نظّم مركز حرمون للدراسات المعاصرة، يوم الثلاثاء 11 حزيران/ يونيو 2024، ورشة عمل مغلقة تحت عنوان “تجربة البوسنة والهرسك.. وكيف يمكن أن يستفيد منها السوريون”، ناقشت تجربة البوسنة والهرسك في إعادة البناء والتعافي بعد الحرب.
شارك في الورشة كلّ من البروفيسور أحمد علي باسيج، أستاذ في كلية الدراسات الإسلامية جامعة سراييفو؛ والبروفيسور أمير هادزيكادونيتش، أستاذ في معهد سراييفو للعلوم والتكنولوجيا، وهو سفير سابق، إلى جانب عددٍ من الباحثين والأكاديميين والسياسيين والإعلاميين السوريين.
قدّمت الورشة إطارًا عامًا عن الحرب في البوسنة والهرسك، والمراحل التي مرّت بها قبل الحرب، وأهمّ الأحداث خلال الحرب وما بعدها، إضافة إلى الموقف الدولي من الحرب.

أدار الجلسةَ الأولى الأستاذ سمير سعيفان، مدير مركز حرمون للدراسات المعاصرة، واستهلّها بكلمةٍ أشار فيها إلى أهمّية الاستفادة من تجربة البوسنة والهرسك والحرب الأهلية ونتائجها، ومن طرق معالجتها، مؤكدًا أن الكارثة السورية ما تزال مستمرة، ومعربًا عن أمله في الاستفادة من هذه التجربة.

وعرض البروفيسور أمير هادزيكادونيتش الأسباب الرئيسية للصراع في البوسنة والهرسك، التي تنقسم إلى أسباب محلية وداخلية ودولية، وتطرّق إلى موقف الولايات المتحدة وأوروبا من الحرب التي اندلعت فيها. وأوضح أن الولايات المتحدة عملت على دعم اتحاد البوسنة واستقلالها، ودعَت دولًا أخرى للاعتراف بهذا الاستقلال، رغم اعتراض عدد من الدول على هذا الأمر، مشيرًا إلى أن أميركا سمحت لإيران بإدخال الأسلحة إلى المنطقة، في حين إن الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على المنطقة بسبب السلاح.
ولفت النظر إلى أن العقوبات كانت شديدة جدًا، رغم الاستمرار في المطالبة برفعها عن البوسنة، لتتمكن من الدفاع عن نفسها، مبينًا أن أميركا لم تتدخل لرفع هذه العقوبات إلا بعد سنوات عدة من فرضها على البوسنة.
وذكر أن ردّات أفعال الاتحاد الأوروبي تجاه التطورات في البوسنة كانت منقسمة وضعيفة ومشوشة، إذ وضعوا مقترحات عدة لإنهاء الأزمة، لكنها فشلت، علمًا أن الاتحاد الأوروبي حاول تقديم بعض المساعدات، ولكن كانت لهم سياسات مختلفة، فمجموعة كانت مع صربيا، وأخرى مع كرواتيا، أي لم تكن السياسة الأوروبية واضحة.
وأشار إلى موقف الأمم المتحدة إذ أرسلت فريق “الخوذ الزرقاء”، لحفظ السلام في منطقة سربرنيتسا ومناطق أخرى، وكان هناك قرار من الأمم المتحدة لحماية الشعب، ولكن عند هجوم الصرب على سربرنيتسا، هرب الجنود (الخوذ الزرقاء)، فحدثت مجزرة مروعة (نفذتها القوات الصربية في البوسنة والهرسك عام 1995)، وتابعت المحكمة الجنائية الدولية ما جرى، وأكدت أن ما حصل هو مجزرة واضحة.

وتطرقت الورشة في أحد محاورها إلى اتفاقية “دايتون”، أو ما يُعرف بـ (اتفاقية الإطار العام للسلام في البوسنة والهرسك في عام 1995)، التي أنهت ثلاث سنوات من الحرب الأهلية في يوغسلافيا السابقة، وناقشت ما لها وما عليها، إضافة إلى نقاط الضعف والقوة فيها.
واعتبر البروفيسور أمير هادزيكادونيتش أن من أبرز نقاط الضعف في اتفاقية “دايتون” أن الهيكلية الدستورية لم تتناسق مع حقوق الإنسان وآليات هذه الحقوق في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى عدم تناسقها مع الحريات الأساسية ضمن هذا الاتفاق، إذ كان هناك قوانين أخرى معاكسة لهذه القرارات.
وتطرقت الورشة إلى مرحلة ما بعد اتفاقية “دايتون”، وجهود بناء السلام في البوسنة والهرسك، وأوجز ضيفا الورشة أبرز الإنجازات من عملية السلام التي كانت أكثر نجاحًا في مراحلها الأولى، حيث ازداد عدد الوزارات الحكومية من 3 إلى 10 وزارات، وأصبحت أقوى، وتم تأسيس 70 مؤسسة جديدة، وأصبح هناك محاكم وأجهزة مخابرات ومؤسسات عسكرية، وكان هناك محكمة متعددة الأطراف ووزارة دفاع وهيئة أركان واحدة، وكان هناك كثير من الإصلاحات في مراحل عملية السلام الأولى، إضافة إلى أن السياسة الخارجية كانت موحدة، وهي تهدف إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي “الناتو”، وكان هناك أهداف خارجية موحدة.
وعقب عملية السلام، أعيدَ بناء نصف مليون منزل، وأعيدت ممتلكات الأشخاص الذين أُجبروا على الفرار بسبب الحرب، إضافة إلى كثير من الحلول والإنجازات.
وأوضح ضيفا الورشة أنه كان هناك بعض العوامل الخارجية للدفع بعملية السلام نحو الأمام، من أبرزها: جهود حلف “الناتو”، دعم الاستقرار شرق أوروبا، تدخل الاتحاد الأوروبي في البوسنة لقبول الإصلاحات بغية الانضمام إليه، إضافة إلى وضع الاتحاد الأوروبي بعض الشروط حول الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وتطرقت الورشة في جلستها الثانية، التي أدارها الدكتور سمير العبد الله، مدير وحدة تحليل السياسات في مركز حرمون للدراسات المعاصرة، إلى العدالة الانتقالية والآليات التي طُبّقت في البوسنة والهرسك عقب اتفاقية “دايتون”. وناقش البروفيسور أحمد علي باسيج مدى تحقيق العدالة الانتقالية، وتأثير العدالة الانتقالية في المصالحة المجتمعية.
وأشار العبد الله إلى أن هناك العديد من التجارب التي قد تتقاطع مع ما جرى في سورية في بعض الجوانب، وأكد ضرورة الاستفادة منها ومن الأخطاء التي وقعوا فيها، لتجنّبها في التجربة السورية. وقال: “إذا قارنّا الحالة السورية بالتجربة البوسنية، فنحن في مرحلة ما قبل (دايتون)، حيث هناك قرارات أممية مجمدة، ومفاوضات لم ينتج عنها شيء حتى الآن”.

وتحدّث البروفيسور أحمد علي باسيج عن محاور أخرى، من أبرزها: تأثير الحرب في التركيبة السكانية، والعوامل التي ساعدت في حلّ قضية النازحين واللاجئين وفي إنجاز المصالحة المجتمعية. وسلّط الضوء على مسار العدالة الانتقالية في البوسنة والهرسك، بعد اتفاقية “دايتون”، مركزًا على تأثيرها في عملية المصالحة الاجتماعية.
ولفت النظر إلى أن البوسنة والهرسك بذلت جهودًا كبيرة في مجال العدالة الانتقالية، بعد الحرب الأهلية المدمّرة التي عصفت بالبلاد في تسعينيات القرن الماضي، وتضمّنت هذه الجهود ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وإصلاح النظام القضائي، وتعزيز حقوق الإنسان، وكشف الحقيقة وتعزيز الذاكرة الجماعية.

وبيّن باسيج أن جهود العدالة الانتقالية في البوسنة والهرسك قد حققت نتائج محدودة، في ما يتعلق بالمصالحة الاجتماعية، وقد نجحت بعض المبادرات في تحقيق تقدّم على مستوى المجتمعات المحلية، إلا أن جهود المصالحة على الصعيد الوطني واجهت عقبات كبيرة، بسبب الاختلال في توازن القوى والافتقار إلى الدعم الدولي. وقال: “في عام 1992، قلنا: علينا أن نضحّي بالسلام من أجل تحقيق العدالة، ثم عدنا بعد أربع سنوات، وقلنا: نضحّي بالعدالة من أجل تحقيق السلام”.
وذكر أنه لا يزال العديد من مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية طلقاء، ومنهم بعض المسؤولين عن مقتل 40.000 مدني، و19.500 شخص في سربرنيتسا عام 1995، مشيرًا إلى أن جهود العدالة الانتقالية تواجه تحديات كبيرة، بسبب ممارسات عرقلة العدالة، مثل إخفاء جرائم الحرب، وتحريك ملفّ المقابر الجماعية، وإنكار الجرائم ومراجعة التاريخ.

وتطرّق البروفيسور أحمد علي باسيج إلى ملفّ عودة النازحين والمهجرين، موضحًا أن البوسنة والهرسك شهدت عودة تدريجية للاجئين بعد اتفاقية “دايتون”، حيث عاد ما يقارب 2.1 مليون شخص، من بينهم 780 ألف لاجئ، ولم يرجع جميع اللاجئين إلى مناطقهم الأصلية بشكل دائم، وعلى الرغم من أن بعضهم استعادوا ممتلكاتهم أو منازلهم، فإنهم لم يقيموا فيها إقامة دائمة.
وأدت عودة اللاجئين، إلى جانب الهجرة والنزوح الداخلي، إلى تغييرات كبيرة في التركيبة السكانية للبوسنة والهرسك، إضافة إلى أن المناطق الفردية داخل البوسنة والهرسك أصبحت أقلّ تنوعًا اثنيًا، مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب. وعلى الرغم من انخفاض التنوّع الاثني على مستوى المناطق، فإن البوسنة والهرسك لا تزال دولة متعددة الأعراق بشكل عام.
وتخلل محاور الورشة المتعددة حوارٌ مفتوحٌ وأسئلة متفرقة تتعلق بتجربة البوسنة والهرسك، وبالنقاط التي يمكن للسوريين بعد 13 عامًا من الصراع في سورية الاستفادة منها. وحظيت الورشة بمشاركة فاعلة من قبل الحضور، الذين عبّروا عن تقديرهم للمعلومات القيّمة التي ذُكرت، وعن أهمية تبادل الخبرات والتجارب بين مختلف البلدان التي عانت الحروب والصراعات.

أظهرت ورشة عمل مركز حرمون، حول تجربة البوسنة والهرسك، أنّ هناك العديد من الدروس المستفادة التي يمكن للسوريين الاستفادة منها، في مسارهم نحو إعادة الإعمار والتعافي. وسيقوم مركز حرمون بإعداد تقرير مفصّل عن ورشة العمل، وبتجزئة التسجيل المصور إلى بضعة مقاطع فيديو، لنشرها على موقع مركز حرمون وعلى صفحاته في وسائل التواصل الاجتماعي.

