أولاً ، أود أن اشكر الزملاء والأصدقاء الذين تفاعلوا وتواصلوا معنا من اجل التوضيح والاستفسار حول كتاب التغريبة وما تبعه من تداعيات.
تفاجأت والزملاء العاملون في مركز حرمون يوم أمس بتعرّض المركز لحملة مغرضة، على إثر إعلان خبر عن توقيع كتابي الذي عنوانه: (التغريبة السورية: الحرب الأهلية وتداعياتها المجالية والسكانية 2011 – 2020). وأصفها بأنها حملة مغرضة لأن ما حدث كان أشبه بهجوم بالسلاح الأسود: الشتائم والسباب والاتهام والتهكّم، موجّه إلى شخصي وإلى مركز حرمون وإلى مؤسسات أخرى، وبدا واضحًا أن ذلك الهجوم يفتقر إلى الإنصاف، ويخلو من أي نقد ذي قيمة، وأنه بعيد كل البعد عن أي مناقشة موضوعية أو منطقية، والراية المرفوعة في ذلك الهجوم أنّ مركز حرمون انقلب على الثورة السورية، إذ بات يتبنى مفهوم “الحرب الأهلية” بدلًا من “الثورة السورية”.
وفي هذا الصدد، رأيتُ أن أقدّم توضيحًا بخصوص الكِتاب والمفهوم:
- إن هذا الكتاب، وهو جهد سنين عدة، يتبنى مفهوم الثورة السورية وقيمها ومبادئها وأهدافها، ويقدّم سجلًا مفصّلًا لجرائم النظام على امتداد الوطن السوري. وهو بمنزلة هويّة لثورة السوريين، وشهادة حية توثق نضالات الشعب في كل محافظة سورية، وتوثّق صموده وبطولاته في وجه الظلم والاستبداد. وهو وثيقة تاريخية تفضح ممارسات النظام السوري الوحشية، وتكشف العنف الذي ارتكبه طوال عقد من الزمن. والكتاب براء من أيّ تهمة تُنسب إليه، وليس فيه أي إساءة أو إهانة لمفهوم الثورة السورية أو أيّ تقليل من شأن نضال الثوار. وكل محتويات الكتاب، بجزأيه الأول والثاني، تتبنى خطاب الثورة السورية، وتنحاز إلى الشعب السوري الذي ما زال يدفع ثمن حريته وخلاصه.
- الكتاب هو كتاب أكاديمي، وأنا محاضِر في العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعات بريطانيا، وأعي دلالة كل كلمة أستخدمها، وبحسب كلّ التعريفات الأكاديمية العربية والغربية المعتمدة، والأدبيات السياسية المتبعة، فإن ما يحدث في سوريا اليوم بات يُسمّى “حربًا أهلية”، وكذلك توصيفات الأمم المتحدة التي لا مناص من التمسّك بقراراتها، وهذا التوصيف -على ما فيه- لا يُلغي الثورة التي قام بها السوريون منذ 2011 مطالبين بسقوط النظام المستبد، ولا يُبطل أهدافها، ولا يفنّد أسبابها.
- يعتمد الكتاب منهجًا علميًّا واضحًا، ويقوم على نظرية معرفية محددة تعالج قضايا التهجير والتدمير، ومن هنا وجب أن يكون العنوان معبّرًا عن المضمون ومنسجمًا معه، وقد تقدّم مفهوم الحرب الأهلية على غيره، لأن مفهوم الحرب يحمل في طياته الدمار والخراب والتهجير والشتات، وهو ما حدث في سوريا، مع الأسف. أما مفهوم الثورة، فإنما يدلّ على البناء والعمران والاستقرار والازدهار، من حيث إن غايتها الحرية والكرامة والمستقبل. ومن ثم كان هذا الاستخدام اللغوي هو الأقرب إلى الحقل العلميّ والقانوني. وإن اختيار عنوان “الحرب الأهلية” لا يُضفي أي شرعية على خطاب النظام ولا يُنجيه من وبال جرائمه. بل إن الكتاب يوثق الكيفية التي استغلّ بها النظام الدكتاتوري كل وسيلة ممكنة لتحويل الثورة الشعبية السلمية إلى حرب أهلية، كي يبرّر قمعه ويسوّغ استمراره في الحكم. ومن يطّلع على الكتاب يكتشف بسهولة أنه يتناول بدقة وموضوعية التغييرات المجالية والسكانية التي حدثت نتيجة لهذه الحرب، ويفضح مساعي النظام إلى تدمير نسيج المجتمع السوري، وتقسيم الشعب وتشتيته لتمرير مخططاته وتنفيذ أجندات من يقف وراءه. وإن اختزال الكتاب في عنوانه، من دون النظر إلى محتوياته العميقة والخطيرة، هو ظلم بيّن لعمل إنما أُنتج لخدمة الثورة والقضية السورية.
- إن كتاب “التغريبة السورية” هو مع الثورة، بكل ما تحمله من قيم سامية وأهداف نبيلة. وهو شهادة للتاريخ تُعرض على الساحة الدولية، لتكون وثيقة تدين النظام السوري، وتعيد قضية الشعب السوري إلى الواجهة، وتعيد الثورة إلى أهلها، بعد أن حاول كثيرون تهميشها أو تحويلها إلى قضية ثانوية، وإن محتوى هذا الكتاب الذي يتبنى قيم الثورة وأهدافها يشهد بسقوط كل تلك الاتهامات العبثية.
- إن مجمل نتاجات مركز حرمون على مدى سنوات طويلة تشهد بنزاهته وأمانته العلمية، وتدحض الاتهامات الاعتباطية التي تُلقى هنا وهناك جزافًا. وقد أعدّ المركز ونشر مئات الدراسات والتقارير والمقالات، وكلّها تتبنى القيم التي نادت بها الثورة والشعارات التي رفعتها، وغاية المركز التي لا تخفى أن يبلغ الشعب السوري مبتغاه بزوال نظام الاستبداد، وبأن ينعم بنظام ديمقراطي يقوم على الحريات العامة وقيم المواطنة وحقوق الإنسان. وإن تجاهل كل هذا النتاج على مدى سنوات، بسبب قضية مفهومية لها عللها، إنما يشير إلى مواقف ذاتية ضدّ المركز، ولا سيّما أن هناك أشخاصًا دأبوا على مهاجمة المركز ومنتجاته وتحريض الآخرين عليه باستمرار وانتظام منذ سنوات، وسلوكهم هذا يفتح باب الشك في وجود دوافع غير نزيهة، أو يُنبئ بوجود دوافع أيديولوجية معادية لقيم الديمقراطية والمواطنة التي يتبناها مركز حرمون.
- أخيرًا، إنّ أبواب المركز مفتوحة لكل نقدٍ غايته البناء والتطوير، وأدعو جميع المعنيين إلى قراءة الكتاب بعين فاحصة، وبقلب ينبض بحبّ سورية وثورتها المجيدة، بعيدًا عن التحامل والأحكام الجاهزة، كما أدعو إلى تنبيهي على أي شيء يتعلّق بالكتاب، من حيث المنهجية والعلمية والصدقية. وكنتُ قد ألّفت العديد من الكتب والمقالات، ونشرتها في أهم دور النشر في العالم، ولكنّ لهذا الكتاب وقعًا في قلبي، لأنه يوثّق جزءًا من مسيرتي في درب النضال الإنساني، وهو مكرّس لخدمة قضيتنا العادلة، ولتأكيد أن الثورة السورية فصل مليء بالتضحيات الإنسانية في سبيل الحياة السوية الكريمة، وكلنا أمل في أن مستقبل سوريا الحرة سيكون أفضل وأجمل.

