حقّقت الثورة السورية انتصارًا حاسمًا بإسقاط النظام السوري وهروب بشار الأسد، في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، ولم يكن هذا التحوّل الكبير الذي طال انتظاره مجرّد هزيمة للنظام، بل كان جزءًا من عملية تحوّل في التاريخ الحديث للشرق الأوسط بأكمله، حيث يُعيد هذا الانتصار تشكيل الساحة السياسية والعسكرية في المنطقة، ومن ضمنها العلاقة بين الدول الكبرى والإقليمية. وفي أثناء هذا التغيّر الجذري، كانت إسرائيل تشنّ أكبر هجمة جوية في تاريخها، مركزة على الترسانة العسكرية السورية، حيث كان هدف هذه الضربات -بحسب بيان وزارة الدفاع الإسرائيلية- هو “تدمير مخزونات الأسلحة الاستراتيجية التي تمثّل تهديدًا مباشرًا لأمن إسرائيل، لمنعها من الوقوع في أيدي المتطرفين”[1].
لكن ماذا يعني تدمير إسرائيل لتلك الأسلحة؟ وكيف يمكن أن تؤثّر هذه الضربات في بنية الدولة السورية؟ وهل يمكن أن تغيّر هذه الهجمات موازين القوى في المنطقة؟ وما هو سياق المخاوف المصاحب لتلك الهجمات الإسرائيلية؟
1. الأسلحة الاستراتيجية تحت الاستهداف
لا يوجد إحصاءات دقيقة لحجم الخسائر للترسانة العسكرية على امتداد الجغرافية السورية، وذلك لعدم وجود تصريحات رسمية من وزارة الدفاع الناشئة يُعتمد عليها، وبسبب انقسام الجغرافية السورية بين أكثر من فاعل (عمليات ردع العدوان وقسد)، وصعوبة إحصاء الخسائر في المنطقتين، ولأنّ المصادر الإعلامية تقدّم معلومات متفاوتة الدقة، فضلًا عن عدم جدوى الاعتماد على المصادر الرسمية “الإسرائيلية”، لأنها تذكر أرقامًا مجملة بانورامية كـ “تدمير %70 إلى 80% من القدرات العسكرية لنظام بشار الأسد”[2]، لذلك قد يكون القيام بذكر الأسلحة الموجودة، بالاعتماد على بيانات سابقة، عاملًا مساهمًا في الإجابة عن جزء من السؤال، باعتبار أن تلك الأسلحة إما أنها دمرت بالفعل أو أنها مرشحة للتدمير في ظل هجمات إسرائيلية على الأراضي السورية لم تنتهِ حتى يوم إعداد هذه المادة.
- الصواريخ الباليستية طويلة المدى: كانت سورية تمتلك مخزونًا من الصواريخ الباليستية طويلة المدى من طراز (سكود) الذي يتوزع بين ثلاثة أنواع رئيسة: “سكود بي” الذي استوردته من كوريا الشمالية والاتحاد السوفيتي في ثمانينيات القرن الماضي، و”سكود سي”، الذي تسلّمته من كوريا الشمالية خلال التسعينيات، و”سكود دي” وهو نسخة مُطوّرة محليًا بمساعدة من إيران وكوريا الشمالية. وقد وصل مدى تلك الصواريخ إلى 700 كم، وعُزّزت بميزات تقنية مثل القدرة على مقاومة التشويش وإضافة رأس حربي منفصل يزيد فرص تجاوز المنظومات الاعتراضية، وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن سورية كانت تصنع نحو 30 صاروخًا سنويًا من هذا النوع، ما يُبرز حجم الاستثمار في تطوير هذه القدرات[3].
إلى جانب ذلك، كان لدى سورية منظومة صواريخ “فروغ 7” السوفيتية، التي كانت قادرة على ضرب أهداف بعيدة داخل الأراضي الإسرائيلية، كما كانت تمتلك ترسانة صغيرة من صواريخ “كروز” الروسية المضادة للسفن (ASCM) المصمّمة أساسًا للدفاع الساحلي، لكن يمكن استخدامها أيضًا ضد الأهداف البرية[4]. وإضافة إلى ذلك، في عام 1983، زوّد الاتحاد السوفيتي سورية بصواريخ “إس إس 21” التي يبلغ مداها نحو 120 كم[5].
خلال الثمانينيات، تلقّى النظام كميات كبيرة من صواريخ “توشكا”، التي اعتُبرت من الأسلحة النوعية بسبب دقتها العالية وقدرتها التدميرية، حيث يراوح مداها بين 70 و180 كم، حسب الجيل، مع ميزة تجهيزها وإطلاقها خلال 15 دقيقة فقط، وخلال مناورات 2012 الصاروخية للجيش السوري، كُشف عن جزء آخر من ترسانة الصواريخ السورية، وهي صواريخ “ميسلون” السورية والمستنسخة من صواريخ (زلزال 2) الإيرانية (أو زلزال 3) بمدى 210 كم، وصواريخ “تشرين” دقيقة الإصابة، وهي نسخة من (فاتح 110) الإيرانية بمدى 300 كم[6]، ويُضاف إلى كل ذلك صواريخ (جولان 1) البالستية متوسطة المدى التي يبلغ مداها 600 كلم، وصواريخ (جولان 2) التي يصل مداها إلى 800 كلم[7].
- أنظمة الدفاع الجوي المتطورة: كان لدى الجيش السوري أنظمة دفاع جوي متطورة مثل “سام-6″، “سام-17″، “بانتسير”، إضافة إلى “إس-200” و”إس-300″، التي زوّدتها بها روسيا في السنوات الأخيرة[8]. هذه الأنظمة كانت تشكّل تهديدًا محتملًا للتفوّق الجوي الإسرائيلي، في حال استخدامها بشكل فعال. وبناءً على ذلك، سعت إسرائيل إلى تدمير هذه الأنظمة بشكل كامل، من خلال تنفيذ غارات جوية مركزة على مواقع نشرها، بهدف تقليص أي خطر محتمل على قدراتها الجوية، وفرض مزيد من الهيمنة الجوية في المنطقة.
- الطائرات الحربية والمروحية: تضم الترسانة السابقة للجيش السوري، حسب آخر تحديث صادر عن موقع (WPMMA) المتخصص في الشؤون العسكرية، 231 طائرة في الخدمة، منها 141 قتالية هجومية، تضم 44 طائرة “ميغ 23″، و25 مقاتلة اعتراضية “ميغ 21″، و20 مقاتلة قاذفة من طراز “سوخوي سو 22″، وكذلك 15 طائرة “ميغ 29” و9 “سوخوي 24″، إضافة إلى طائرة من طراز “ميغ 25” اعتراضية، ولدى القوات الجوية أيضًا 79 طائرة مروحية، منها 31 طائرة من طراز “إس إي 342” الفرنسية، و25 أخرى من طراز “مي 17” الروسية، إضافة إلى 14 طائرة أخرى من طراز “مي 25″، وأنواع أخرى من الطائرات المروحية والمخصصة للتدريب[9].
استهدفت الغارات الإسرائيلية مطار المزة العسكري غرب العاصمة دمشق، وكل المطارات السورية في ريف حمص الشرقي في البادية، وأبرزها مطار الشعيرات الذي يقع على بعد 31 كيلومترًا جنوب شرقي مدينة حمص وسط سورية، ويضمّ محطات كشف راداري متقدمة، ومحطات تصنيع حربي، وتجري فيه عمليات صيانة للطيران المسيّر، وفق مصادر عسكرية سورية. وفيه 40 حظيرة إسمنتية، ومدرجان أساسيان، طول كل منهما ثلاثة كيلومترات[10]، واستهدفت الغارات أيضًا مطار القامشلي، في أقصى شمال شرق سورية الواقع في مناطق الإدارة الذاتية (قسد).

المصدر: https://tinyurl.com/bdfkhjrb
- الأسلحة الكيميائية: منذ عام 1971، تأسّست أولى المحاولات السورية لامتلاك السلاح الكيميائي، حين أنشأ عبد الله واثق شهيد، الفيزيائي النووي والمستشار الأول لحافظ الأسد، مركز البحوث والدراسات العلمية لأغراض الأبحاث الكيميائية، وحقّق المركز نجاحات مكّنته من إنتاج المواد الأولية المستخدمة في تصنيع غاز السارين، لكن النجاح الأكبر كان في تطوير غاز الأعصاب “في إكس” (VX)، وهو أحد أكثر المواد الكيميائية سُمّية[11]، وحتى عام 2012 أكد بعض المختصين أن سورية تملك “أكبر ترسانة أسلحة كيميائية في العالم طوَّرتها منذ أربعين عاما”، وإن من بين الغازات الموجودة في ترسانتها غاز السارين وغاز الأعصاب وغاز الخردل[12].
وعلى الرغم من تبنّي مجلس الأمن الدولي قرارًا بالإجماع عام 2013 بتدمير مخزون الأسلحة الكيميائية السوري، والتخلّص منه نهائيًا في أعقاب مجزرة الغوطة التي استخدم فيها نظام الأسد غاز السارين مُخلِّفًا أكثر من 1400 قتيل، وإعلان الولايات المتحدة وروسيا إنجاز مهمّة التخلص منها نهائيًا في وقت لاحق، أوردت بعض التقارير أنّ النظام نجَح في إخفاء جزء كبير من ترسانته عن المراقبين، وتجديد جزء آخر منها خلال السنوات التالية[13]، وقد ظهرت دلائل على استخدام النظام الأسلحة الكيميائية بعد إعلان تفكيك ترسانته، أبرزها في دوما في نيسان/ أبريل 2018 باستخدام الكلور وغاز الأعصاب.
أشار تقرير للجزيرة نت إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي “هاجم مؤخرًا مستودعًا للأسلحة الكيميائية تابعًا لنظام بشار الأسد المُنهار في غرب سورية” [14]، ولا يمكن فصل الاستهداف الإسرائيلي لمخازن السلاح الكيمياوي عن استهداف مراكز البحوث العلمية، حيث تُدار منها برامج الأسلحة الكيميائية، فقد استهدفت الغارات الإسرائيلية مراكز البحوث العلمية، في كلٍّ من دمشق برزة وجمرايا ومصياف.
- سلاح البحرية: أضافت إسرائيل إلى هذا التمادي تدميرًا واسع النطاق للقوى البحرية السورية الراسية في ميناء اللاذقية، الذي كان يضمّ غوّاصتين من طراز “أمور” الروسية، وفرقاطتين من طراز “بيتيا”، إضافة إلى 16 زورق صواريخ روسيًا من طراز “أوسا”، و5 كاسحات ألغام روسية من طراز “ييفينغنيا”، و6 زوارق صواريخ “تير” إيرانية[15]. ويأتي هذا الهجوم في سياق مشابهٍ لتدمير قوات التحالف الدولي للقوات البحرية التابعة لنظام العقيد معمر القذافي خلال الثورة الليبية في عام 2011.

صورة جوية للسفن المدمرة في ميناء اللاذقية جراء الغارات الإسرائيلية: https://tinyurl.com/yer5pus8
2- تداعيات تدمير تلك الترسانة:
لا يمكن فصل سياق تدمير مقدرات عسكرية استراتيجية لبلدٍ ما عن السلطة الحاكمة فيه، أيًا كانت تلك السلطة، كما لا يمكن فصل ذلك عن معادلات الإقليم وارتداداته:
- تداعيات على الدولة السورية الجديدة:
- صعوبة إعادة بناء القدرة العسكرية: مع تدمير الأسلحة الثقيلة مثل الصواريخ والطائرات، سيكون من الصعب على الحكومة الجديدة في سورية استعادة هذه القدرات، حيث ستتطلب إعادة بناء هذه القوة العسكرية وقتًا طويلًا وموارد ضخمة، وقد تكون هذه العملية مرتبطة بالحصول على دعم عسكري دولي وابتزاز لرفع العقوبات عن سورية في شقها العسكري، الذي بدأت بذوره بتصريحات وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكين[16]، عن شروط رفع العقوبات والاعتراف بالإدارة الجديدة بعد سقوط النظام[17].
- الاعتماد على الدعم الإقليمي من الدول الصديقة: من المتوقّع أن تحتاج السلطة الجديدة إلى الحصول على دعم عسكري خارجي لإعادة بناء مقدرات الجيش الجديد “منزوع الأظافر”، وهذا ما بدأت تلوح به تركيا عبر تصريحات وزير الدفاع بأنّ تركيا على استعداد لتدريب الجيش السوري إذا طلبت الإدارة الجديدة للبلاد ذلك[18]، وهذا ما يفتح الباب واسعًا على تدخّلات قد تصل إلى المساس بـ “العقيدة القتالية” للجيش السوري الجديد[19].
- التركيز على الأسلحة التقليدية: إذا لم تتمكن السلطة الجديدة من استيراد أسلحة متطورة؛ فقد تركز على الأسلحة التقليدية/ التكتيكية دون الاستراتيجية، ولا سيما أن للثورة السورية عبر كل مراحلها باعًا طويلًا مع تصنيع الأسلحة التقليدية، مثل قذائف المدفعية والصواريخ قصيرة المدى والطائرات المسيرة التي أحدثت فرقًا في المعارك الأخيرة، ولكن هذا يعني أن البلاد ستكون في وضع دفاعي خالص لسنوات طويلة، في وجه همجيّة إسرائيلية غير معروفة المنتهى على الحدود الجنوبية.
- ضبابية شكل الجيش السوري الجديد: لا يمكن لأحدٍ الجزم بشكل الجيش السوري الجديد، بعد انهيار النظام وتدمير إسرائيل العمود الفقري الصلب للجيش السابق، ولكن المؤكد أنه سيشهد تحولًا جذريًا في هيكليته، فقد يتجه نحو تقليص حجمه بشكل ملحوظ، بإلغاء التجنيد الإجباري، كما صرحت الإدارة الجديدة[20]. وهذا ما سيُنتج “سلطة مشوهة للدولة”، بسبب استحالة انتشار عدد محدود من الجنود على المساحة الجغرافية الواسعة لسورية. وإذا لم يكن هذا الانتشار للقيام بمهام الضبط الداخلي في المرحلة الأولى -وهو أمرٌ متوقع ومُشاهَد في سياق ضعف قوات الأمن العام والشرطة الناشئة- فسيكون للقيام بالانتشار على الحدود السورية الكبيرة مع خمس دول، إضافة إلى قواعد عسكرية في المواقع الحساسة والاستراتيجية.
أو قد تتجه الإدارة الجديدة إلى إعادة بناء جيش منظم كبير، بدمج كلّ التشكيلات والفصائل العسكرية السورية في وزارة الدفاع، وهو ما أشار إليه أحمد الشرع في سياق حديثه عن حلّ جميع الفصائل[21]، مع الاعتماد على دعم الدول الحليفة مثل تركيا، بعد الاعتراف الدولي بالحكومة الانتقالية الجديدة، في مشهدٍ يستعاد فيه تجربة حكومة الوفاق الوطني في ليبيا، حيث قامت تركيا بتزويد الحكومة بالأسلحة في كانون الأول/ ديسمبر 2019، لمواجهة الهجوم الذي شنته “قوات حفتر” المدعومة من دول الثورة المضادة، مما يعكس تحولًا نحو حلول مبتكرة لتأمين الاستقرار الأمني في ظل محدودية الموارد العسكرية.
- تداعيات على المعادلات الإقليمية:
- تعزيز التفوّق العسكري الإسرائيلي على دول المنطقة: لا يمكن إنكار أن التفوق الإسرائيلي العسكري واضح منذ السابع من أكتوبر 2023، على أن هذا التفوق عُزِّز بشكل أكبر ليس على حساب سورية فحسب، بل يمتد ليشمل المنطقة بأسرها، موجهًا ضربة إلى دول إقليمية كبرى مثل تركيا وإيران مجتمعة، وهما الدولتان اللتان استثمرتا في طرفي “النزاع السوري” طويلًا على مستوى الفواعل المحلية (الفصائل العسكرية وبعض من وحدات الجيش السابق)، فإزالة الأسلحة الاستراتيجية السورية من الساحة تعزّز موقع إسرائيل الأمني على المستوى الاستراتيجي والإقليمي، وتمنحها حرية أكبر في تنفيذ عملياتها العسكرية من حدود البحر المتوسط في لبنان، مرورًا بسورية وصولًا إلى العراق وما بعده، دون الخوف من ردود فعل حاسمة من الخصوم الإقليميين، وهذا ما يدعمه تصريحات مسؤولين في سلاح الجوّ الإسرائيلي، إذ يصرّحون بأن “المؤسسة الأمنية تدرك أنه دون تهديد جوي سوري سيكون الجيش الإسرائيلي قادرًا على الوصول إلى العراق من دون مشكلة، إذا استمرت الميليشيات الموالية لإيران في تهديد إسرائيل”[22]. وفي ظلّ هذا الوضع من اختلال ميزان القوى، تصبح الدول الإقليمية ذات المصالح في “سورية الجديدة” على المدى القريب أمام خيارات غير مريحة للاستثمار في شتى المجالات في الدولة الجديدة، ولا سيما تركيا التي هي الرابح الأكبر إقليميًا من سقوط النظام.
- إضعاف الدور السوري الإقليمي على المدى المتوسط: تركز إسرائيل في هجماتها العسكرية على جعل سورية دولة منزوعة الأظافر، بهدف تعطيل قدرة الجيش السوري المستقبلي على أن يصبح قوة مركزية في المنطقة أو على إعادة ترتيب صفوفه، مما يحول دون استعادة أراضيه المحتلة أو ردع “إسرائيل” عن مهاجمته، ونتيجة لذلك ستكون الإدارة السورية المقبلة مقيّدة بشروط جيوسياسية وأمنية، تمنعها من لعب دور مؤثر في مواجهة التحديات الإقليمية، وتؤدي إلى إعادة تشكيل توازن القوى لصالح إسرائيل وحلفائها[23].
- تعزيز التعاون بين دول المنطقة الفاعلة: مع تدمير الأسلحة الاستراتيجية للبلاد وإنهاء حالة التوتر الإسرائيلي من احتمال سيطرة جماعات “متطرفة” -حسب وصفها- على تلك الأسلحة، ينتهي بذلك خطرٌ كان يؤرق الجانب الأقوى في المنطقة (إسرائيل)، جنبًا إلى جنب مع انتهاء السيطرة الإيرانية، وقد يجلب ذلك -بغض النظر عن مدى الخسارة العسكرية لسورية الدولة- على المدى المتوسط والطويل، بعض الاستقرار النسبي للبلاد، ومن ثم ستُقبل بعض الدول الإقليمية على الاستثمار في مشاريع إعادة إعمار المدن السورية المدمرة، ومشاريع الطاقة مثل خط الغاز القطري نحو أوروبا مرورًا بسورية، وسيعزز ذلك سبل التعاون الاقتصادي بين الدول المعنية، ويعود بالنفع -نظريًا- على سورية[24].
3- سياق المخاوف المصاحب للهجمات الإسرائيلية:
لا تكمن المخاوف الإسرائيلية على الأسلحة الاستراتيجية من وقوعها في أيدي جماعات “متطرفة” على البُعد العسكري فقط، بل يتعدى ذلك إلى مخاوف أمنية وسياسية قد تكون مفسّرًا للسلوك الإسرائيلي في الأراضي السورية.
- الفواعل غير المنضبطة: سعت إسرائيل، من خلال عملياتها الجوية المستمرة على مدار سنوات الثورة، إلى إضعاف الوجود العسكري الإيراني عبر تدمير الأسلحة الاستراتيجية في سورية، مما قلل من قدرة طهران على تهديد أمنها بشكل مباشر، لكن سقوط النظام سيخلق فراغًا أمنيًا لا تريد إسرائيل لفصائل مسلحة غير منضبطة استثماره، في حال كانت الإدارة السورية الجديدة ستتسم بالضعف أو مشوشة في إدارة البلاد على المدى المتوسط وبعيد المدى، ما قد يرفع من مستويات عدم الاستقرار في المنطقة، إذ يُحتمل أن تقوم عناصر من فلول النظام السابق بعمليات على الحدود الجنوبية، بغية إثارة الفوضى في البلاد، أو أن يستعيد تنظيم “داعش” نشاطه، ولا سيما أن هناك تقارير عراقية تتحدث عن زيادة نشاطه في الصحراء السورية بعد سقوط النظام، فضلًا عن وجود بقايا خلايا “جيش خالد بن الوليد”[25] في جنوب سورية، وهي الأكثر خطرًا، في حال استفاد من أي فوضى محتملة[26].
- تهريب السلاح: يُضاء في إسرائيل منبّهُ تحذير شديد من مخازن الأسلحة المتاحة للجميع، فهذه اللقطة تضع في مخيالهم صورة تهريب السلاح الليبي بعد سقوط نظام القذافي، إلى غزة[27]، حيث قادت عدة كتائب ليبية عملية تهريب كثير من السلاح المُغتَنم من مخازن القذافي إلى غزة، عبر الحدود المصرية، ولذلك نجد أن إسرائيل حريصة عند توغلها في المناطق الحدودية السورية على تدمير ومصادرة كل الأسلحة التي تجدها، سواء تلك التي كانت في مخازن النظام السابق أو التي يحتفظ بها الأهالي في بيوتهم، فهي حريصة على إنشاء منطقة منزوعة السلاح بشكل حرفي، بعد الضرر الذي نالها بوجود قوة مسلحة بأسلحة “تكتيكية” في قطاع غزة في السابع من أكتوبر[28].
- دولة قوية وأرض محتلة: يأتيجزءٌ من التخوّف الإسرائيلي الآن من الديناميكية الداخلية للشعب السوري نفسه، أو من احتمالية أن تتطور العملية السياسية في البلاد لتنتج سلطة وطنية تسعى لإعادة الجولان، حيث أشارت مصادر إسرائيلية، في معرض الحديث عن هضبة الجولان، إلى أنها “مسألة حياة أو موت بالنسبة لإسرائيل، وأنها جزء لا يتجزأ من الدولة”[29]، أو لدعم القضية الفلسطينية دعمًا حقيقيًا، يختلف عن الدعم الوهمي الذي كان يتبعه النظام السابق.
- الحدود والأمن: منطقة الحدود السورية-الإسرائيلية ستظل أحد العناصر الحاسمة في تحديد سياسة “إسرائيل” المستقبلية تجاه سورية، كما كانت أيام النظام السابق، ففي حين كانت إسرائيل في فترة سابقة تراقب النشاطات العسكرية للنظام السوري وحلفائه، وتستهدفهم في عمليات موضعية جراحية، فقد شهد الوضع تغييرًا في الديناميكيات الأمنية على الأرض، بعد التوغل الإسرائيلي في منطقة وقف إطلاق النار واحتلال المنطقة العازلة ومراكز مراقبة حيوية مثل جبل الشيخ الاستراتيجي وقرى حدودية أخرى[30]. وإذا تمكّنت السلطة الجديدة من فرض نوع من الاستقرار الداخلي على المدى المتوسط والطويل، فقد تفتح إسرائيل الباب لإعادة النظر في سياساتها الأمنية عبر القنوات الدبلوماسية أو الأمنية، لكن الثابت في المشهد الراهن أن الاستراتيجية الإسرائيلية قائمة على الاستهداف المُسبق وإقامة خطوط دفاعية متقدمة في المحيط بعد تضرر منظومة الردع في السابع من أكتوبر2023، مما يجعلها في حالة استنفار دائمة أمام دول وفواعل الجوار.
إن تدمير إسرائيل للترسانة العسكرية السورية يُمثّل نقطة انعطاف استراتيجية للمنطقة بأكملها، فضلًا عن سورية. فبينما يهدف هذا التحرك إلى تقليص أي تهديدات محتملة للأمن الإسرائيلي، فإنه يترك الدولة السورية الجديدة في مواجهة تحديات عميقة، تتعلق بإعادة بناء قدراتها الدفاعية، وسط بيئة إقليمية ودولية معقدة.
على الصعيد الداخلي، يفرض هذا الواقع على الحكومة الانتقالية ضرورة إعادة تقييم أولوياتها، بدءًا من استعادة الحد الأدنى من الجاهزية العسكرية، مرورًا بإعادة هيكلة الجيش على أسس وطنية حديثة، وصولًا إلى مواجهة تحديات الاستقلال في اتخاذ القرار بعيدًا عن ضغوط القوى الإقليمية والدولية. أما إقليميًا، فإنّ تعزيز التفوّق العسكري الإسرائيلي يزيد من اختلال ميزان القوى، ويعزز الهيمنة الإسرائيلية، ويُضعف موقع سورية الاستراتيجي في مواجهة التحديات المستقبلية.
إن مصير سورية الجديدة يعتمد بشكل كبير على قدرتها على تحويل هذه المحنة إلى فرصةٍ لبناء قوة عسكرية دفاعية تعتمد على الكفاءات الوطنية والابتكار المحلي، مع الحفاظ على سيادتها وعدم الانجرار إلى صراعات المحاور الإقليمية. في هذا السياق، يصبح التعاون الدولي المتوازن والدعم الإقليمي الحكيم مفتاحًا لتحقيق استقرار حقيقي ومستدام. سورية الآن أمام اختبار حقيقي يُحدّد معالم دورها في الشرق الأوسط الجديد.
[1] “Israel strikes hundreds of military targets in Syria”, AFP and ToI Staff, The Guardian, 10/ 12/ 2024, seen on 17/12/2024, – in: https://tinyurl.com/3f6yb7w3
[2] إسرائيل: دمرنا نحو 80% من القدرات العسكرية السورية، الجزيرة نت، 10/12/2024، شوهد في 30//12/2024، في: https://tinyurl.com/bd85jvht
[3] “القدرة الصاروخية السورية…أنواعها وقوتها (صور)”، سبوتنيك عربي، 22/5/2017، شوهد في 25/12/2024 في: https://tinyurl.com/ybwp9xy4
[4] “Syria Missile Overview”, The Nuclear Threat Initiative, seen on 17/12/2024, in: https://rb.gy/n13iav
[5] “Syria”- Federation of American Scientists, seen on 17/12/2024, in: https://rb.gy/vw2q3j
[6] “القدرة الصاروخية السورية…أنواعها وقوتها (صور)”، مصدر سابق.
[7] أحمد عبد الرحمن، “الحرب متعدّدة الجبهات.. نظرة على القدرات الصاروخية لمحور المقاومة 2/3″، حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية، 21/3/2023، شوهد في 25/12/2024، في: https://tinyurl.com/ysnb4k7m
[8] “S-300 missile system: Russia upgrades Syrian air defences”, BBC, 2/10/2018, seen on 17/12/2024 https://tinyurl.com/ckmn8b92
[9] Syrian Air Force (2025) Aircraft Inventory, World Directory of Modern Military Aircraft, seen on 31/12/2024, in: https://tinyurl.com/bdepj69h
[10] محمد أمين، “هذه أبرز المواقع العسكرية التي دمّرتها إسرائيل في سورية خلال يومين”، العربي الجديد، 10/12/2024، شوهد في 27/12/2024، في: https://tinyurl.com/34vkyesu
[11] شادي عبد الحفيظ، “أكبر عملية لقوات الجو الإسرائيلية في تاريخها.. ماذا قصفت في سوريا؟”، الجزيرة نت، 11/12/2024، شوهد في 17/12/2024، في: https://tinyurl.com/bdfr5ckd
[12] محمد يوسف، “الأسلحة الكيميائية وسر نظام الأسد المظلم الذي تخشاه إسرائيل والغرب”، الجزيرة نت، 17/12/2024، شوهد في 25/12-2024، في: https://tinyurl.com/3p9p9u93
[13] “في يوم إحياء ذكرى ضحايا الحرب الكيميائية، النظام السوري لا يزال يحتفظ بترسانة كيميائية وتخوف جدي من تكرار استخدامها”، الشبكة السورية لحقوق الإنسان، 30/11/2023، شوهد في 25/12/2024، في: https://tinyurl.com/5d5f6vyx
[14] “الأسلحة الكيميائية وسر نظام الأسد المظلم الذي تخشاه إسرائيل والغرب”، مصدر سابق
[15] “ما الأسلحة الاستراتيجية التي دمرها الكيان الاسرائيلي في سوريا؟”، قناة العالم، 12/12/2014، شوهد في 25/12/2024، في: https://tinyurl.com/2fbtanab
[16]Jennifer Hansler, “US has had direct contact with Syrian rebel group, Blinken says”, CNN, seen on 14/12/2024, in: https://tinyurl.com/39runss8
[17] الجدير بالذكر أن أحد أسباب الانهيار السوداني والحرب الطاحنة، بعد سقوط عمر البشير، هو تفاقم الوضع المعيشي بتأخر أميركا في رفع العقوبات عن الخرطوم، للمزيد: https://tinyurl.com/4d6sx2v4
[18] “تركيا «مستعدة» لتقديم التدريب العسكري لسوريا إذا طلبت الإدارة الجديدة”، الشرق الأوسط، 15/12/2024، شوهد في 17/12/2024، في: https://tinyurl.com/3wn4b54v
[19] حيث يمثل أمامنا حالة “الجيش الوطني السوري” في حالة السيطرة على القرار الخارجي.
[20] من المؤشرات التي تدل على ذلك هو تصريحات أحمد الشرع: “التجنيد لن يكون إجباريًا”، للمزيد: الشرع: “حل الفصائل قريبًا.. والتجنيد لن يكون إجباريًا”، المدن، 2024/12/16، شوهد في 18/12/2024، في: https://tinyurl.com/45wpmxrv
[21] “الشرع يتحدث عن انتخابات ودستور جديد وحل الفصائل”، الجزيرة نت، 14/12/2024، شوهد في 17/12/2024، في: https://tinyurl.com/4zx27j4a
[22] كفاح زبون، إسرائيل تستغل «فرصة نادرة» للقضاء على «الأسلحة الاستراتيجية» لدمشق، الشرق الأوسط، 10/12/2024، شوهد في 31/12/2024، في: https://tinyurl.com/2j4hnxat
[23] “تحديات المرحلة الانتقالية في سورية وآفاقها”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 12/12/2024، شوهد في 17/12/2024، في: https://tinyurl.com/25zeep5y
[24] مراد تميزر ومحمود نابي، “مرورًا بسوريا.. مشروع نقل الغاز القطري عبر تركيا يعود للواجهة (تقرير)”، وكالة الأناضول، 15/12/2024، شوهد في 19/12/2024، في: https://tinyurl.com/4jp5feuw
[25] (بعد القضاء على جيش خالد بن الوليد، في صيف عام 2018، وهو فصيل بايع التنظيم، ويضم عناصر محليين من أبناء درعا، في منطقة اليرموك، الجيب الجنوبي الغربي من المحافظة، انتشر عناصره الفارون في أرجاء الجنوب السوري، حيث يعمل التنظيم على شكل مجموعات محلية صغيرة من بقايا جيش خالد، تنفذ بشكل مباشر أهداف التنظيم، وتجند شبانًا جددًا لديهم ذات الميول الفكري للتنظيم)، للمزيد: وليد النوفل، “داعش” في جنوب سوريا: كيف يجدد التنظيم نفسه بعد كل هزيمة؟” – سوريا على طول 9 /2/ 2024، شوهد في 19/12/2024، في: https://tinyurl.com/5xwjrdy4
[26] “صحف عالمية: إسرائيل أمام بيئة أمنية متغيرة بعد سقوط نظام الأسد”، الجزيرة نت، 13/12/2024، شوهد في 19/12/2024، في: https://tinyurl.com/ydfwxd2z
[27] داود سليمان، “طريق السلكاوي: سلاح الثورة من ليبيا إلى غزّة”، موقع متراس، 5/12/2024، شوهد في 23/12/2024، في: https://tinyurl.com/4st4dfue
[28] “انتهاكات الاحتلال في سوريا.. توغّل في ريف درعا ومصادرة أسلحة”، التلفزيون العربي، 20/12/2024، شوهد في 24/12/2024، في: https://tinyurl.com/3m9wp8h6
[29]– محمود عدامة، “إسرائيل وسوريا ما بعد الأسد: تحركات مؤقتة أم خلق وضع جديد؟”، بي بي سي، 12/12/2024، شوهد في 25/12/2024، في: https://tinyurl.com/47cudv37
[30] عبد الرؤوف أرناؤوط، “إسرائيل تتوغل برًا بالمنطقة العازلة مع سوريا وتهاجم أهدافًا بقنابل ثقيلة”، وكالة الأناضول، 9/12/2024، شوهد في 25/12/2024، في: https://tinyurl.com/mwm4rh6f

