يعد يوسف سلامة الفيلسوف الفلسطيني السوري من طينة الفلاسفة الذين يعرفون جيدًا طريقهم إلى الخلود. لقد ارتبط اسم هذا المفكر بأشد المفهومات الفلسفية صعوبة وإغراء؛ الروح، الذات، الحرية، العقلانية، السلب، اليوتوبيا. على هذه الذرى الفلسفية الباذخة بنى سلامة رؤيته الفلسفية، وعلى الرغم من انشغاله بكل هذه الأقانيم الأنطولوجية الشائكة والمعقدة، فقد كانت القضية السورية -إلى جانب الفلسطينية- شغله الشاغل، وهمه الأول منذ تأسيس مجلة قلمون التي ستفرد الملف الرئيس من عددها التاسع والعشرين للكتابة في الإرث النظري الخصب والمتشعب للفيلسوف يوسف سلامة، تكريمًا له، واعترافًا بقيمة كل ما أنتجه هذا العقل الفلسفي المتفرد، وأهميته، وراهنيته.
ينتمي يوسف سلامة إلى المفكرين ذوي التجارب الفريدة والاستثنائية التي تمنح أصحابها إهابًا من نوع خاص. جاء إلى رحاب هذا الوجود في عام 1946 في قرية أم الزينات الفلسطينية، وغادرها مهاجرًا إلى دمشق في عام 1948، فكان هذا أول انسلاخ يعيشه الطفل يوسف. أما الانسلاخ الثاني، فحدث عند إصابته بمرض الرمد الطبيعي الذي أفقده بصره فقدًا شبه تام. درس يوسف الشاب في مدارس وجامعات سورية ومصرية حتى حاز درجةَ الدكتوراه في الفلسفة عام 1985 بإشراف المفكر حسن حنفي، ثم عاش انسلاخه الثالث عندما اضطر إلى مغادرة بلده الثاني سورية إلى السويد عام 2013 (لاجئًا) حيث اختار المنفى. عمل سلامة أستاذًا للدراسات العليا في “الأكاديمية العربية” في الدنمارك (2014 – 2017)، وترأس تحرير مجلة “قلمون” الفصلية المحكمة الصادرة عن “مركز حرمون للدراسات المعاصرة” حتى وفاته.
تجتمع في يوسف سلامة شخصية الأستاذ الرصين والفيلسوف المتمرد على حد سواء. تتحول الكتابة في متن هذا الفيلسوف إلى صورة خاصة من صور المقاومة والرفض والتنوير، ويندر أن تجد نصًا ليوسف سلامة لا يدعو إلى الحرية، ولا يرنو إليها، فالحرية -كما فهمها سلامة- شرط الوجود الإنساني، وعليها تترتب كل تعينات وجوده الاجتماعي والسياسي والحضاري، وصورها.
إن الحدس الأكثر أصالة في متن سلامة هو فكرته عن السلب؛ السلب بما هو موقف أنطولوجي يبلغ المنتهى في الأهمية والخطر إزاء وجودنا في العالم. يذهب سلامة بعيدًا في مفهوم السلب، فيحدثنا عن التناقض، وعن سلب السلب بلغة فلسفية نادرة وفريدة. التناقض هو صميم الأشياء ذاتها، والقوة الحية في الوجود. إن التركيب أو سلب السلب يبرهن بوضوح على أن التناقض ليس صفة يوصف بها العقل فحسب، بل هو صفة للواقع ذاته. على شاكلة النومين الكانطي والدازاين الهايدغري، والاختلاف الدولوزي، يضعنا مفهوم السلب عند سلامة وجهًا لوجه أمام واحدة من أصعب مهمات الفكر على الإطلاق؛ الإنتاج والخلق والإبداع، وأخيرًا مقاومة الموت والثبات.
يتوّج الفيلسوف سلامة هذه الشجرة المفاهيمية الخالدة بمفهومه عن اليوتوبيا؛ اليوتوبيا بوصفها اللامكان، أو المكان السعيد الذي يولد من قلب الفجوة التي تفصل بين الذات وموضوعاتها. يخوض سلامة في علاقة جدلية شائكة ومعقدة بين الذات والموضوع، متتبعًا بذلك حركة الفكر التي تراوح بين اليوتوبيا من ناحية، والسلب من ناحية أخرى. يمكن القول: إن سر اليوتوبيا، وسر الوجود برمته، يكمنان في قوة السلب، وحيويته. ينحاز سلامة بكامل إرادته إلى هدير السلب وصخب الصيرورة، ويذهب من دون أي تردد إلى رحاب عالم اليوتوبيا التي يجد فيها الإكسير الأخير لكل تطلع فلسفي على الإطلاق.
ولا يُحصَر الإنجاز الفكري لسلامة في إطار التأمل الفلسفي المحض، فقد جسّد عبر أفكاره ومواقفه السياسية شكلًا جديدًا من التجربة الفلسفة العملية التي تجلّت تجليًا واضحًا في مواقف عدة، ففي دمشق عام 2000 كان سلامة من المنادين بالتغيير، والداعين إلى إطلاق الحريات العامة، وإقامة الدولة الديمقراطية القائمة على تداول السلطة، وقد عمل عبر مقالاته الأخيرة -ولا سيما بعد أن ترأس تحرير مجلة قلمون – على بحث كثير من المشكلات السياسية والاجتماعية من مثل مشكلة التلقي العربي لقيم العلمانية والديمقراطية، وتطوير عدد من المفهومات مثل مفهوم الجامعة السورية.
تحت مظلة هذه الحدوس الفلسفية الخالصة، وفي ضوء هذه المفهومات التنويرية والعملية والتفكيكية، وتكريمًا لواحد من الفلاسفة والأساتذة العرب؛ تدعو مجلة قلمون الباحثات والباحثين إلى المشاركة في ملف العدد التاسع والعشرين بعنوان ((يوسف سلامة فيلسوفًا)) من خلال الكتابة في أحد المحاور الآتية:
أولًا: مفهوم الذات وتجلياتها في فلسفة سلامة.
ثانيًا: مشكلة الحرية في فلسفة سلامة.
ثالثًا: العقلانية والتنوير بين طه حسين ويوسف سلامة.
رابعًا: السلب والنفي في فلسفة سلامة.
خامسًا: مفهوم اليوتوبيا وتجلياته في فلسفة سلامة.
سادسًا: الجامعة السورية والهوية ومستقبل سورية في فكر سلامة السياسي.
سابعًا: أسئلة النهضة في فكر سلامة.
ثامنًا: يوسف سلامة أستاذَا جامعيًا، تجربته في التدريس وعلاقاته بطلابه.
تاسعًا: يوسف سلامة مناضل من أجل الحرية (انعكاس ذلك في كتاباته واهتماماته ونشاطه).
يمكن للباحثات والباحثين إضافة موضوعات ومحاور أخرى يجدون من المهم البحث فيها.
تقبل المقترحات البحثية (ملخص 500 كلمة) حتى موعد أقصاه (1 تموز/ يوليو 2024)، على أن تستكمل البحوث في موعد أقصاه (1أيلول/ سبتمبر 2024).
تخضع البحوث جميعها للتحكيم العلمي.
ترسل المقترحات إلى إيميل رئيس التحرير Rasheed.alhajsaleh@harmoon.org

