقليمي والدولي
المستوى المحلي
نستكشف في هذا المستوى من التحليل الديناميات الرئيسية داخل حدود البوسنة والهرسك.
فازت الأحزاب السياسية التي تمثل ثلاث مجموعات قومية مختلفة في الانتخابات، وشكّلت أول ائتلاف حاكم متعدد الجنسيات. ومع ذلك، بعد هزيمة منافسهم المشترك -الحزب الشيوعي السابق- سرعان ما بدأت الأحزاب تنفيذ أجندات متضاربة. وعلى الرغم من وحدتها في البداية، فإن أهدافها المختلفة خلقت تحديات لنمط الحكم (الحوكمة).
على المستوى المحلّي، كان البوسنيون (المسلمون البوسنيون) يشكّلون المجموعة الإثنية الكبرى، حيث شكلوا (46) في المئة من السكان. في عام 1991، ارتبطت تطلعاتهم القومية بفكرتين أساسيتين: إما دولة بوسنية داخل يوغوسلافيا الإصلاحية إن بقيت، وإما دولة بوسنية مستقلة متعددة الإثنيات، إذا تفككت يوغوسلافيا.
كان للمجموعات الإثنية الأخرى أجندات مختلفة، حيث انحاز غالبية الصرب البوسنيين إلى صربيا أو إلى مفهوم صربيا الكبرى (التي ستشمل يوغوسلافيا من دون سلوفينيا وكرواتيا على الأقل)، في حين إن كروات البوسنة دعموا بشكل عام استقلال البوسنة، على الرغم من أنّ لهم مصالح مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بكرواتيا، إن لم يكن بفكرة كرواتيا الكبرى.
في 1 آذار/ مارس 1992، نُظّم استفتاءٌ بخصوص استقلال البوسنة، بطلبٍ من الاتحاد الأوروبي. وقد بلغت نسبة المشاركة فيه (63) في المئة، وصوّت (99.7) في المئة من الناخبين لصالح الاستقلال. ومع ذلك، قاطع الحزب القومي الصربي الاستفتاء وزادت عدائيته، وشكّل قوات شرطة شبه عسكرية خاصة بهم، وجمعية وطنية، معلنين فعليًا دولة داخل الدولة، وقد أدّت هذه التوترات الداخلية دورًا مهمًا في الصراع الذي أعقب ذلك.
المستوى الإقليمي
بينما يركّز المستوى المحلي على الديناميات السياسية داخل البوسنة والهرسك، يستكشف المستوى الإقليمي التفاعلات بين جمهوريات يوغوسلافيا السابقة الست. في عام 1991، انخرط قادة هذه الجمهوريات، من ضمنهم البوسنة والهرسك، في مفاوضات بخصوص مستقبل يوغوسلافيا، ولعبت السلطات اليوغوسلافية الاتحادية دورًا هامشيًا. وقد مثّل البوسنة والهرسك الرئيسُ الراحل علي عزت بيجوفيتش، الذي كان يرأس مجلس رئاسة البوسنة والهرسك. ومارست صربيا، بكونها الجمهورية الأقوى، نفوذًا كبيرًا على الجيش الاتحادي، وتُعزى الأسباب الأساسية في ذلك إلى حقيقة أن معظم جنرالات الجيش كانوا من الصرب، وفضلًا عن ذلك، كانت صربيا الدولة الأقوى اقتصاديًا وديموغرافيًا بين الجمهوريات. ويمكن مقارنة هذا الوضع بالحال في سورية، حيث تسيطر مجموعة طائفية واحدة، تهيمن سياسيًا على جيشها إلى حد كبير.
خلال المفاوضات، ظهرت ثلاثة آراء مختلفة، بين زعماء الجمهوريات اليوغوسلافية الست. الرأي الأول، الذي مثلته صربيا والجبل الأسود، دعا إلى إنشاء اتحاد يوغوسلافي أكثر مركزية تحت السيطرة الاقتصادية والسياسية والعسكرية الصربية. والرأي الثاني الذي دعمته كرواتيا وسلوفينيا، دعا إلى حلّ يوغوسلافيا واستقلال الجمهوريات الست، أما الرأي الثالث الذي مثلته البوسنة والهرسك ومقدونيا، فسعى إلى التوصل إلى حل وسط يقوم على شكل اتحاد أو كونفدرالية فضفاضة، وأيّده علي عزت بيجوفيتش والرئيس المقدوني كيرو غليغوروف.
ولكن مواقف الطرفين الأولين كانت أكثر هيمنة، ما جعل التوصل إلى تسوية أمرًا غير قابل للتطبيق على نحو متزايد. ومع عدم وجود اتفاق في الأفق، أعلنت سلوفينيا وكرواتيا استقلالهما في عام 1991، ما أدى إلى حرب قصيرة في سلوفينيا وصراع أطول أمدًا في كرواتيا. كان موقف الأغلبية في البوسنة والهرسك (من ضمن ذلك المسلمون البوسنيون، والكرواتيون البوسنيون، وبعض الصرب البوسنيين) السعي إلى الاستقلال إذا تفككت الدولة الفدرالية. وقد تأكد ذلك من خلال استفتاء الاستقلال عام 1992 الذي شهد مشاركة بنسبة (63) في المئة، حيث صوّت (99.7) منهم للاستقلال. كانت البوسنة والهرسك غير راغبة في البقاء داخل صربيا الأكثر قوة وهيمنة.
وردًا على ذلك، رفضت صربيا هذا الموقف، وأججت الصراع، من خلال دعم المتمردين الصرب البوسنيين. ومع تصاعد التوترات وتحولها إلى حرب شاملة وعدوان في منتصف عام 1992، استرعى الوضع في البوسنة والهرسك انتباه المجتمع الدولي. وبرزت تساؤلات حول كيفية استجابة الجهات الفاعلة الأوروبية والأوروبية -الأطلسية تجاه الأزمة التي بدأت تتكشف معالمها.
المستوى الدولي
على النقيض من المستوى الإقليمي، يبحث هذا القسم في ردود فعل الجهات الفاعلة الدولية الرئيسة، مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، على الأزمة التي بدأت تتكشف. وثمة جدل مستمر حول كيفية فشل هذه الجهات الفاعلة في منع الصراع، حيث يثير هذا الفشل القلقَ، بالنظر إلى السياق الجيوسياسي في ذلك الوقت.
كان النظام العالمي الليبرالي قد خرج للتو منتصرًا من الحرب الباردة، وكانت الولايات المتحدة في ذروة نفوذها العالمي، في تلك الأثناء، تحوّلت الجماعة الاقتصادية الأوروبية إلى الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت نفسه، كانت روسيا ضعيفة ومنشغلة بتحدياتها الداخلية.
إضافة إلى ذلك، بدت البوسنة والهرسك القريبة جغرافيًا من المؤسسات الأوروبية والأوروبية -الأطلسية، ضمن نطاق النفوذ الغربي. وعلى الرغم من هذه الظروف المواتية، تمكّنت صربيا من متابعة استراتيجية عدوانية وبدء صراع وحشي. ويجد كثير من المراقبين حيرة في كيفية حدوث ذلك.
يزعم البعض أن أوائل التسعينيات كانت مرحلة إعادة تقييم للسياسة الخارجية الأميركية، في عقب نهاية الحرب الباردة. ففي عهد الرئيسين جورج بوش الأب وبيل كلينتون، كانت الحكومة الأميركية مترددة في الانخراط عميقًا في الصراع الإثني المعقّد في البلقان، خوفًا من التورّط في معركة عسكرية أخرى طويلة، والنصر فيها غير قابل للتحقق.
وإضافة إلى ذلك، كان هناك قلق كبير بخصوص الحفاظ على الاستقرار في أوروبا، وفضلت الولايات المتحدة أن يأخذ الاتحاد الأوروبي زمام المبادرة في معالجة الأزمة، حيث نظرت إليها بوصفها مشكلة أوروبية بالأساس. ومع ذلك، بدا الاتحاد الأوروبي ضعيفًا ومنقسمًا للغاية، بحيث لا يستطيع إدارة مثل هذا الوضع المعقد بفاعلية. فالدول الأعضاء الأساسية، لا سيما ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، كانت لديها أولويات ومقاربات مختلفة في السياسة الخارجية، الأمر الذي أعاق في نهاية المطاف التوصّل إلى استجابة موحدة.
قد يزعم آخرون أن يوغوسلافيا كانت تقع في منطقة جيوسياسية “رمادية”، حيث كان جنوب شرق أوروبا يتمتع بوضع غامض بصورة مماثلة بالنسبة إلى الغرب. وكانت أوروبا الوسطى والشرقية تُعَدّ أيضًا مناطق غامضة، إلا أنها حظيت بأولوية أعلى من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لقربها من روسيا وروابطها التاريخية بمجال النفوذ السوفييتي. وركزت الولايات المتحدة وأوروبا الغربية على دمقرطة (إضفاء الطابع الديمقراطي على) دولٍ عدة مثل بولندا والمجر وجمهورية التشيك وسلوفاكيا ودول البلطيق التي كانت تحت النفوذ السوفييتي. وعلى النقيض من ذلك، لم تكن يوغوسلافيا قط جزءًا من المدار السوفييتي، الأمر الذي ربما أسهم في الإهمال الغربي الأولي للأزمة البوسنية، والسماح للصراع بالاستمرار مدة ثلاثة أعوام مدمرة.
كيفية استجابة المجتمع الدولي للحرب في البوسنة والهرسك
اعترف المجتمع الدولي بالبوسنة والهرسك دولة مستقلة، وأصبحت عضوًا في الأمم المتحدة في 22 أيار/ مايو 1992، بناءً على نتائج الاستفتاء الذي أشرفت عليه الأمم المتحدة. شملت الاستجابة الدولية للصراع أربع جهات أو مجموعات رئيسة من الجهات الفاعلة: الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الأمم المتحدة والدول ذات الأغلبية المسلمة.
في المراحل الأولى من الصراع البوسني، أعربت الولايات المتحدة عن دعمها لاستقلال البوسنة، لكنها كانت في البداية مترددة في التدخل مباشرة، مفضلة الاعتماد على القيادة الأوروبية والجهد متعدد الأطراف من خلال الأمم المتحدة. تسامحت الولايات المتحدة مع المساعدات العسكرية القادمة من دولٍ مثل إيران، لتحقيق التوازن ضد القوات الصربية، وفي الوقت نفسه، ركّزت على المساعدات الإنسانية ودعم المناطق الآمنة التابعة للأمم المتحدة دبلوماسيًا، ومع ذلك، تبيّن أن هذه الجهود غير كافية لمنع الفظائع التي وقعت. ومع تصاعد الصراع، في عقب مذبحة سربرينيتشا، تحولت الولايات المتحدة نحو دور أكثر حزمًا، مستخدمة الضربات الجوية لحلف شمال الأطلسي، للضغط من أجل السلام، وهو ما أدى في النهاية إلى اتفاق دايتون للسلام.
كان لدى دول الاتحاد الأوروبي الرئيسية مصالح قومية وروابط تاريخية مختلفة في المنطقة، ما أدى إلى اتباع نهج مجزأ وغير متماسك تجاه الأزمة. على سبيل المثال، كانت فرنسا والمملكة المتحدة أكثر تسامحًا مع سلوك صربيا العدواني من ألمانيا. حاول الاتحاد الأوروبي في البداية التوسط في الصراع من خلال القنوات الدبلوماسية، واقترح كثيرًا من خطط السلام، مثل خطة كارينغتون -كوتيلير و خطّة فانس -أوين للسلام. ومع ذلك، فشلت هذه المساعي في كسب الدعم اللازم، ما أدى إلى مزيد من الإحباط والانتقادات لدور الاتحاد الأوروبي في الصراع. وقد أبرز الافتقار إلى العمل الحاسم قلة خبرة الاتحاد الأوروبي في إدارة الأزمات على عتبة بيته، وكشف عن اعتماده على التعاون الدولي الأوسع نطاقًا، وخصوصًا من جانب الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، للتوصل إلى حل.
فرضت الأمم المتحدة حظرًا على تصدير الأسلحة لجميع الأطراف المشاركة في الصراع، وهي الخطوة التي تعرضت لانتقادات واسعة النطاق، لكونها غير عادلة وتضّر بقدرة البوسنة على الدفاع عن نفسها ضد العدوان. وتعرّضت قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة لانتقادات بسبب تفويضها وفاعليتها المحدودتين، ولا سيما عدم قدرتها على حماية المدنيين في “الملاذات الآمنة” المخصصة. وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة أعلنت مناطق عدة، من ضمنها سربرينيتشا، ملاذات آمنة، فإنها كانت تفتقر إلى الموارد اللازمة والإرادة السياسية لفرض حمايتها. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك نقص كبير في الإرادة السياسية لاتخاذ إجراءات فعالة. في نهاية المطاف، فشلت الأمم المتحدة في منع الإبادة الجماعية التي وقعت في سربرينيتشا، في تموز/ يوليو 1995. واجهت الكتيبة الهولندية المتمركزة في سربرينيتشا، وهي جزء من قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة، انتقادات شديدة بسبب استجابتها غير الكافية للأزمة. وأصبح عجزها عن منع وقوع المذبحة أحد أحلك حلقات الحرب. وقد أبرز هذا الموقف أوجه القصور، في جهد حفظ السلام الذي تبذله الأمم المتحدة لحفظ السلام في البوسنة والهرسك.
أظهرت وحدة غير مسبوقة في دعمها للبوسنة والهرسك في أثناء الحرب. وقد أعرب القادة عن دعمهم السياسي القوي في المنتديات الثنائية والمتعددة الأطراف. على سبيل المثال، قطع مهاتير محمد، رئيس الوزراء الماليزي، العلاقات مع بلغراد عام 1992، وانتقد الأمم المتحدة والغرب لتسامحهما مع الظلم ضد البوسنيين. وفي عام 1994، زارت تانسو تشيلر، رئيسة الوزراء التركية، وبينازير بوتو، رئيسة الوزراء الباكستانية، سراييفو، لإظهار الدعم. حتى المملكة العربية السعودية وإيران، المتنافستين الإقليميتين، نسقتا الجهد من خلال منظمة التعاون الإسلامي. وجّهَ المؤتمرُ الاستثنائي السادس لمنظمة المؤتمر الإسلامي، الذي عُقد في كانون الأول/ ديسمبر 1992، نداءً لرفع حظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة، وقال وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل إنّ الحظر أضرَّ بالبوسنة والهرسك التي كانت ضحية للعدوان.
كُثّفت الاستجابة الدولية للصراع البوسني مع تصاعد جرائم الحرب، وبخاصة في عقب الإبادة الجماعية في سربرينيتشا في تموز/ يوليو 1995. ودفعت حدة الموقف المتزايدة إلى التحول نحو مزيد من المشاركة المباشرة من جانب الولايات المتحدة، من ضمن ذلك التدخل العسكري. وفي ظل إدارة كلينتون، كانت هناك محاولة استراتيجية للتوسط في السلام في المنطقة، مدفوعة جزئيًا بالرغبة في إظهار نجاح السياسة الخارجية قبل الانتخابات الرئاسية لعام 1996. وبلغ هذا الجهد ذروته في مفاوضات دايتون للسلام التي أنهت الصراع فعليًا، وأنشأت إطارًا سياسيًا جديدًا للبوسنة والهرسك في أواخر عام 1995[1].
اتفاق دايتون للسلام
كان اتفاق دايتون للسلام، المعروف رسميًا باسم اتفاق الإطار العام للسلام في البوسنة والهرسك، اتفاقًا تاريخيًا، إذ وُقِّعَ في 14 كانون الأول/ ديسمبر 1995، وشاركت فيه كرواتيا والبوسنة والهرسك وصربيا، مع مشاركة كبيرة ومهمة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا.
وقد تأثر اختيار دايتون مكانًا للمفاوضات بالحاجة إلى موقع محايد وآمن، يمكن أن يسهل المناقشات المعقدة بين الأطراف المتصارعة. وتضمنت مرحلة ما قبل المفاوضات مداولات معقدة حول قضايا رئيسة، منها تقسيم الدولة الداخلي، وتسمية الكيانات داخل البوسنة والهرسك.
خلال مرحلة المفاوضات، شملت الموضوعات الحاسمة إنشاء نظام دستوري، وترسيم الخرائط، وتحديد وضع سراييفو، وإنشاء منطقة برتشكو. ولعب ريتشارد هولبروك مساعد وزير الخارجية الأميركي آنذاك، دورًا محوريًا بصفته مفاوضًا رئيسًا لا وسيطًا، مستغلًا الدبلوماسية المكثفة لإقناع الأطراف بالتوصل إلى اتفاق.
يتألف الاتفاق من (11) ملحقًا. ويُفترَض أن أي مفاوضات جادة واتفاق سلام بين مختلف الأطراف في سورية لا بد أن يتضمن ملاحق مماثلة.

لقد لعب المجتمع الدولي دورًا حاسمًا في دعم اتفاق دايتون وتنفيذه، والإشراف على نشر قوات حفظ السلام ومراقبة الامتثال لذلك الاتفاق.
تكشف تقييمات اتفاق دايتون عن نقاط قوته ونقاط ضعفه. فعلى الرغم من أن الاتفاق نجح في إنهاء الصراع وإرساء السلام في المنطقة، فإنه لم يعالج معالجة كاملة كثيرًا من القضايا القديمة، مثل التمييز في ما يتعلق بحقوق التصويت الإيجابي والسلبي، والتوازن بين الحقوق الفردية والجماعية، وعدم الاستقرار السياسي المستمر. وصحيح أن الاتفاق قدّم إطارًا لنمط الحكم والمصالحة، إلا أن التحديات الكبيرة ما تزال قائمة لتحقيق الاستقرار طويل الأجل داخل البوسنة والهرسك، ولدمج البوسنة والهرسك في هياكل الاتحاد الأوروبي.
مرحلة بناء السلام بعد دايتون
ظلّت عملية بناء السلام في البوسنة والهرسك ناجحة نسبيًا منذ عام 1995 حتى 2005. وخلال هذه المرحلة الأولية التي أعقبت دايتون، لم يكن السلام يُعرَّف بأنه غياب الصراع فحسب، بل كان يتميز أيضًا بجهد كبير في التحولات القانونية والسياسية والمؤسسية الضرورية لتعافي الدولة من دمار الحرب. وشمل هذا الجهد إعادة بناء المؤسسات، وتعزيز العمليات الديمقراطية، وإرساء سيادة القانون، وهي أمور أسهمت مجتمعة في تحقيق حقبة من الاستقرار والتقدّم النسبي.
ومع ذلك، فمنذ عام 2006، تدهورت عملية بناء السلام في البوسنة والهرسك تدريجيًا. وقد أعرب كثير من المثقفين والباحثين وخبراء السياسة عن مخاوفهم من تباطؤ تعافي البلاد، إن لم يكن فشله، في مرحلة ما بعد الحرب. وقد اتسمت هذه الفترة بالركود، وفي بعض الحالات بالتراجع، حيث عارضت بعض الأحزاب السياسية داخل البوسنة والهرسك علنًا الإنجازات التي حُققت منذ توقيع اتفاق دايتون للسلام. والسؤال المركزي هنا هو: لماذا أسفرت هاتان المرحلتان عن نتائج مختلفة إلى هذا الحد في البوسنة والهرسك؟
خلال المرحلة الأولية التي أعقبت اتفاق دايتون، عرضت منظمة حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، وغيرهما من الدول الصديقة، إعانات في مستوى النظام بأكمله، وأرست بصبر هياكل وسياسات جديدة في مجالات الأمن والاقتصاد والقضاء، حتى تتمكن البلاد من المضي قدمًا في عملية السلام. وقد اتبعت إلى حد كبير مبادئ المفهومات الليبرالية لتعزيز سيادة القانون والديمقراطية والمؤسسات. وما زاد من جاذبية عاملين متلازمين، من عوامل التعافي في البوسنة والهرسك بعد الحرب، هو الجمع الدائم بين قوتيهما الصلبة والناعمة. وهناك مزيد عن قصص النجاح المحددة في القسم تحت عنوان: الدروس المستفادة من البوسنة والهرسك في أثناء عملية بناء السلام.
وبعكس ذلك، يعكس الجمود اللاحق تفاعلًا معقدًا بين التحولات الجيوسياسية الخارجية. فمع تأكل النظام القائم على القواعد داخل المجتمعات الأوروبية والأوروبية -الأطلسية، شهدت عملية السلام في البوسنة والهرسك نكسة في المقابل. وقد تفاقم ضعف هذا النظام، بسبب التحول الروسي تجاه الجغرافيا السياسية الأوروبية وتزايد ميولها غير الليبرالية، الأمر الذي أدى إلى مزيد من تعثر التقدم في البوسنة والهرسك. كانت محاولات روسيا لإبراز قوتها في البوسنة والهرسك، في كثير من الأحيان، متعارضة مع مصالح التحالف الأوروبي الأطلسي، وهو ما خلق دينامية معقدة وتحديات للبلاد.
اليوم، يواجه الاتفاق الذي أنهى الصراع الدموي في عام 1995، وحافظ على سلامة أراضي البلاد أكثر من عقدين من الزمان، تحديات خطرة بسبب الضغوط الخارجية المتضاربة. إن فهم هذا التفاعل بين القوى الجيوسياسية المتنافسة أمرٌ ضروري لمعالجة القضايا الحالية في البوسنة والهرسك وتحديد استراتيجيات التقدم في المستقبل.
الدول ذات الأغلبية المسلمة وعملية بناء السلام
في الفترة المبكرة التي أعقبت اتفاق دايتون، واصلت الدول الرئيسة ذات الأغلبية المسلمة دعمها الثنائي ومتعدد الأطراف بقدرات مختلفة. فقد عرضت قواتها الوطنية كقوات لحفظ السلام، وحضرت مؤتمرات المانحين، ودعمت إعادة الإعمار والترميم ماليًا، وعرضت برامج مساعدة مختلفة للاجئين وغيرهم من المحتاجين. ومن الأمثلة المحددة: شاركت تركيا بنشاط في جميع بعثات بناء السلام الثلاث في البوسنة والهرسك، بدءًا من قوة التنفيذ الدولية (1995-1997)، إلى قوة تحقيق الاستقرار الدولية (1997-2004) وقوة الاتحاد الأوروبي (2004 حتى الآن). ووفقًا لوزارة خارجية البوسنة والهرسك، كانت ماليزيا أول دولة تقدم بالكامل المساعدة التي وعدت بها البوسنة والهرسك في مؤتمري المانحين الثاني والثالث. واستثمرت اللجنة السعودية العليا للمساعدات للبوسنة والهرسك التي يُزعم أنها أكبر مانح مسلم للبلاد، أكثر من (560) مليون دولار أميركي، في عملياتها الإنسانية، من عام 1992 إلى عام 2011.
وعلى الرغم من أن السياسة الخارجية للبوسنة في فترة ما بعد دايتون ركّزت في المقام الأول على التكامل الأوروبي والأوروبي -الأطلسي، فإن نطاقها ومضمونها كانا محدودين نسبيًا في ما يتعلق بالدول ذات الأغلبية المسلمة. ومع ذلك استمرت التحالفات التي نشأت في زمن الحرب، والصلات الشخصية، والشبكات القوية، في توفير الفرص لتطوير علاقات شاملة مع العالم الإسلامي.
الدروس المستفادة خلال عملية بناء السلام
هناك كثيرٌ من الدروس المهمة المستفادة من عملية بناء السلام.
الأول: لم تكتفِ البعثتان القويتان اللتان أوفدتهما الأمم المتحدة -بقيادة حلف شمال الأطلسي في البوسنة والهرسك: قوة التنفيذ وقوة تحقيق الاستقرار- بردع التهديدات التي كانت تهدد السلام والأمن في البوسنة والهرسك من أواخر عام 1995 إلى عام 2004، بل سهلتا أيضًا عودة اللاجئين وتدريب القوات المسلحة في البلاد وإعادة هيكلتها ودعم السلطات المدنية. على سبيل المثال، شملت المؤشرات الرئيسة لنجاح قوة التنفيذ إجراء أول انتخابات وطنية بعد الحرب، وتأمين العودة الآمنة لأكثر من (230) ألف نازح ولاجئ. وبحلول نهاية مهمة قوة تثبيت الاستقرار في عام 2004، أنشئِت وزارة دفاع واحدة وسلسلة قيادة واحدة وقوات مسلحة متكاملة للبوسنة والهرسك من ثلاث قوى متعارضة. وكان هذا مؤشرًا واضحًا على النجاح المطرد للتنفيذ العسكري لعملية السلام التي تشمل نزع السلاح، والتقليص الضروري للقوات المحلية، وتدريبها مهنيًا، وما إلى ذلك.
الثاني: كان التكامل الإقليمي القوي أمرًا بالغ الأهمية؛ فقد قدّم الاتحاد الأوروبي منظورًا مقنعًا للعضوية لدول جنوب شرق أوروبا، من ضمن ذلك البوسنة والهرسك، مكملًا للمهمات العسكرية. وقد سُلّط الضوء على هذا المنظور من خلال ميثاق الاستقرار لجنوب شرق أوروبا الذي أطلِق في حزيران/ يونيو 1999، وعملية الاستقرار والشراكة التي أطلِقت أيضًا في حزيران/ يونيو 1999، ثم عُززت خلال قمة الاتحاد الأوروبي في تيسالونيكي، اليونان في حزيران/ يونيو 2003. سلطت خريطة طريق الاتحاد الأوروبي الضوء عمومًا على عملية التغيير التي شملت التكيف مع معايير الاتحاد الأوروبي المختلفة إلى حد كبير في مجالات الديمقراطية وسيادة القانون … ومن خلال نفوذ الاتحاد الأوروبي، بدأت سلسلة إصلاحات كبيرة في القطاعات الرئيسة في البوسنة والهرسك، من ضمن ذلك القضاء والاقتصاد وأمن الحدود والاستخبارات والإذاعة العامة، مع أمور أخرى. أسفرت هذه الإصلاحات عن تشكيل مؤسسات دولة جديدة، زادت من الاستقرار وعززت سيادة القانون والشفافية والسوق الحرة. وإضافة إلى ذلك، عُززت حكومة الدولة التي كانت مؤلفة من ثلاث وزارات عام 1996 لتصبح مجلس وزراء أكثر فاعلية مكونًا من (10) وزارات عام 2003.
الثالث: في المرحلة الأولية التي أعقبت الصراع، كان هناك بعض الجهد التصالحي الجدير بالملاحظة، تحت ضغط دولي قوي. ففي عام 2004 اعتذر دراغان تشافيتش رئيس الكيان ذي الأغلبية الصربية آنذاك، علنًا عن مذبحة سربرينيتشا، مشيرًا إليها بوصفها “صفحة سوداء في التاريخ الصربي”. وعلى نحو مماثل في عام 2006، اعترف ميلوراد دوديك الذي كان عضوًا صربيًا في الرئاسة الثلاثية للبوسنة والهرسك، بالإبادة الجماعية في سربرينيتشا، وانتقد مجرمي الحرب المتهمين مثل رادوفان كارادزيتش وراتكو ملاديتش.
الرابع: بحلول عام 2004، أعيد بناء ما يقرب من نصف منازل البوسنة المدمَرة، التي بلغ عددها (500) ألف منزل، وأُعيد نحو (200) ألف عقار متنازَع عليه إلى أولئك الذين أجبروا على الفرار من الحرب. وكان هذا إنجازًا رائعًا نظرًا للظروف الخارجة عن القانون في بداية عملية إعادة البناء. وكان التقدم الذي أحرزته البوسنة والهرسك ملحوظًا إلى الحد الذي جعل كثيرًا من المعلقين، ومنهم مؤلفو هذا التحليل، يحتفلون بالانتقال الناجح الذي شهدته البلاد من مرحلة دايتون إلى مرحلة بروكسل. ونظرت مؤسسات بارزة، منها مؤسسة بروكينغز في الولايات المتحدة، إلى الدروس المستفادة من البوسنة والهرسك بوصفها نموذجًا يصلح للتطبيق في بلدان أخرى مزقتها الحرب، مثل العراق.
الخامس: كانت الحقائق الخارجية مهمة، تداخل التعافي بعد الحرب في البوسنة والهرسك مع التوسع التاريخي للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (ناتو) تجاه أوروبا الوسطى والشرقية من أواخر التسعينيات إلى عام 2004. خلال هذه المدة، لعبت روسيا أيضًا دور شريك بناء، حيث كانت روسيا عضوًا نشطًا في الشراكة مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) من أجل السلام. في عام 1997، وقّع قادة حلف شمال الأطلسي (ناتو) والرئيس بوريس يلتسين على قانون الشراكة بين حلف شمال الأطلسي (ناتو) -روسيا، ملتزمين “ببناء سلام دائم وشامل معًا في المنطقة الأوروبية -الأطلسية Euro-Atlantic وفق مبادئ الديمقراطية والأمن التعاوني”. ساعدت هذه البيئة من الأحادية القطبية الليبرالية داخل أوروبا، جنبًا إلى جنب مع الحماس للتكامل، في تحفيز الدوائر الانتخابية البوسنية المحلية والمجموعات الإثنية المختلفة على قبول شروط السلام الموضحة في الاتفاق.
السادس: على مدى الأعوام العشرة إلى الخمسة عشر الماضية، انقلب جهد بناء السلام الدولي في البوسنة والهرسك تدريجيًا، وبدأت علامات عدم الاستقرار تلوح في الأفق. وفي عام 2008، كتب ريتشارد هولبروك أحد المهندسين الرئيسين لاتفاقات دايتون، واللورد بادي أشداون الممثل الأعلى الرابع للبوسنة والهرسك، افتتاحية مشتركة حذّرا فيها من أن البوسنة “تسير في سباتها/ تسرنم” نحو أزمة أخرى. وناشدا بروكسل وواشنطن على وجه السرعة اتخاذ إجراءات فورية لمعالجة الوضع المتدهور في البلاد.
في الواقع، كانت البوسنة والهرسك في حالة من الجمود السلمي لأكثر من عقد من الزمان. وفي حين يمكن تحليل أسباب تباطؤ إعادة الإدماج منذ عام 2006 في المستوى المحلي، فإن طبيعة عدد من العوامل المترابطة داخل الدولة وحدها لا يمكنها أن تفسر هذا الجمود كليًا. فقد استمرت القضايا المحلية مثل الانقسامات الإثنية، والاختلافات الدينية، والصراعات السياسية الداخلية، والفقر، والفساد، طوال مرحلتي التعافي في البوسنة بعد الحرب. في حالة البوسنة والهرسك، كانت طبيعة البيئة الخارجية خارج الحدود الوطنية قد تغيّرت إلى حد كبير، وأصبحت أكثر سلبية في فترة ما بعد عام 2005. وبدلًا من أن تكون هذه التغيرات سريعة، كانت هذه التغيرات أبطأ، ولكنها كانت تتزايد باستمرار.
السابع: مرَّ الاتحاد الأوروبي بأزمة دستورية، قوّضت صدقيته بوصفه قوة تحوّلية في البوسنة والهرسك. كان رفض الناخبين الفرنسيين والهولنديين المعاهدة التي تؤسس للدستور الأوروبي في عام 2005 سببًا في دفع الاتحاد الأوروبي إلى أزمة عميقة. وخفّت حماسة التوسع الجديدة في الاتحاد، وتركت الدول المشاركة في عملية خطة العمل الاستراتيجية التي يقودها الاتحاد الأوروبي، ومنها البوسنة والهرسك، بمفردها إلى حد كبير. وحتى الآن، لم تتمكن سوى كرواتيا من الوصول إلى وضع العضوية الكاملة من مجموعة الدول السبع في غرب البلقان.
الثامن: عام 2004، استُبدِلت بمهمة حفظ السلام التي يقودها حلف شمال الأطلسي (ناتو) مهمة أضعف كثيرًا بقيادة الاتحاد الأوروبي، وهي (ألثيا Althea). واليوم، مع وجود نحو (1.000) جندي حفظ سلام تابع للاتحاد الأوروبي في البوسنة والهرسك فقط، هناك قدرة محدودة على ضمان استقرار البلاد أو تنفيذ اتفاقات دايتون بالكامل. وفي الوقت نفسه، حوّلت الولايات المتحدة تركيزها من البوسنة والهرسك إلى كوسوفو في المستوى الإقليمي، وواجهت تحديات أمنية خطرة في مناطق مضطربة أخرى، مثل العراق وأفغانستان. وإضافة إلى ذلك، تحولت السياسة الخارجية الأميركية إلى شرق آسيا منذ عام 2011 فصاعدًا، بهدف منع الصين من أن تصبح منافسًا، وفي الوقت نفسه، شهدت روسيا تحولًا كاملًا في الجغرافيا السياسية الأوروبية.
التاسع: سعَت روسيا سعيًا متزايدًا إلى استبدال النظام الأوروبي القائم، وبخاصة النظام الممتد إلى ما وراء الستارة الحديدية Iron Curtain، والمجيء بأنظمة تتوافق توافقًا أوثق مع صورتها الأقل ديمقراطية. لقد كانت تهدف إلى استبدال بنية جديدة متعددة الأقطاب بالنظام الهرمي في أوروبا، وهي في الممارسة العملية أكثر فوضوية من النظام الليبرالي والمؤسسي والقائم على القوانين الذي تسعى إلى استبداله. وحتى الآن أسهمت مساعي الكرملين لفرض نظامه غير الليبرالي والبنيوي، في أوروبا والبلقان، في زيادة الانقسام وعدم الاستقرار بين الديمقراطيات الشابة والبلدان الضعيفة على أطراف أوروبا، مثل البوسنة والهرسك.
العاشر: تشير هذه التحليلات إلى أن الزعامة الأميركية القوية في أوروبا وأجندة الاتحاد الأوروبي الفاعلة في البلقان كانتا عاملين حاسمين في استقرار البوسنة والهرسك. وبكلمات أخرى، فإن انسحابهما قد يؤدي إلى تغيير سريع يمكن أن يؤدي بدوره إلى الصراع. وإذا كان عليهما أن ينسحبا من البوسنة والهرسك بالكامل -وإن كان هذا أقل احتمالًا- فمن المرجح أن تتدخل جهات فاعلة من خارج المنطقة لملء الفراغ، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى إعادة ترتيب علاقات القوة وظهور رؤى جديدة لكل من البوسنة والهرسك وجنوب شرق أوروبا.
مفهوم العدالة الانتقالية وآليتها
ارتُكبت انتهاكات خطرة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي في أثناء الصراع المسلح في البوسنة والهرسك، من عام 1992 إلى عام 1995. وتشير التقديرات إلى مقتل أكثر من (100) ألف شخص في الصراع، ونزوح أكثر من مليوني شخص، واختفاء عشرات الآلاف.
في مرحلة ما بعد الصراع في أي مجتمع، تتبنى الأطراف عادة أحد نهجين عامين للمصالحة: السعي إلى العدالة من خلال العقاب (العدالة الانتقالية) أو تعزيز التسامح والمصالحة (لجان الحقيقة). يمكن استخلاص الدروس من العدالة الانتقالية ونهج السعي إلى العدالة في حالات ما بعد الصراع، مثل تلك التي حدثت في يوغوسلافيا السابقة (ولا سيما البوسنة والهرسك) ورواندا. وفي الوقت نفسه، يمكن العثور على أمثلة للسعي إلى التسامح والمصالحة، من خلال لجان الحقيقة في جنوب أفريقيا بعد نظام الفصل العنصري (أبارتهيد)، وبيرو، وتيمور الشرقية، وسيراليون. لقد طوّرت بعض البلدان في مرحلة ما بعد الصراع، مثل ألمانيا وتشيلي، خبرة قوية في تطبيق النهجين كليهما. وينبغي لسورية في ما بعد الصراع أن تفكر في الاستفادة من الدروس المستفادة من الاستراتيجيتين كلتيهما لمعالجة احتياجاتها الفريدة من أجل العدالة والمصالحة.
تقدّم تجربة البوسنة والهرسك في مجال العدالة الانتقالية كثيرًا من الدروس الحاسمة للمجتمعات بعد الصراع.
الأول: في الفترة التي أعقبت الصراع مباشرة في البوسنة والهرسك، دعم المجتمع الدولي الحكومة في تبني إصلاحات قانونية ومؤسسية، تهدف إلى إعادة بناء الحكم وسيادة القانون ومعالجة مخلفات الصراع، من خلال مقاضاة جرائم الحرب والبحث عن المفقودين وتعويض الضحايا وإعادة الممتلكات. ونظرًا لمدى الجرائم المرتكبة في أثناء الصراع وطبيعتها، فقد كان التركيز موجهًا على مقاضاة جرائم الحرب ومعاقبتها، من خلال المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة ومساعي بناء القدرات الموجهة إلى المحاكم الوطنية ومكاتب الادعاء العام.
الثاني: أُسست المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة، ومقرّها لاهاي-هولندا، في 25 أيار/ مايو 1993، بموجب قرار مجلس الأمن رقم (827)، وكانت الحروب اليوغوسلافية (من ضمنها الحرب في البوسنة والهرسك) ما تزال مستمرة. وكان هدفها الأساسي تحديد المسؤولية الجنائية الفردية عن الفظائع التي ارتُكبت خلال الصراعات في يوغوسلافيا السابقة، من عام 1991 إلى عام 2001 التي تشمل أعمال “التطهير العرقي”. وبعد 24 عامًا من العمل، أغلقت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة أبوابها رسميًا، في كانون الأول/ ديسمبر 2017.
الثالث: تشكل آليات العدالة الدولية أهمية بالغة، ولكنها غير كافية؛ فقد كان إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة خطوة مهمة في مقاضاة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. أدانت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة (161) فردًا من مختلف الجماعات الإثنية، بارتكاب جرائم حرب في أثناء الصراعات في البلقان في تسعينيات القرن العشرين. وقد غطت هذه الاتهامات/ الإدانات مجموعة واسعة من الجرائم، من ضمن ذلك الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وانتهاكات قوانين أو أعراف الحرب، والانتهاكات الجسيمة لاتفاقات جنيف. وأسفر عمل المحكمة عن إدانة (93) شخصًا، وتبرئة (18) شخصًا، وإحالة (13) شخصًا على المحاكم الوطنية. وإضافة إلى ذلك، سُحبت الاتهامات نتيجة وفاة المتهمين في (37) قضية. وكانت أغلبية المدانين من القادة السياسيين والعسكريين الصرب، وهو ما يعكس تفويض المحكمة بمقاضاة أخطر الجرائم المرتكبة في أثناء الحروب التي شملت الإبادة الجماعية. ومع ذلك، في حين أصدرت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة أحكامًا عدة، وأرست سوابق قانونية، إلا أنها سلّطت الضوء أيضًا على القيود التي تفرضها العدالة الدولية.
الرابع: المحاكم المحلية والإصلاحات القانونية ضرورية، وهي جزء من استراتيجية الإنجاز الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة، أنشِئ مكتب ادعاء عام خاص وغرفة جرائم حرب داخل محكمة البوسنة والهرسك للتعامل مع الجرائم الدولية الخطرة. وقد جرّم قانون العقوبات لعام 2003 في البوسنة والهرسك الجرائم ضد الإنسانية وواءم تعريفات الجرائم الدولية مع المعايير العالمية. واستمرت بعض المحاكم المحلية في تطبيق قانون العقوبات القديم لجمهورية يوغوسلافيا الاتحادية الاشتراكية السابقة الذي لا يعترف بجرائم معينة، مثل الجرائم ضد الإنسانية، والعبودية الجنسية، والحمل القسري.
ولمعالجة تراكم القضايا المتزايد، اعتُمِدت استراتيجية مقاضاة جرائم الحرب الوطنية في عام 2008، تلتها نسخة منقحة عام 2020. وتهدف هذه الاستراتيجيات إلى تحسين أولوية القضايا، وتعزيز القدرات القضائية والشرطية، وضمان حماية أفضل للشهود والضحايا. ومع ذلك، ما تزال هناك مخاوف بخصوص الافتقار إلى الخبرة والتدريب في المحاكم المحلية، على الرغم من أن الجهات الفاعلة الدولية، مثل الآلية الدولية المتبقية للمحاكم الجنائية ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، قدّمت بعض الدعم التدريبي.
الخامس: كان لمنظمات المجتمع المدني دور محوري في الدعوة إلى تحقيق العدالة ودعم الضحايا في البوسنة والهرسك. فقد قامت مجموعات عدة، منها جمعية أمهات سربرينيتشا، بحملات لا تعرف الكلل من أجل المساءلة والاعتراف بالفظائع وحقوق الناجين وأسر الضحايا. وإضافة إلى ذلك، لعبت مشروعات الذاكرة -مثل النصب التذكاري للإبادة الجماعية في سربرينيتشا- دورًا حاسمًا في تعزيز ثقافة التذكر، وضمان عدم نسيان أحداث الماضي، وتعزيز الوعي العام بخصوص عواقب الصراع والإبادة الجماعية.
السادس: اتسم الصراع المسلح بحالات اختفاء جماعية، حيث بلغ عدد المفقودين نحو (31.500) شخص. وبدعم من الجهات الفاعلة الدولية، مثل اللجنة الدولية لشؤون المفقودين، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والآلية الدولية المتبقية للمحاكم الجنائية الدولية، أنشأت البوسنة والهرسك إطارًا مؤسسيًا وقانونيًا للبحث عن المفقودين.
يضمن قانون المفقودين لعام 2004 الحق في معرفة مصير المفقودين، وينصّ أيضًا على إنشاء معهد المفقودين، وسجلات مركزية للمفقودين، وصندوق لأسر المفقودين. وقد أُسس معهد المفقودين عام 2005، وهو مكلَّف بالبحث عن المفقودين وتحديد هوياتهم والاحتفاظ بسجل شامل.
وعام 2011 أُنجزت قاعدة بيانات موحدة لتوحيد السجلات من مختلف المستويات الحكومية والمنظمات الدولية، وضمان الشفافية ومنع التسييس. وعام 2014 وقّعت البوسنة والهرسك اتفاق تعاون إقليمي مع صربيا والجبل الأسود وكرواتيا، لتسهيل البحث عن الأشخاص المفقودين. ومع ذلك، ترى جمعيات أسر المفقودين أن الاتفاق لم يحقق النتائج المتوقعة، من حيث التبادل الفاعل للمعلومات عبر الحدود.
السابع: العدالة القانونية وحدها لا تكفي لتحقيق المصالحة على المدى الطويل. وتبيّن تجربة البوسنة الحاجة إلى مقاربة أوسع نطاقًا تشمل المصالحة الأقوى، والتسامح، وأفعال البحث عن الحقيقة، والسعي إلى تحقيق العدالة. وذلك لأن تجربة البوسنة توضح المخاطر المرتبطة بالإنكار والتحريف/ التراجع revisionism.
إن تمجيد مجرمي الحرب ومحاولات إعادة كتابة التاريخ يهدد المصالحة ويقوض جهد السلام. وقد أظهرت التصريحات الأخيرة للأحزاب التي وجهت الاتهامات إلى أعضائها بارتكاب جرائم حرب انقلابًا مقلقًا في المواقف. ففي كيان جمهورية صربسكا في البوسنة والهرسك، يحظى الأفراد المتهمون بارتكاب جرائم حرب بالثناء من عامة الناس والنخب السياسية. بذِل الجهد لتصويرهم أبطالًا في كتب التاريخ المدرسية، في منظومة التعليم في الكيان. وردًا على ذلك، فرض مكتب الممثل الأعلى، المسؤول عن الإشراف على تنفيذ اتفاق السلام، قانونًا يجرّم أي إنكار للإبادة الجماعية وجرائم الحرب.
الثامن: إن العدالة الانتقالية ليست حدثًا انقضى، بل هي عملية مستمرة تتطلب اليقظة والتكيف والالتزام المستدام من جانب الجهات الفاعلة المحلية والدولية. ويُظهِر المشهد السياسي والاجتماعي المتطور في البوسنة أن عمل العدالة والمصالحة مستمر، ولا بد أن يستجيب للتحديات الجديدة فور ظهورها.
ملاحظات ختامية – التحديات والتهديدات والفرص
في آب/ أغسطس 2008، أعاد التدخّل العسكري الروسي في جورجيا الأهمية الجيوسياسية للكرملين في الجوار الأوروبي، حيث انقسمت جورجيا بين جمهوريتي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، المعلنتين من جانب روسيا من جهة وبقية جورجيا من جهة أخرى، وانقسمت أوكرانيا بالقوة على طول خطوط جيوستراتيجية ومحلية مماثلة، بين تطلعات كييف الأوروبية الأطلسية، والميول الانفصالية من جانب أقلية موالية لروسيا في الشرق. وفي الأعوام الأخيرة، أصبحت روسيا حاضرة أيضًا في البلقان التي تقع في عمق الحدود الشرقية لحلف شمال الأطلسي. وتبرّعت روسيا بأسلحة لصربيا، وأجرت مناورات عسكرية مشتركة في عامي 2019 و2021 في تلك الدولة، وبنى الكرملين شراكات مع أصحاب السلطة المحليين في جمهورية صربسكا التابعة للكيان البوسني، وزعزع استقرار رؤية البلاد الراسخة للأمن من خلال التكامل الأوروبي -الأطلسي.
وفي هذا السياق، إن اقتراحنا بأن الأحزاب الانفصالية في البوسنة والهرسك كانت ستعوق التعافي المؤسسي والمستند إلى الأحكام في فترة ما بعد الحرب -لولا النشوة المحيطة بالتكامل الأوروبي الأطلسي- هو اقتراح تدعمه الأدلة التاريخية. على سبيل المثال، غيّر زعيم صرب البوسنة ميلوراد دوديك، الذي لعب دورًا بناء في المرحلة المبكرة وكان له دور فاعل في كثير من الإصلاحات الإيجابية في البوسنة والهرسك، موقفَه منذ ذلك الحين؛ إذ بدأ مشاورات منتظمة مع فلاديمير بوتين، وأعرب عن دعمه لموسكو خلال فترة حرجة. وفي اجتماعه الثاني على التوالي مع الرئيس الروسي، وسط الأحداث في أوكرانيا في عام 2014، أعلن دوديك صراحة تعاطفه مع روسيا، في بيانٍ نقله الكرملين: “بطبيعة الحال، ليس هناك شك في أننا ندعم روسيا. قد نكون مجتمعًا صغيرًا ومتواضعًا، لكن صوتنا مرتفع”.
ومع تنامي ثقة دوديك بنجاح التخريب الروسي، زادت مطالبه بعكس الإصلاحات الرئيسة التي أجريت بعد توقيع اتفاقات دايتون في مجالات الدفاع والأمن والعدالة والاستخبارات أو أي إصلاح آخر أجري في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ومن ثم، هدد بسحب الجنود من الجيش الموحد للبلاد، وتعهّد بهدم الديناميات المتفق عليها والملزمة قانونًا لتحقيق الأمن الجماعي داخل حلف شمال الأطلسي.
تجاهل كيان صرب البوسنة الاتحادَ الأوروبي، وعقد استفتاء غير دستوري عام 2016، منتهكًا بذلك قرارًا نهائيًا وملزمًا للمحكمة الدستورية في البوسنة والهرسك. استمرت الأزمة في الدولة عام 2020، عندما وصف ميلوراد دوديك المحكمة الدستورية للبوسنة والهرسك، المكونة من تسعة قضاة (اثنين من صرب البوسنة، واثنين من الكرواتيين البوسنيين، واثنين من البوسنيين، وثلاثة دوليين) بأنها محكمة احتلال. وفي كلمته أمام الجمعية الوطنية لجمهورية صرب البوسنة بعد خمسة أيام، أعلن بصورة استفزازية: “وداعًا للبوسنة والهرسك، مرحبًا بخروج صربسكا”. وقد أدت هذه الاتجاهات -إلى جانب جهد روسيا لزعزعة الاستقرار- إلى جعل الدولة المتعددة القوميات المعقدة في البوسنة والهرسك غير قادرة على الحكم بكفاءة.
ولكن التهديدات الحقيقية للسلام الذي تحقق بشق الأنفس في البوسنة والهرسك لا ينبغي أن تؤدي إلى استنتاج مفاده أن المنطقة محكوم عليها حتمًا بعدم الاستقرار والصراع. وعلى الرغم من أوجه القصور المختلفة، تظل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من العوامل الرئيسة في الحفاظ على الاستقرار في البوسنة والهرسك. مع استمرار الحرب في أوكرانيا، تُولي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اهتمامًا متزايدًا لمنطقة البلقان عمومًا، والبوسنة والهرسك وكوسوفو خصوصًا.
ويعكس وضع البوسنة والهرسك الأخير، كمرشح رسمي لبدء مفاوضات الانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي، هذا الاهتمام المتجدد. إضافة إلى ذلك، عززت قوة الاتحاد الأوروبي وجودها العسكري وظهورها في البلاد، في حين أجرت القوات العسكرية الأميركية عمليات مشتركة مع القوات المسلحة البوسنية لردع الحركات الانفصالية.
وبينما يواجه النظام الأوروبي -الأطلسي الليبرالي والمؤسسي والقائم على القوانين، تحديات وقيودًا حالية، فإنه يظل أكثر قوة من أي بدائل غير ليبرالية اقترحتها روسيا. وفي هذا الإطار، تحتفظ البوسنة والهرسك بفرصة حقيقية لدعم السلام، وتحقيق تطلعاتها إلى أن تصبح عضوًا مندمجًا بالكامل في المجتمع الأوروبي.
*- اعتمد كاتب هذا التقرير على مجموعة من المصادر، وعلى مقالاته الصحافية وكتبه الخاصة حول هذا الموضوع، إضافة إلى تقارير المنظمات الدولية ذات الصلة المشاركة في عملية السلام في البوسنة والهرسك.
(1): هادجيكادونيتش، أمير. Od Dejtona do Brisela (من دايتون إلى بروكسل). مركز الدراسات العليا متعدد التخصصات، سراييفو البوسنة والهرسك، 2005. متاح على الرابط: htps://stratis.ba/wp-content/uploads/2015/05/1-Od_Dejtona_do_Brisela.pdf
(2): هادجيكادونيتش، أمير، “عملية بناء السلام في البوسنة والهرسك – النجاح المبدئي الذي تم عكسه”. في غرب البلقان – التعاون والجغرافيا السياسية والتحولات والعلاقات الاقتصادية، محي الدين مولاليتش وإيميل توبكو وجاهجا موهاسيلوفيتش (محررين)، جامعة سراييفو الدولية، سراييفو، 2022.
(3): هادزيكادونيتش، أمير. “البوسنة والهرسك والعالم الإسلامي – الاتجاهات والفرص”. مجلة الدراسات متعدد التخصصات -مركز الدراسات المتقدمة. المجلد (9)، العدد (2)، 2022: 7 -31 https://doi.org/10.55425/23036966.2022.9.2.7.
(4): تقارير ذات صلة من المنظمات الدولية ذات الصلة، منها ملاحظات مكتب الممثل السامي في البوسنة والهرسك، السيد فابيان سالفيولي، المقرر الخاص المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار https://bit.ly/4e3djc0
[1] – كان اتفاق واشنطن، الموقّع في آذار/ مارس 1994، خطوة حاسمة نحو السلام في البوسنة والهرسك، إذ كان بمنزلة مقدمة مهمة لاتفاق دايتون للسلام، حيث أنهى هذا الاتفاق الذي توسطت فيه الولايات المتحدة الأميركية، الأعمال العدائية بين كرواتيي البوسنة والبوشناق الذين كانوا في صراع منذ عام 1993، وأنشأ اتحاد البوسنة والهرسك ككيان سياسي. وقد سهّل هذا الاتفاق التعاون بين كرواتيي البوسنة والبوشناق ضد صرب البوسنة ومهّد الطريق لمفاوضات السلام الأوسع نطاقًا في دايتون عام 1995، التي أدت في نهاية المطاف إلى شمول جميع الشعوب الثلاثة المكونة للكيان في الإطار السياسي الجديد للبلاد.

