ملخص
تلعب الجيوش أدوارًا مختلفة جدًّا في الأنظمة الاستبدادية المختلفة. فمن جهة، يظلّ الجيش الفاعل السياسي الأبرز طوال عقود. ومن جهة أخرى، تظل الجيوش مدة طويلة تابعة للقادة الاستبداديين. نجادل بأن جذور هذا الاختلاف -من التفوق/ التعالي العسكري إلى التبعية- تكمن في الأصول العسكرية/ أصول الجيش. عندما أنشأت الأحزاب الجماهيرية الاستبدادية جيوشًا من الصفر، ظلّت القوات المسلّحة عمومًا خاضعة. وعندما ظهرت الجيوش بعيدًا عن تأثير الأحزاب الاستبدادية، تمتّعت بالاستقلالية اللازمة لتحقيق السيادة العسكرية والمحافظة عليها. الدرس الأساسي بسيط: ما لم يُؤسِّس أيُّ نظام استبدادي الجيشَ، فسوف يكافح ذلك النظام للسيطرة عليه.
مقدمة
في شباط/ فبراير 2021، أنهى انقلاب عسكري تجربةَ بورما الهشة قصيرة العمر مع الديمقراطية. وكان ذلك تذكيرًا صارخًا بأنّ الجيوش، من بعد عقود من انتهاء الحرب الباردة وسقوط الدكتاتوريات العسكرية في أنحاء آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية كلها، ما تزال تهيمن على الحياة السياسية وتتحكم فيها في كثير من البلدان. في بورما، كانت السيادة/ الهيمنة العسكرية هي القاعدة دائمًا، حتى في تلك المناسبات النادرة التي يُعرض فيها على المدنيين حصة عابرة من السلطة الوطنية. كانت إطاحة حكومة أونغ سان سو كي، قبل عامين، بمنزلة إشعار بأنه ليس لدى القوات المسلحة النية والعزم لأن تُستبدَل كحَكمٍ نهائي للسياسة البورمية.
ومع ذلك، فإن السيطرة المدنية لا تُترجَم بالضرورة إلى ديمقراطية. في الصين وروسيا، على سبيل المثال، ساعدت التبعية السياسية للجيش في منع الانتقال إلى الديمقراطية. وشوهد هذا بصورة مأساوية في الصين، في حزيران/ يونيو 1989، عندما تغلب دينغ سياو بينغ، زعيم الحزب الشيوعي الصيني، على مقاومة البعض في جيش التحرير الشعبي، ونجح في إخضاع الجنود لأوامره بسحق المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية، في ساحة تيانانمين في بكين.
في الأنظمة الاستبدادية، تختلف قوّة الجيوش اختلافًا كبيرًا؛ حيث إن لدى بعض الدكتاتوريات، ومنها تلك الموجودة في الجزائر وبورما ومصر وباكستان وتايلاند، جيوشًا تهيمن هيمنة حاسمة على السياسة. في تلك البلدان، ظل الجيش نواةَ الدولة طوال عقود عدة. يختار الجنرالات كبار المسؤولين الحكوميين، ويسيطرون على الأجهزة الأمنية، ويضعون السياسة الخارجية، ويتغلغلون بعمق في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، وأيّ تحدٍّ للتفوق العسكري قد يواجَه بانقلاب. في المقابل، في الأنظمة الاستبدادية، مثل تلك الموجودة في الصين وروسيا وفيتنام، يخضع الجيش بشدة لسيطرة أسياده السياسيين، الذين لديهم قيود صارمة على سلطته. ليس لدى الجيوش في هذه البلدان سوى إحساس ضعيف بالهوية المؤسسية، ولا تتحرك في كثير من الأحيان، حتى عندما تتعرض مصالحها الرئيسة للتهديد.
مصادر هذه الفروق المهمة غير مفهومة جيدًا. في حين يسعى المراقبون في كثير من الأحيان إلى تفسير وجود التدخلات العسكرية أو انعدامها، من خلال التركيز على استراتيجيات القادة السياسيين، مثل إعطاء الغنائم للجيش أو موازنة ذلك بقوة مسلحة كبيرة أخرى (ميليشيا الحزب النازي بقيادة أدولف هتلر والحرس الجمهوري بقيادة صدام حسين مثالان كلاسيكيان)، فإننا نقترح أن التفوق/ التعالي العسكري متجذر عميقًا في الآثار الطويلة الأجل للأصول العسكرية.
لا يكمن مفتاح القوة الدائمة للقوات المسلحة في الاختيارات المباشرة للسياسيين، بقدر ما يكمن في الأصول التاريخية للجيوش الوطنية. في البلدان التي أنشأت فيها الأحزاب الجماهيرية الاستبدادية الجيش من الصفر، ظلت القوات المسلحة عمومًا تابعة. في مثل هذه الحالات، عَلقت الأحزاب الحاكمة في الجيوش في شبكات من العلاقات التي تعوق قدرة الجيش ورغبته في تأكيد نفسه والبقاء ثابتًا. على النقيض من ذلك، في الحالات التي يكون فيها الجيش أقدم من الحزب الحاكم الاستبدادي أو نشأ بصورة منفصلة عنه، فإن الاستقلالية العسكرية والتفوق يصبحان القاعدة. الدرس بسيط: إذا لم يخلق أي نظام استبدادي الجيش، فسوف يكافح للسيطرة عليه.
وعلى الرغم من أن التاريخ ليس قدرًا أبدًا، فإنه يمنح بعض اللاعبين أوراقًا أفضل في لعبة العلاقات المدنية العسكرية عالية الأخطار. في السياسة، كما في لعبة البوكر، الأوراق المتداولة مهمة على الأقل مثل اللاعبين الذين يحصلون عليها. اُطيحت حكومة أونغ سان سو كي المنتخبة ديمقراطيًا، ليس بسبب أي استراتيجيات مؤسفة اختارتها، ولكن لأنها كانت تعاني سوء حظ لقيادة دولة عانت التفوق العسكري منذ أن أصبحت مستقلة عن الإمبراطورية البريطانية عام 1948. هذا التعالي متجذر في الحقيقة التاريخية الغاشمة المتمثّلة في أن جيش بورما أنشأته قوات الاحتلال اليابانية التي غادرت المشهد بسرعة بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، تاركة القوات المسلحة بلا سيد سوى نفسها.
الجيش والاستبداد: لمن السيطرة؟
يُهيمن الجيش على بعض الأنظمة الاستبدادية، في حين تسيطر بعض الأنظمة الاستبدادية الأخرى بإحكام على قواتها المسلحة. في حالات السيادة/ التفوق العسكرية، تهيمن القوات المسلحة على سياساتها ومؤسسات الحكم السياسي الرئيسة. قد يكون رئيس الوزراء أو الرئيس مدنيًا، لكن الجيش يسيطر على أجهزة الأمن الداخلية والاستخبارات الرئيسة، وله مخالب عميقة في الاقتصاد أيضًا. غالبًا ما يقرر الضباط النظاميون السياسة الخارجية والأمنية. وتقاوم القوات المسلحة بشدة أي محاولة لتقليص استقلالها الذاتي وسلطتها السياسية. واجه القادة السياسيون المدنيون الذين حاولوا انتزاع السلطة من الجنرالات، في الجزائر وبورما ومصر وباكستان وتايلاند، انقلابات وأعيد فرض السيادة العسكرية.
غالبًا ما استمرت الهيمنة العسكرية في مصر. على الدوام باستثناء عام واحد منذ عام 1952، كان الرئيس عقيدًا أو جنرالًا أو مشيرًا جويًا أو مشيرًا ميدانيًا. باكستان، منذ تأسيسها في 1947، تأرجحت بين نوبات طويلة من الحكم العسكري المباشر وفترات شغَل خلالها المدنيون المناصب العليا للدولة، وكانوا لا يتجاوزون الحدود التي رسمتها القوات المسلحة. حتى في ظل الحكم المدني الظاهري، أجرى الجيش دبلوماسيته الدولية الخاصة، واستخدم وكالات المخابرات المشتركة التابعة له للتجسس على السياسيين المدنيين.
قد لا تهزّ حتى الإخفاقات العسكرية الكبرى القوة السياسية للقوات المسلحة. كان أداء الجيش المصري الكارثي، خلال حرب حزيران/ يونيو 1967 ضدّ إسرائيل، سببًا لإضعاف الجيش مؤقتًا، لكنه لم ينهِ الحكم العسكري. لم يخفف فشل باكستان في التمسك بباكستان الشرقية -التي أصبحت بنغلاديش في كانون الأول/ ديسمبر 1971 بعد الاستسلام المهين لتسعين ألف جندي باكستاني للبلاد الجديدة وحليفتها الهند- أي قدرٍ من التفوق السياسي الذي يتمتع به الجيش الباكستاني.
في الأنظمة الاستبدادية الأخرى، على النقيض من ذلك، تمارس السلطات المدنية سيطرة شبه كاملة على القوات المسلحة. يُدقق الحزب الحاكم في الترقيات العسكرية عن كثب، ويخضع الضباط والأفراد المجندين على حد سواء لتلقين سياسي واسع النطاق. تراقب الأجهزةُ الأمنية الجيشَ وتضبطه؛ إذ يسيطر عليها الحزب الذي قد يحوي أيضًا بين صفوفه “ضباطًا سياسيين” خاصين، مهمتهم تمثيل الحزب وأيديولوجيته. في رومانيا الشيوعية، لم يكن بإمكان الضباط العسكريين الزواج من دون موافقة المفوضين السياسيين.
تواجه الجيوش التابعة صعوبات كبيرة في مقاومة الاعتداءات المتطرفة على مصالحها الشخصية أو المصالح التعاضدية (مصالح شركاتهم). في عام 1937، كجزء من إرهابه العظيم، أطلق جوزيف ستالين عملية تطهير لفيلق ضباط الجيش الأحمر، التي قتلت (من بين آخرين) ثلاثة من مارشالات الاتحاد السوفييتي الخمسة. وافق الضباط العسكريون بصورة سلبية على عمليات الإعدام. في موزمبيق، قرر الحزب الحاكم إنهاء حرب أهلية بتوقيع اتفاق سلام عام 1992، طلب من الجيش تفكيك نفسه ودمج الأعداء السابقين في صفوفه. على الرغم من مثل هذا الهجوم المباشر على المصالح الأساسية للجيش، سرعان ما وافقت قيادة الجيش.
ما الذي يفسّر هذا التغير؟ تركز أحدث المقاربات للتدخل العسكري في السياسة على استراتيجيات القيادة التي تهدف إلى جعل النظام “مقاومًا للانقلاب”[1]. وفقًا لهذا المنظور، يمكن لأي دكتاتور لديه استراتيجيات صحيحة كبح جماح الجيش. ويمكن للقادة منع الانقلابات عن طريق تعديل الأوامر، أو تقاسم السلطة مع الجيش، أو توزيع الغنائم على الضباط، أو إنشاء منظمات جديدة لموازنة الجيش ومحاربة محاولات الانقلاب (التوازن المضاد)[2].
ومع ذلك، تفشل مثل هذه المقاربات في تفسير سبب عدم تنفيذ الطغاة جميعهم ببساطة هذه الاستراتيجيات المثبتة. بمرور الوقت، يجب أن يُجبر أي فشل في السيطرة على الجيش القادة على تكييف المجموعة نفسها من التكتيكات الفاعلة وتعديلها. لكن الحياة ليست بهذه البساطة: يمكن للجيوش توقع مثل هذه المحاولات ومقاومتها لإخضاعها. قد تؤدي خطط إنشاء قوة مسلحة متنافسة، على سبيل المثال، إلى انقلاب وقائي. عادة ما تكون محاولة “منع الانقلاب” مع وجود جيش ذي سيادة/ متفوق سياسيًا غير مجدية. يبدو أن القادة المستبدين في مثل هذه البلدان يعانون تحديات عسكرية، بغض النظر عما يفعلونه.
يمكن تفسير التغير في سيطرة الجيش في ظل الاستبداد، من خلال الأصول العسكرية. إذا كان الجيش مورثًا (موروثًا) أو ظهر بعيدًا من النظام الحالي، فستكون هناك هوية عسكرية مميزة ومجموعة من المؤسسات التي تمكن الجيش من مقاومة النفوذ الخارجي، وإقامة سيادة سياسية دائمة. إذا حاول المستبد تركيع الجيش، فسيكون ردّه المحتمل هو الانقلاب. على النقيض من ذلك، إذا كان الجيش “جيشًا حزبيًا” أسسه ونظمه النظام، فمن المحتمل أن يكون تابعًا للنظام. غالبًا ما يفتقر الجيش إلى الاستقلالية لتحدي المستبد المدني، حتى عندما تتعرض مصالحه الأساسية للتهديد.
جذور التفوق/ التعالي العسكري
كثيرًا ما انبثقت الجيوش الأبرز من الجيوش الاستعمارية التي لم تتغير جذريًا بعد الاستقلال. في الواقع، الجيوش الاستبدادية الحديثة معظمها موروثات استعمارية. في الحالة النموذجية، يرث استبداد ما بعد الاستعمار هياكل الدولة الاستعمارية السليمة إلى حد كبير، التي تشمل الجيش وأجهزة الأمن الداخلي. على سبيل المثال، باكستان التي شُكلت في وقت قصير من الهند البريطانية عام 1947، كان لديها عدد قليل من المؤسسات المدنية المرتبطة بدولة حديثة ذات سيادة، ولكنها منحت الوحدات ذات الأغلبية المسلمة من الجيش الهندي الذي دربته بريطانيا وقادته. مثل كثير من جيوش ما بعد الاستعمار، كان للجيش الباكستاني الجديد بالفعل هياكل مؤسسية مستقلة (كان الجيش أقدم من الحكومة التي خدمها اسميًا). أعطى هذا الجنود الاستعداد والقدرة على مقاومة محاولات القيادات الاستبدادية لكبح جماحهم. غالبًا ما دُرِّب الضباط في مثل هذه الجيوش في أكاديميات عسكرية غير مرتبطة بالحكم الاستبدادي في السلطة، وينتمون إلى شبكات ثقة قوية تخفف من أخطار التخطيط للانقلابات أو قطع جهد منع الانقلاب.
كانت الجيوش الموروثة، بوسائلها ودوافعها لمقاومة سيطرة أنظمة ما بعد الاستعمار، عرضة للانقلاب بشدة. رأى (70) في المئة من مستعمرات فرنسا الأفريقية السابقة أن الجيش أطاح حكومة ما بعد الاستقلال، وعانى عدد آخر من مطالبات وثيقة. خلال عام (1966-1967) وحده، تعرضت ثلاث مستعمرات بريطانية سابقة في غرب أفريقيا -غانا ونيجيريا وسيراليون- للانقلابات والانقلابات المضادة.
عرف القادة السياسيون في حقبة الاستقلال أن “جيوشهم” تتمتع بسلطة سياسية مستقلة كبيرة. ومع ذلك، فشل الجهد المبذول للحد من استقلال الجيش عمومًا. وكثيرًا ما واجهت محاولات استمالة المشتبه بهم بعدم الولاء أو طردهم أو اختراق الجيش بأتباع النظام مقاومة شديدة. أثبت هذه الجيوش المورثة صعوبة استثنائية في السيطرة على أنظمة ما بعد الاستعمار، وكثيرًا ما أطاحت قادتها السياسيين.
في مصر، على سبيل المثال، أُسس الجيش تحت الاحتلال البريطاني، بعيدًا عن سيطرة الفاعلين السياسيين الرئيسين في البلاد، النظام الملكي والأحزاب السياسية الجماهيرية. عندما تولى البريطانيون زمام الأمور في عام 1882، حلوا جيش النظام الملكي، وأعادوا هيكلة قوات القتال المصرية بعمق[3]. خلال النصف الأول من القرن العشرين، أحكم البريطانيون قبضتهم على شؤون مصر العسكرية وسياستها الخارجية. أنهى البريطانيون حمايتهم عام 1922 تحت الضغط القومي، لكنهم احتفظوا بالسلطة على الدفاع والسياسة الخارجية. لم يستطع أي من الفاعلين السياسيين الرئيسين (النظام الملكي، حزب الوفد، الإخوان المسلمين) السيطرة على الجيش. بحلول الوقت الذي واجه فيه الجيش المصري اختبار الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948، كان قد طور هوية مستقلة وروحًا جماعية esprit de corps.
عندما حصلت مصر على السيادة الكاملة في الخمسينيات من القرن العشرين، لم يكن جيشها “يخضع تمامًا للسلطة المدنية” [4]. شكلت هذه الاستقلالية عقبة رئيسة أمام الجهد الرامي إلى التدجين السياسي للثكنات. بعد استيلاء حركة الضباط الأحرار على السلطة من النظام الملكي عام 1952، عيّن الرائد جمال عبد الناصر عبد الحكيم عامر، زميله وصديقه المقرب في الحركة، رئيسًا للأركان العامة للجيش، ثم (في الوقت نفسه) وزيرًا للدفاع. وقد خيب عامر آمال عبد الناصر، إذ بنى قاعدة سلطة مستقلة وأنشأ شبكات الرعاية الخاصة به، منتزعًا في هذه العملية “درجة من السلطة تعادل سلطة الرئيس نفسه”. وبحلول أوائل الستينيات من القرن العشرين، كان عبد الناصر يتساءل: “هل هناك دولتان في مصر: الجيش والدولة؟”[5].
كان الأداء الكارثي للجيش المصري خلال حرب الأيام الستة مع إسرائيل، في حزيران/ يونيو 1967، سببًا في إضعاف الجنرالات، أدى إلى سقوط عامر. ومع ذلك، احتفظ الجيش بسلطة مؤسسية قوية. ظلَّ أنور السادات (من حركة الضباط الأحرار)، الذي انتقل من منصب نائب الرئيس إلى الرئيس بعد وفاة عبد الناصر بنوبة قلبية عام 1970- يعتمد كليًا على دعم الجيش لتحقيق سياساته الأكثر طموحًا وإثارة للجدل، من ضمن ذلك السلام مع إسرائيل وتحرير (لبرلة) الاقتصاد. اشترى السادات موافقة الجيش على معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979، من خلال منح الضباط فرص عمل مربحة (بزنس)، من خلال إنشاء مؤسسة مشروعات الخدمة الوطنية. وبعد اغتيال السادات عام 1981، أصبح حسني مبارك، نائبه المعين (ضابط كبير في القوات الجوية)، رئيسًا، وتوسّعت إمبراطورية الأعمال العسكرية لتشمل الصناعات الرئيسة. اليوم، يحتفظ الجيش بنفوذ كبير. فقد قاد (الجيش) التحول الديمقراطي الفاشل في مصر من عام 2011 إلى عام 2013، وهو شريك رئيس للرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع السابق ومارشال الجيش الميداني.
نجد نمطًا مشابهًا في بورما. أُسس جيش البلاد، المعروف باسم تاتماداو Tatmadaw، عام 1940 على يد قادة إمبراطوريين يابانيين لمساعدتهم في انتزاع بورما من الإمبراطورية البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية. لقد قضت هزيمة اليابان على سادة الجيش الأصليين، ولكن ليس على الجيش. وعندما تحقق الاستقلال عام 1948، واجه رئيس الوزراء، يو نو، جيشًا لم ينشئه ولم يتمكن من السيطرة عليه. وكان جنرالات الجيش يعتقدون أنه لا يمكن الوثوق في السياسيين للمحافظة على تماسك البلاد. وقد فشل جهد منع الانقلابات في الخمسينيات من القرن العشرين، وفشل الجهد المبذول لاستمالة القائد الأعلى للجيش، ني وين. كانت محاولات التأثير في الترقيات سببًا في استعداء الجيش الذي نفذ انقلابًا في 1958 وآخر في 1962. وفي ذلك العام، أرغم ني وين، القائد الأعلى للجيش، رئيس الوزراء، يو نو على التخلي عن السلطة تمامًا، وبدأ ما تبين أنه نصف قرن من الحكم العسكري المباشر. عام 2011، وافق الجيش على بدء “التعايش” في السلطة مع المدنيين المنتخبين، لكن انقلاب عام 2021 أنهى هذا الترتيب[6]. الآن، يتولى الجيش المسؤولية بالكامل مرة أخرى، والرئيس ورئيس الوزراء كلاهما جنرال.
إندونيسيا بلد آخر تساعد فيه أصول الجيش في تفسير قوته عميقة الجذور. غزت إمبراطورية اليابان ما كان يعرف آنذاك بجزر الهند الشرقية الهولندية، خلال الحرب العالمية الثانية، وجنّدت مساعدين محليين للمساعدة في محاربة أي محاولة للحلفاء لاستعادة الجزر. عندما أعلن سوكارنو، الزعيم القومي، الاستقلال في عقب هزيمة اليابان عام 1945، شكلّت هذه التشكيلات اليابانية بالفعل نواة الجيش الإندونيسي الجديد. لم يكن هذا الجيش تحت سيطرة سوكارنو الوثيقة خلال الحرب 1945-1949 ضدّ الهولنديين، وبقي بعيدًا عن النخبة المدنية بعد تأمين الاستقلال. خوفًا من حدوث انقلاب، بدأ سوكارنو في أوائل الستينيات في حشد الحزب الشيوعي الإندونيسي لموازنة الجيش. في أيلول/ سبتمبر 1965، حاول الحزب الشيوعي الإندونيسي، معتقدًا أنه كان يتجه نحو انقلاب للجيش، القيام بانقلاب خاص به. أثار هذا بالضبط الاستيلاء العسكري اليميني الذي كان يأمل الحزب الشيوعي في منعه. حكم نظام الجنرال سوهارتو بقيادة الجيش من عام 1966 إلى عام 1998، وما يزال الجيش، وفيه شخصيات بارزة من عهد سوهارتو، يؤدي دورًا بارزًا في النظام الديمقراطي الحالي في إندونيسيا.
كان طريق الجزائر إلى الهيمنة والسيادة العسكرية أكثر خصوصية وغرابة، لكن الأصول العسكرية لعبت مرة أخرى دورًا في دعم “القوة السياسية للقوات المسلحة”. هنا، تخلّص الجيش من سيطرة الحزب الجماهيري خلال حرب التحرير الوطنية 1954-1962 مع فرنسا. أدت الضغوط الفرنسية لمكافحة التمرد إلى تجزئة جيش التحرير الوطني الذي قاتل داخل الجزائر، بينما بنَت فروع جيش التحرير الوطني القريبة في تونس والمغرب قدراتها تحت حماية تلك الدول المستقلة حديثًا. مع تحديث الجيش لنفسه، تحت قيادة العقيد هواري بوميدين، لم يشارك “جيش الحدود” هذا في معظم القتال، ثم تدخل بوصفه أقوى فاعل سياسي في الجزائر بعد الاستقلال. وجدت القوات التي بقيت داخل الحدود الجزائرية وتحملت وطأة القتال نفسها مهمشة.
عندما عاد القادة المنفيّون لجبهة التحرير الوطني، المنظمة الأم لجيش التحرير الوطني، إلى الجزائر عام 1962، واجهوا قوة عسكرية أمضت الحرب بأكملها بعيدًا عن سيطرتهم الفعلية. هيمنة بومدين على الجناح الأكثر تماسكًا وقوة في هذه القوة العسكرية جعلت منه صانع الملوك بعد الاستقلال. نجح أحمد بن بلة -الزعيم الوطني الذي ظهر بعد صراعات قصيرة على السلطة، الزعيم السياسي لجبهة التحرير الوطني- بفضل الدعم العسكري.
تبين أن ترويض الجيش أمرٌ مستحيل. عندما أنشأ بن بلّة ميليشيا لموازنة الجيش النظامي، وبدأ في طرد الضباط الموالين لبومدين من الجيش، أطاح انقلاب 1965 غير الدموي الرئيسَ، ونصّب بومدين في مكانه[7]. ولكون الجيش مسؤولًا عن جهاز الاستخبارات الوطني وأجهزة الأمن الداخلي، ما زال يحتفظ بالسيادة السياسية إلى اليوم. عندما دعت حركة احتجاجية كبيرة إلى إطاحة عبد العزيز بوتفليقة، الدكتاتور الثمانيني، عام 2019، أظهر الجيش أن الكلمة الأخيرة ما تزال له: أجبر رئيس أركان الجيش بوتفليقة المريض على الاستقالة من الرئاسة في نيسان/ أبريل، ثم أصبح حاكمًا وطنيًا فعليًا إلى أن تمكن من إجراء انتخابات في كانون الأول/ ديسمبر.
في هذه الحالات كلها، انحرفت أفضل الخطط الموضوعة لكبح الجيش، وأسقطت القائد الذي وضعها. لا تخضع الجيوش التي تنشأ خارج سيطرة الحزب الحاكم بسهولة للسلطة السياسية للمدنيين. مصادر الاستقلالية العسكرية أقوى من أن تسمح بنجاح استراتيجيات تطهير أو موازنة الجيش.
تشكّل غانا مثالًا آخر على ذلك. مثل كثير من زعماء ما بعد الاستعمار، لم يُعر كوامي نكروما، رئيس غانا، في البداية، اهتمامًا كبيرًا للشؤون العسكرية، ثم بدأ يوليها كثيرًا من الاهتمام، وأصبحت سببًا في سقوطه. مع أقل من سبعة ملايين شخص، عندما حصلت على استقلالها عن بريطانيا في عام 1957، كانت غانا دولة صغيرة ذات جيش صغير. كان الجيش يعدّ مهنة منخفضة القيمة/ الهيبة. حتى عام 1961، كان يقودها ضباط بريطانيون بيض بأغلبية ساحقة. كان هذا مناسبًا لنكروما، لأنه سمح له بالتركيز على التنمية الاقتصادية ونظام الحزب الواحد، وترك الجيشَ لقادة لا يمكنهم أن يشكلوا تهديدًا سياسيًا.
ومع ذلك، بصفته زعيمًا طموحًا لأفريقيا المستقلة، وجد نكروما أنه من المحرج أن يقود الضباط البيض قوات بلاده. في 21 أيلول/ سبتمبر 1961، طرد البريطانيين بإجراءات موجزة، واستبدل بهم غانيين خدموا في القوات البريطانية. شكّل هؤلاء القادة العسكريون الأصليون تهديدًا مباشرًا لسلطة نكروما؛ حيث لم يكن لديهم سوى قلة من الروابط مع شبكة نكروما، وكانوا ينتمون إلى جيش كان موجودًا من قبل صعوده. تعلّم الضباط الرئيسون في الأكاديميات العسكرية البريطانية، مثل ساندهيرست Sandhurst، وخدموا في فوج (غولد كوست Gold Coast) التابع للقوات الملكية البريطانية لغرب أفريقيا[8]. مهما كانت الرفاقية الحميمة التي تشاركوها، فلا علاقة لها بنكروما الذي واجه محاولات اغتيال وانقلاب عدة، في أوائل الستينيات ومنتصفها.
مدركًا للخطر، فعل نكروما كل ما في وسعه لممارسة السيطرة. حثه المستشارون السوفييت على إدخال المفوضين السياسيين في صفوف الجيش، ودُعي الضباط إلى الانضمام إلى الحزب الحاكم، وخطط لمزيد من التدريب الأيديولوجي. أعاقت المعارضة العسكرية هذا الجهد كله، ولكن ليس قبل أن تثير الاستياء بين الضباط. لم تسفر محاولات نكروما للتجسس على الجيش عن أي شيء؛ حيث لم يكن لحزبه سوى قلة من العلاقات مع الثكنات، ولا مدخل له في دوائر الجيش.
حقق نكروما نجاحًا أكبر قليلًا في التوازن المضاد/ القوة المقابلة، حيث أنشأ حرسًا رئاسيًا كبيرًا تحت سيطرته المباشرة، وزوده بمستشارين سوفييت، إضافة إلى معدات ولباس موحد ورواتب أفضل من الجيش النظامي، وطرد الضباط الذين اشتبه في عدم ولائهم. أثار مثل هذا الجهد الاستياء. في شباط/ فبراير 1966، بينما كان نكروما في شمال فيتنام، استولت مجموعة من الضباط -تعرف كثير منهم إلى بعضهم طلابًا في الأكاديميات العسكرية البريطانية- على السلطة. لم يعد نكروما بعدها إلى غانا، وتوفي في المنفى عام 1972. لقد حاول جاهدًا تكرار سيطرة الحزب على النمط السوفييتي، لكنه لم يستطع إخضاع جيش ورثه ولم يُؤسّسه. مع اندلاع الانقلابات في 1972 و1979 و1981، لعب الجيش دورًا كبيرًا في السياسة الغانية حتى نهاية الحرب الباردة.
جذور التبعية العسكرية الاستبدادية
أكثر الطرق كفاءة لتبعيّة الجيوش السياسية للأنظمة الاستبدادية هو تأسيسها من الصفر. إن تأسيس جيش جديد يخفف من مهمة فرض السيطرة الاستبدادية. توفر مرحلة التأسيس فرصًا فريدة للحكومة لاختراق المؤسسات العسكرية، وتشجيع الجيش على التماهي مع النظام، وتوليد علاقات غير رسمية بين القادة العسكريين والسياسيين. تفتقر الجيوش الجديدة إلى الهويات المؤسسية الراسخة وطرائق أداء المهمات. إنهم مهيّؤُون للاختراق السياسي والتلقين العقائدي[9]. عندما كان الحكام السوفييت يشكلون الجيش الأحمر في عامي 1918-1919، حرصوا على تعيين مفوضين سياسيين وضباط شرطة سرية في وحداته جميعها. أصبح المفوض السياسي عنصرًا أساسيًا في جيش كل نظام شيوعي، حيث ضايق القوات بخط الحزب، وراقب الضباط من حيث الولاء الأيديولوجي. كان إنشاء مؤسسات السيطرة المدنية الاستبدادية هذه مكافئًا لإدخال عوارض فولاذية في الخرسانة: مهمة بسيطة في البداية، عندما تكون الخرسانة رطبة ومرنة، ولكنها تصبح صعبة وشاقة للغاية لاحقًا (كما اكتشف نكروما).
كما كان الحال مع الجيش الأحمر، غالبًا ما يحدث تأسيس الجيش خلال الصراعات العنيفة على السلطة (التمردات المسلحة أو الحروب الأهلية) التي تتطلب “مشروعات مشتركة” عسكرية مدنية للفوز[10]. وفي ألبانيا، والصين الماوية، وموزمبيق، كان الجيش منذ البداية مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالنظام. يعزز التماهي العسكري مع النظام، من خلال تداخل قيادات الحزب والجيش. على سبيل المثال، شارك الجيل الأول من قادة الحزب الشيوعي الصيني كثيرًا في توجيه العمليات العسكرية. اليوم، يتمتع الحزب الشيوعي الصيني وجيش التحرير الشعبي بقيادات متداخلة، إذ ينتمي كبار الجنرالات والأدميرالات إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني المكونة من (205) أعضاء، في حين إن شي جين بينغ هو رئيس اللجنة العسكرية المركزية.
أخيرًا، يمكن للسياسيين الاستبداديين (مثل السياسيين كلهم) اكتساب المنزلة العسكرية والثقة الشخصية مع الجيش، من خلال حملتهم ونجاحاتهم في ساحة المعركة واستعدادهم لتقاسم أخطار ساحة المعركة مع قواتهم[11]. لم يكن ماو تسي تونغ وحده، بل كان أنور خوجا في ألبانيا، وسامورا ميتشيل في موزمبيق، والمارشال تيتو في يوغوسلافيا، جميعهم يتمتعون بسلطة غير رسمية، بسبب قيادتهم للصراعات المسلحة. مع تغلغل الشخصيات الحزبية والسياسية في هياكل قيادته، قد يواجه الجيش صعوبة في التمييز بين مصالحه ومصالح النظام.
إن الاختراق المؤسسي، والتماهي مع النظام، والسلطة غير الرسمية، تعزز السيطرة المدنية من خلال تقليل إرادة الجيش وقدرته على التدخل. في كثير من حالات تشكيل الجيوش، وإن مصطلح “العلاقات المدنية العسكرية” هو مصطلح مضلل. جادل ويليام أودوم بأن الجيش السوفييتي كان “ذراعًا إداريًا للحزب، وليس شيئًا منفصلًا عنه ويتنافس معه”[12]. في حين تعمل الجيوش التي تؤسسها الأحزاب غالبًا على تنمية شعور قوي بالقدر الكافي تجاه نفسها، لحراسة الموارد بغيرة، فإنها عادة ما تفتقر إلى الاستقلالية اللازمة للتدخل في السياسة بمفردها، حتى عندما تكون مصالحها على المحك. وهكذا لم يفعل الضباط السوفييت في الثلاثينيات شيئًا لمقاومة تطهير ستالين الدموي من صفوفهم.
تختلف آليات السيطرة المدنية في هذه الحالات اختلافًا كبيرًا عن الآليات الموصوفة في الأدبيات المانعة للانقلاب. على سبيل المثال، تهدف الموازنة إلى تعزيز السيطرة المدنية من خلال إنشاء حلفاء للنظام المسلح لإخماد محاولات الانقلاب. في الواقع، كما توضح إيريكا دو بروين، فإن الموازنة تزيد في الواقع من تواتر مثل هذه المشاغبات[13]. على النقيض من ذلك، في الحالات التي نصِفها، تمارس الحكومة سيطرة مركزية مباشرة على الجيش الوطني الأساسي، في الغالب تثني الجيش عن السعي للحصول على سلطة أكبر في المقام الأول، أو سحق المؤامرات قبل أن تصبح محاولات انقلاب جادة.
أكثر الطرق شيوعًا إلى نمط السيادة الاستبدادية المدنية الموصوفة هنا هي الثورة[14]. يسعى المستبدون الثوريون إلى السلطة، وإلى تحولات أساسية أيضًا، مثل القضاء على الملكية الخاصة أو فرض القانون الشرعي shari’a. يعقب ذلك صراعٌ دائمًا تقريبًا. قد تكون هناك حرب أهلية مثل الصين التي مرت بها بين القوميين وشيوعي ماو، في عشرينيات القرن العشرين حتى الأربعينيات، أو كما عانت موزمبيق من 1977 إلى 1992. بعد فترة وجيزة من ثورتها الإسلامية، شنت إيران حربًا 1980-1988 دموية مع العراق. كانت روسيا بعد الحرب العالمية الأولى وثورة تشرين الأول/ أكتوبر 1917 موقعًا لصراع معقّد شاركت فيه كثير من القوى المحلية، إضافة إلى القوى الأجنبية المتدخلة. شهدت فيتنام في القرن العشرين عقودًا من الصراع الداخلي الذي تضمن أيضًا تدخلات مسلحة ثقيلة من قبل فرنسا أولًا، ثم الولايات المتحدة. في مثل هذه الحالات، سمح الجمع بين النظام القديم المنهار والمقتضيات الوحشية للصراع (أو تطلب) للحكومات الثورية ببناء جيوش جديدة من الصفر.
أجبرت الحرب الأهلية (1917-1923) التي أشعلتها الثورة الروسية البلاشفةَ على تأسيس جيش أحمر جديد. بعكس الجيوش الموروثة الموصوفة أعلاه، التحم الجيش الأحمر بشدة مع الحزب الذي أنشأه. بينما اضطر تروتسكي إلى جلب أعداد كبيرة من الضباط ذوي الخبرة العسكرية التي اكتسبوها أيام القيصرية، من أجل إنشاء جيش محترف بسرعة، فقد خضعوا للمراقبة والسيطرة الصارمة من المفوضين البلشفيين وعملاء الشرطة السرية (تشيكا) والمخبرين الذين اخترقوا القوة[15]. ونادرًا ما تخضع الجيوش الموروثة لمثل هذا الاختراق العميق من النظام.
عندما انهار الاتحاد السوفييتي عام 1991، اختفى وجود الحزب الشيوعي في القوات المسلحة. ومع ذلك، ظلت إدارة مكافحة التجسس العسكرية التابعة لجهاز أمن الدولة الروسي (FSB، وهي من سلالة الشرطة السرية السوفييتية وإدارة أمن الدولة KGB) في مكانها. إن الاختراق الذي قامت به قوات الأمن الفدرالية يُبقي القوات المسلحة للاتحاد الروسي تابعةً للنظام[16].
لقد ثبت أن قرار الرئيس فلاديمير بوتين غزو أوكرانيا هو قرار كارثي، لكن الجيش لم يتحدّ ذلك القرار. تظهر الأبحاث أن الفشل في الحرب يجعل الانقلاب على الحكومة الخاسرة أكثر احتمالًا[17]. تساءل المراقبون هل سينقلب الجيش الروسي على بوتين بعد الإذلال عام 2022 في أوكرانيا أم لا؟ لكن اختراق جهاز الأمن للكادر يجعل تحدّي الرئيس -وهو رجل المخابرات السوفياتية KGB السابق- أمرًا صعبًا.
في الصين، أنشأ الحزب الشيوعي الصيني جيش التحرير الشعبي، بعد طرد القوميين له من شنغهاي عام 1927. في البداية، قسمت القوات إلى أقسام مستقلة -قاد ماو أحد الأقسام في مقاطعة جيانغ شي جنوب شرق الصين- مع سيطرة مركزية ضئيلة. في 1931، أقام الحزب الشيوعي الصيني عملياته في جيانغ شي، ثم تعرض بعد ثلاث سنوات لهجوم قومي شديد هناك. قاد ماو بعد ذلك وحداته في تراجع طويل دائري بعيدًا إلى الغرب والشمال، استمر حتى عام 1935، واشتهر باسم الزحف الطويل Long March. كان هذا الانسحاب مكلفًا، مع وقوع خسائر فادحة وسط تضاريس قاسية، لكنه جعل ماو الشخصية الرائدة في الحزب الشيوعي الصيني، وأقام روابط وثيقة بين الحزب والقيادات العسكرية. أخذ مسؤولو الحزب، مثل دينغ سياو بينغ وآخرين، أدوارًا نشطة في الحرب الأهلية حتى انسحاب القوميين الأخير إلى تايوان، في أواخر عام 1949. بحلول ذلك الوقت، كان الحزب الشيوعي الصيني قد طوّر نظامًا متطورًا لإبقاء جيش التحرير الشعبي تحت السيطرة السياسية.
لعب جيش التحرير الشعبي دورًا رئيسًا في السياسة، حيث دعم صعود ماو في الثلاثينيات، وساعد في إطاحة “عصابة الأربعة” بعد وفاته عام 1976، ودعم وصول دينغ إلى السلطة عام 1979. ومع ذلك، لم يتصرف جيش التحرير الشعبي بمفرده. مثل الجيش السوفييتي، ظلت القوات المسلحة الصينية دائمًا تابعة للحزب الشيوعي واتبعت قيادته. وهكذا كان هوا جوفينغ، رئيس الحزب الشيوعي الصيني في ذلك الوقت، المحرك الرئيس للتخلص من عصابة الأربعة. كان جلوسه على قمة الحزب ضعيفًا وقصيرًا، لكن جيش التحرير الشعبي ذهب بمبادرته.
خلال الثورة الثقافية (1966-1976)، بدا أن ماو فعل كل ما في وسعه لإثارة انقلاب، لكن جيش التحرير الشعبي لم يتحرك ضده. يُعتقد أن الانقلابات العسكرية تزداد احتمالية عندما تكون السلطات المدنية ضعيفة ومنقسمة، وعندما يتورط الجيش في الأمن الداخلي، وعندما يكون موقف الجيش تحت التهديد، وذلك كله حدث في الصين في أواخر الستينيات[18]. فكك ماو قيادة الحزب الشيوعي الصيني وشجع علانية الصراع الداخلي المسلح في 1967، وأدخل البلاد في حالة من الفوضى قبل استخدام الجيش لاستعادة النظام. باستثناء تمرد صغير قُمع بسرعة في منتصف عام 1967 في ووهان، ومع ذلك، لم يتحدَ الجيش والحكومة أبدًا[19]. لم يخفف الحزب الشيوعي الصيني قبضته على جيش التحرير الشعبي منذ ذلك الحين، ونجح في استخدام الدبابات والقوات النظامية لقمع احتجاجات ميدان تيانانمين عام 1989.
تقدّم تنزانيا، بقيادة يوليوس نيريري والحزب الحاكم الذي أسسه، مثالًا -وإن كان أضعف- على كيفية تعزيز التشكيل العسكري للسيطرة المدنية. حصلت البلاد على الاستقلال عن بريطانيا في عام 1961، وورثت جيشها كفوج ملكي للبنادق الأفريقية في الحقبة الاستعمارية. تجاهل الحزب الحاكم البنادق وضباطهم البريطانيين في الأغلب حتى أدى انخفاض الأجور وبطء وتيرة التحول الأفريقي في فيلق الضباط إلى تمرد في كانون الثاني/ يناير 1964. أُجبر نيريري على الفرار من عاصمته، وكان عليه أن يطلب من الحكومة البريطانية المساعدة العسكرية لإنقاذ نظامه.
بعد هذا الإبعاد، استفاد نيريري من الوجود العسكري البريطاني، إضافة إلى قوة عمل نيجيرية، لحل الجيش وبناء جيش جديد من الصفر. في أيلول/ سبتمبر، ولدت قوة الدفاع الشعبي التنزانية، وكانت كيانًا حزبيًا تمامًا، حيث دُمج المفوضون في الرتب، وحثوا القوات على الانضمام إلى الحزب الحاكم. وأشار نيريري إلى أن مؤسسات الدولة الأخرى “مورثة، لكن الجيش شيء بنيناه بأنفسنا”[20].
لمزيدٍ من الأمن، قام جهاز استخبارات جديد، مع ميليشيا شعبية تحت السيطرة المباشرة للحزب الحاكم، بمراقبة وموازنة قوات الدفاع الشعبي التنزانية. على الرغم من عمليات الإصلاح الزراعي العنيفة والأزمة الاقتصادية الرهيبة في الثمانينيات، لم يتردد الجيش في ولائه للنظام. كان الاستثناء الوحيد هو محاولة انقلاب صغار الضباط، في كانون الثاني/ يناير 1983، التي أخمِدت بسرعة بحيث لم يخل بالسلام في العاصمة.
أهمية الأحزاب الجماهيرية
في كل حالة من هذه الحالات، لم يكن من المهم فقط أن يكون للجيوش سادة مدنيون، بل كان من المهم أيضًا أن يكون لهؤلاء السادة المدنيين أحزاب جماهيرية. في حين إن السيطرة المدنية الاستبدادية تحدث من دون أحزاب، فإن الأحزاب الجماهيرية لديها وقت أكثر راحة في إبقاء الجيش تحت السيطرة من الأنظمة الشخصية أو الأنظمة الملكية المطلقة. يمكن للضباط العسكريين الانضمام والارتقاء في صفوف الحزب، لكن لا يمكنهم الانضمام إلى عائلة حاكمة جماعيًا. يقود الجيوش التي يبنيها الحزب كوادر لها علاقات حزبية وثيقة، وغالبًا ما تكون عضوية الحزب مطلبًا فعليًا للوصول إلى رتبة عالية. إن سيطرة الحزب على الترقيات هي عقبة أخرى أمام صعود فئة ضباط مستقلة. إن اختراق الحزب للجيش يجعل من الصعب على الضباط التحرك ضد النظام، في حين إن الاندماج بين الحزب والجيش يجعل القول بأن الضباط يرغبون في القيام بذلك غير مرجّح البتة. يمكن للأحزاب التي تُؤسس جيوشها أن تضعها تحت مراقبة علنية وسرية تجعل الانقلابات العسكرية شبه مستحيلة، من حيث التخطيط والتنفيذ. تحت مثل هذه العيون الساهرة، لن يجد الضباط في الجيوش الحزبية أي مجال، ولو كان ضئيلًا، لتحدي رغبات الحزب.
يمكن رؤية المشكلات التي تواجهها الأنظمة الاستبدادية التي لا تمتلك أحزابًا جماهيرية في ممارسة السيطرة المدنية في حالة تايلاند. أنشأ النظام الملكي التايلاندي الجيش الملكي التايلاندي الحديث عام 1874. لم تكن البلاد مستعمرة قط، لذلك لم يكن هناك جيش قديم يدعو للقلق. يُبقي التاريخُ المشترك النظامَ الملكيّ والجيشَ قريبَين، ولكونه يفتقر إلى حزب جماهيري أو منظمة سياسية، لم يتمكّن النظام الملكي من اختراق الجيش ومراقبته. ولذلك وجد الملوك التايلانديون أنفسهم في موقف ضعيف، عندما واجهوا تحديات عسكرية، وتايلاند لديها تاريخ طويل وممتلئ بالمعاناة من السيادة العسكرية.
غيّر الجيش النظام الملكي المطلق إلى ملكية دستورية عام 1932، ثم أبعد القصر إلى الهامش لمدة ربع قرن، وكان الجنرالات يحكمون. وعلى الرغم من أن الجيش قد فقد صدقيته، بسبب دعمه لليابان وقوى المحور الأخرى المهزومة، فإنّ الأحزاب السياسية التي ظهرت خلال أعوام الحرب العالمية الثانية لم يكن لديها القدرة على ترويض الجيش. كما هو الحال في بورما المجاورة، لم تستطع الأحزاب المدنية التي حشدت لمحاربة الإمبريالية اليابانية استبدال الجيوش التي أنشئت بشكل منفصل سابقًا، على الرغم من أن هذه الجيوش كان ينبغي أن تكون ضعيفة سياسيًا، نتيجة دعم اليابان.
بعد عام 1957، بدأ الجنرالات في الاعتماد على النظام الملكي من أجل الشرعية والدعم. دفع الفساد العسكري المتفاقم الملك إلى الوقوف إلى جانب المتظاهرين الديمقراطيين عام 1973، لكن المخاوف من الشيوعية في عقب حرب فيتنام أعادت الجيش والنظام الملكي إلى تحالف استبدادي محكم بحلول عام 1976.
لم يتمكن السياسيون المنتخبون أبدًا من إبقاء الجيش التايلاندي “محصورًا في الثكنات”، من الناحية السياسية. السياسي الوحيد الذي اقترب من تشكيل حزب جماهيري هائل هو رئيس الوزراء تاكسين شيناواترا (2001-2006)، ذو الميول غير الليبرالية الخاصة به، وفي أي حال، عانى سلسلة من الانقلابات العسكرية ضد حركته على وجه التحديد، لأن الجنرالات كانوا يخشون شعبيته ويخشون أن يدفعهم حزبه التايلاندي راك تاي Rak Thai بعيدًا عن قمة السياسة التايلاندية.
باختصار: من الأفضل تفسير السيادة العسكرية الدائمة لتايلاند في ظل الحكم الاستبدادي من خلال أصول الجيش. لم ينشئ أي حزب سياسي جماهيري الجيشَ التايلاندي، ولطالما وجدت الملكية والأحزاب صعوبة في السيطرة عليه.
ماذا يعني ذلك كله بالنسبة إلى الاستبداد والديمقراطية
إذا كان من الممكن أن تختلف الأنظمة الاستبدادية، من حيث هيمنتها على الأنظمة أو تبعيتها لها، فما هي الآثار المترتبة على التحول الديمقراطي؟ في كلا السيناريوهين، تنشأ عقبات واضحة أمام التحول الديمقراطي. فمن ناحية، يمكن أن تشكل عملية التحول الديمقراطي تحديًا خاصًا في الحالات التي يُبقي فيها حزب جماهيري ثوري الجيش تحت السيطرة، وذلك لأن السيطرة المدنية الاستبدادية ليست على الإطلاق مثل السيطرة المدنية الديمقراطية. في الديمقراطية الدستورية، يعزَل الجيش عزلًا ممنهجًا عن السياسات الحزبية، فالقوات المسلحة محايدة، وولاؤها للدستور وليس لأي حزب. في الأنظمة الاستبدادية التي تسيطر مدنيًا على الجيش، القوات المسلحة ليست محايدة سياسيًا، بل هي موالية للحزب الذي أنشأها وتمارس سياساته. وفي بلدانٍ، مثل الصين وموزمبيق وروسيا وفيتنام، يدرك القائمون على السلطة أن قواتهم المسلحة القوية سوف تحميهم من التحديات التي قد تواجه سلطتهم. وفي هذه الحالات، فإن السيطرة المدنية تجعل الأنظمة الاستبدادية أكثر مقاومة للضغوط من أجل التحول إلى الديمقراطية.
في الوقت نفسه، فإن الأنظمة التي تقودها الأحزاب -وبخاصة تلك التي أسست خلال النضال الثوري- هي في المتوسط أكثر استدامة بكثير من الأنظمة العسكرية: منذ عام 1900، دامت الأنظمة الاستبدادية غير العسكرية، في المتوسط، نحو ثلاثة أضعاف عمر الأنظمة العسكرية. عادة ما يكون لدى الجنود خيارات أفضل للابتعاد عن السياسة، مقارنة بالدكتاتوريين الشخصيين أو قادة الأحزاب. كل دولة، سواء كانت استبدادية أم ديمقراطية، تحتاج إلى جيش. تُظهر باربرا جيديس، وجوزيف رايت، وإيريكا فرانتز أن التحولات من الحكم العسكري تكون في كثير من الأحيان طوعية وليست قسرية[21].
ونتيجة لذلك، ينبغي لنا أن نتوقع أن تكون الأنظمة الاستبدادية ذات الهيمنة والسيادة العسكرية أقل استقرارًا من الأنظمة الدكتاتورية ذات السيادة الحزبية. على سبيل المثال، ساهم التفوق العسكري في تفاقم حالة عدم الاستقرار المتكررة في باكستان وتايلاند. ويشهد السودان حاليًا نسخة من عدم الاستقرار لأسباب عسكرية. وفي الوقت نفسه، قد تُقرر الجيوش الدفاع عن المستبدين المدنيين، بدلًا من ممارسة السلطة بشكل مباشر. يمكنهم إما أن يكونوا الدرع الذي يدافع عن الدكتاتورية أو السيف الذي يهددها. يمكن للجيوش العليا من حيث المبدأ أن تنتقل من دور إلى آخر، وتظل متفوقة حتى في أثناء تغيير ولاءاتها السياسية.
وحتى عندما تتخلى الجيوش المهيمنة عن المستبدين، فإن مثل هذه الجيوش ما تزال قادرة على إثبات مقاومة إنشاء سيطرة مدنية وتقليص استقلاليتها. كثيرًا ما تجد الديمقراطيات الجديدة المثقلة بالجيوش المتعالية/ المتفوقة أن السيطرة على القوات المسلحة محدودة، ويجب أن تعيش تحت التهديد الكامن بالانقلاب العسكري.
وعلى هذا النحو، فإن التفوق العسكري يشكل عقبة كبيرة أمام الديمقراطية. ومع ذلك، لا يوجد أي طريق واعد نحو التبعية العسكرية أكثر من التحول إلى الديمقراطية. ومع تأسيسها، تصبح الديمقراطيات أكثر مقاومة للانقلابات من الأنظمة الاستبدادية. ويرجع هذا جزئيًا إلى أن التحول الديمقراطي لا يلغي الجيش بوصفه لاعبًا سياسيًا، بل يقدم للجيش مزيدًا من الاستقلالية المؤسسية والمهنية، في مقابل تبعيته السياسية المتزايدة. وتتمتع الديمقراطيات في كثير من الأحيان بشرعية شعبية واسعة النطاق، تجعل من الصعب على الجيوش التدخل. إن محاولات الانقلاب في الديمقراطيات -مثل تلك التي واجهها شارل ديغول، الرئيس الفرنسي، في نيسان/ أبريل 1961 عندما قام أربع جنرالات بانقلاب في الجزائر العاصمة- غالبًا ما تثير احتجاجات جماهيرية، تتناقض مع مبررات التدخل العسكري على أساس المحافظة على النظام السياسي. ومن ثم فإن تحسن احتمالات تجريد السياسة من السلاح/ العسكرة يشكل واحدة من أعظم فضائل التحول إلى الديمقراطية.
من المؤكد أن التحول الديمقراطي لا يؤدي دائمًا إلى تقليص النفوذ العسكري. على سبيل المثال، أدى الاستقطاب في مصر في أوائل عام 2010 إلى تعزيز الدعم للانقلاب العسكري، ردًا على الانتخابات الديمقراطية التي فاز بها محمد مرسي[22]. لكن حالات التحول الديمقراطي الناجحة معظمها أضعفت قوة الجيش. ففي تشيلي، وإندونيسيا، وكوريا الجنوبية، أدت الديمقراطية إلى إضعاف التفوق العسكري. وتبقى المؤسسة العسكرية لاعبًا سياسيًا ذا ثقل في تلك البلدان كلها، ولكن ليس بطريقة يمكن مقارنتها بما كانت عليه في ظل الحكم الاستبدادي. لقد قطعت الجيوش التشيلية والإندونيسية والكورية الجنوبية شوطًا طويلًا من التفوق إلى التبعية.
يروي التاريخ بداية القصة، لكنه لا يستطيع أن يخبرنا بنهايتها. في ظل أي نظام، سوف تتشكل العلاقات المدنية العسكرية من خلال مجموعة من العوامل البنيوية المتنافسة والأحداث الطارئة، ومن ضمن ذلك القيادة والسلوك العسكري. إن الجغرافيا السياسية تجعل تأثيرها محسوسًا أيضًا. عادة ما يتساءل الضباط الذين يفكرون في التدخل في السياسة، عن ردات الفعل المحتملة في الخارج. ومع نهاية الحرب الباردة، أصبحت الانقلابات أكثر ندرة. كان انهيار الاتحاد السوفييتي وصعود الهيمنة الليبرالية سببًا في إضعاف النفوذ العسكري في تشيلي وغانا وكوريا الجنوبية. وكذلك أدى ترشيح تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي في عام 1999 إلى تثبيط التدخل العسكري، ويَسَّر هذا الأمر الطريقَ إلى السلطة بقيادة رجب طيب أردوغان. والآن، بعد مرور عقود على انتهاء الحرب الباردة، يبدو أن النفوذ المتزايد للصين وروسيا أعطى تيار الانقلابات دفعة تصاعدية. وفي أواخر عام 2021، حذّر أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، من “وباء الانقلابات”[23]. ومن المؤسف أن التعالي العسكري ما يزال يشكّل مصدر قلق بارز، اليوم.
*- الآراء الواردة في الدراسة لا تعبّر بالضرورة عن رأي المركز
| اسم الدراسة الأصلي | The Origins of Military Supremacy in Dictatorships |
| الكاتب | دان سلاتر وآخرون، Dan Slater, Lucan A. Way, Jean Lachapelle, Adam E. Casey |
| مكان النشر وتاريخه | مجلة الديمقراطية، 3 تموز/ يوليو 2023، Journal of Democracy, Volume 34, Number 3, July 2023 |
| الرابط | https://www.journalofdemocracy.org/articles/the-origins-of-military-supremacy-in-dictatorships |
| عدد الكلمات | 6347 |
| ترجمة | وحدة الترجمة/ أحمد عيشة |
[1] – See, for example, James T. Quinlivan, “Coup-Proofing: Its Practice and Consequences in the Middle East,” International Security 24 (Fall 1999): 131–65; Erica De Bruin, “Preventing Coups d’état: How Counterbalancing Works,” Journal of Conflict Resolution 62 (August 2018): 1433–58.
[2] – Erica De Bruin, How to Prevent Coups d’état: Counterbalancing and Regime Survival (Ithaca: Cornell University Press, 2021).
[3] – Ahmed S. Hashim, “The Egyptian Military, Part One: From the Ottomans Through Sadat,” Middle East Policy 18 (Fall 2011): 65.
[4] – Jason Brownlee, Andrew Reynolds, and Tarek E. Masoud, The Arab Spring: Pathways of Repression and Reform (New York: Oxford University Press, 2015), 194.
[5] – Zeinab Abdul-Magd, Militarizing the Nation: The Army, Business, and Revolution in Egypt (New York: Columbia University Press, 2017), 62.
[6] – Dan Slater and Joseph Wong, From Development to Democracy: The Transformations of Modern Asia (Princeton: Princeton University Press, 2022).
[7] – Martin Evans, Algeria: France’s Undeclared War (New York: Oxford University Press, 2012), 340–41.
[8] – Peter Barker, Operation Cold Chop: The Coup That Toppled Nkrumah (Accra: Ghana Publishing Corporation, 1968) , 109, 113. As of 1962, the Ghanaian officer corps reportedly contained 47 Sandhurst graduates. John Kraus, “Ghana Without Nkrumah: The Men in Charge,” Africa Report, April 1966.
[9] – Eric A. Nordlinger, Soldiers in Politics: Military Coups and Governments (Englewood Cliffs, N.J.: Prentice-Hall, 1977), 17.
[10] – Dan Slater, “Violent Origins of Authoritarian Variation: Rebellion Type and Regime Type in Cold War Southeast Asia,” Government and Opposition 55 (January 2020): 21–40.
[11] – Joseph Torigian. Prestige, Manipulation, and Coercion: Elite Power Struggles in the Soviet Union and China After Stalin and Mao (New Haven: Yale University Press, 2022)).
[12] – William E. Odom, “The Party-Military Connection: A Critique,” in Dale R. Herspring and Ivan Volgyes, eds., Civil–Military Relations in Communist Systems (Boulder, Colo.: Westview, 1978), 44.
[13] – De Bruin, “Preventing Coups d’état.”
[14] – Steven Levitsky and Lucan Way, Revolution and Dictatorship: The Violent Origins of Durable Authoritarianism (Princeton: Princeton University Press, 2022); Jean Lachapelle et al., “Social Revolution and Authoritarian Durability,” World Politics 72 (October 2020): 557–600.
[15] – Adam E. Casey, Up in Arms: How Military Aid Stabilizes—and Destabilizes—Foreign Autocrats (New York: Basic Books, forthcoming).
[16] – Adam E. Casey, “Putin Has Coup-Proofed His Regime,” Foreign Policy, 23 March, 2022.
[17] – Bruce Bueno de Mesquita, Randolph M. Siverson, and Gary Woller, “War and the Fate of Regimes: A Comparative Analysis,” American Political Science Review 86 (September 1992): 640.
[18] – See Samuel Finer, The Man on Horseback: The Role of the Military in Politics (London: Pall Mall, 1962), 20–21, 47, 79; Samuel P. Huntington, Political Order in Changing Societies (New Haven: Yale University Press, 1968), 221; Nordlinger Soldiers in Politics.
[19] – توفي المارشال لين بياو، أحد كبار القادة الميدانيين لجيش التحرير الشعبي في الحرب الأهلية، في حادث تحطم طائرة غامض عام 1971 في منغوليا في أثناء محاولته الوصول إلى الاتحاد السوفييتي. ربما كان السبب وراء هربه هو فشل مؤامرة ضد ماو من قبل لين أو ابنه، ولكن مهما حدث، فمن الواضح أنه لم يكن هناك أي مسؤولين عسكريين كبار آخرين يدعمون أي جهد للتخلص من ماو. انظر:
Roderick MacFarquhar and Michael Schoenhals, Mao’s Last Revolution (Cambridge: Harvard University Press, 2006), 333–36, 338.
[20] – Quoted in Zoltan Barany, The Soldier and the Changing State: Building Democratic Armies in Africa, Asia, Europe, and the Americas (Princeton: Princeton University Press, 2012), 238.
[21] – Barbara Geddes, Joseph Wright, and Erica Frantz, “Autocratic Breakdown and Regime Transitions: A New Data Set,” Perspectives on Politics 12 (June 2014): 326.
[22] – Jean Lachapelle, “Repression Reconsidered: Bystander Effects and Legitimation in Authoritarian Regimes,” Comparative Politics 54 (July 2022): 695–716; E.R. Nugent, After Repression: How Polarization Derails Democratic Transition (Princeton: Princeton University Press, 2020).
[23] – Michelle Nichols, “‘An Epidemic’ of Coups, U.N. Chief Laments, Urging Security Council to Act,” Reuters, 26 October 2021, www.reuters.com/world/an-epidemic-coupsun-chief-laments-urging-security-council-act-2021-10-26.

