صدر العدد السابع والعشرون من مجلة قلمون، وعنوان ملفه ((الآثار السورية: السياسات والدور، الواقع والآفاق 1970-2023))، وقد عالج هذا الملف نقديًا سياسات نظام الأسد تجاه الآثار في سورية، ودوره في توظيف هذا الملف تكريسًا لمزيد من الاستبداد، وعدم جديته في الكشف عن آثار قد تكون الأقدم في تاريخ المنطقة، فدرس من خلال تسعة بحوث نصف قرن من واقع الآثار السورية قبيل الصراع وبعده في مناطق مختلفة. وقد حرص الملف على إبراز دور المجتمع المحلي السلبي أحيانًا في التعدي على التراث المادي، والإيجابي أحيانًا أخرى في حفظ الآثار والحد من أعمال التخريب والإتجار غير الشرعيين، وانتقد الدور المحدود جدًا للمنظمات الدولية هناك.
عني البحث الأول في هذا الملف ((التراث الثقافي المادي في سورية 1970 – 2023 آليات الإدارة والدوافع)) بالكشف عن آليات النظام في إدارة ملف الآثار السورية منذ تسلم البعث السلطة، منتقدًا طريقته الشاقولية في إدارة هذا الملف من الأعلى إلى الأسفل، ليكون الوصي الوحيد عليه، من دون تمكين المجتمع من المشاركة في ذلك. وقد وصف الباحثان عبد السلام الحمو وعمار كناوي الحماية القانونية للتراث السوري بأنها غير مكتملة، وتعاني كثيرًا من الثغرات، وقصورًا في التشريعات المعمول بها، وضعف في فاعلية أدواتها، وغياب آلية التنسيق مع الجهات الأخرى ذات الصلة، إضافة إلى ضعف الموارد البشرية والمادية المتاحة.
وقد حلل عدنان المحمد في بحثه ((استغلال التراث الثقافي المادي في تكريس الاستبداد نظام الأسد في سورية أنموذجًا)) كيفية استخدام نظام البعث الشمولي ملف التراث الثقافي المادي خدمة لمصالحة الذاتية، وترسيخًا لأركان حكمه واستبداده، للتفرد بتحديد الهوية الوطنية لسورية، وإضفاء الشرعية على نظامه داخليًا وخارجيًا.
فتح حسن عبد الله الخلف ملف ((المواقع الأثرية المغمورة في مياه سد الفرات بين السياسات الحكومية وبعثات التنقيب الأجنبية))، مسلطًا الضوء على جريمة ارتكبها نظام الأسد بحق مواقع أثرية ممتدة على أراضي واسعة من ريفي حلب والرقة، غمرتها مياه البحيرة التي حملت اسمه، فرصد السياسات الحكومية التي اتبعها نظام الأسد تجاه المواقع الأثرية، وحللها، وبحث في تعاطي البعثات الاثرية الأجنبية مع المواقع المغمورة. وخلُص البحث إلى تأكيد رغبة النظام في استغلال السد لأغراض سياسية أدت إلى تدمير المواقع الأثرية، وتهجير أهلها، وكشف أيضًا تقصير السلطة في نشر دراسات باللغة العربية عن هذه المواقع.
درس عبد الباسط سيدا العلاقة بين الآثار والهوية الوطنية من خلال البحث في العلاقة بين مفهومي الهوية والانتماء، والعلاقة بينهما وبين الأيديولوجيات التي سادت في الشرق والغرب عبر العصور، وسلط الضوء على الواقع الأثري وتنوعه وأهميته في سورية، والعقبات التي واجهت التنقيبات الأثرية هناك، وما زالت تواجهها، ولا سيما في السنوات الأخيرات.
قرأ فاروق إسماعيل في بحثه موضوعات الآثار والتاريخ ضمن الكتب التعليمية في سورية قراءة تحليلية نقدية، بوصف المدرسة المكان الأمثل لنشر الوعي الأثري التاريخي بين الأجيال، فحلل كيفية تناول موضوعات الآثار في مناهج مدرسية من مناطق مختلفة من سورية قبل الثورة، وبعدها، ومدى صلة الاستنتاجات في الكتب المدرسية بالحقائق التاريخية الدقيقة، منتقدًا وسائل نشر الوعي الأثري التاريخي، والأهداف من وراء ذلك. وقد خلص البحث إلى أن المناهج تركز على التاريخ أكثر من الشواهد الأثرية، وأنها مرتبطة بالتوجهات السياسية للأطراف المتحكمة المسيطرة على أجزاء البلاد، وأن كلًا منها يتناول موضوعات الآثار والتاريخ في منحى مختلف يخدم أهدافه.
درس منير القسقاس أثر سياسات نظام الأسد في الحماية المجتمعية للمواقع الأثرية قبل الصراع وخلاله، وتحديدًا في موقع البارة الأثري المسجل في لائحة التراث العالمي، والواقع ضمن ملكية خاصة، موثقًا التعديات التي تعرض لها هذا الموقع، ومفندًا أسباب الانتهاكات. وقد بين أن سياسات النظام قبيل الحرب، ولا سيما ما يتعلق بحماية المواقع الأثرية الواقعة ضمن الملكيات الخاصة، أسهمت إسهامًا مباشرًا في الموقف السلبي للمجتمعات المحلية وسلوكها تجاه الآثار بعد الحرب. وقد وحدد أنواع الانتهاكات، وطبيعتها، وقيّم حجم الأضرار التي تعرض لها الموقع بين عامي 2011 و2023 اعتمادًا على الملاحظات الميدانية، والتصوير الفوتوغرافي، والمقابلات الشخصية.
وقد بحث عمار كناوي في أثر الصراع في المنتزهات الأثرية شمال غرب سورية بين عامي 2011 – 2023، بوصف هذه المنطقة من أغنى مناطق سورية بالمواقع الأثرية، وقد أدرجت بعض هذه المواقع في قائمة التراث العالمي لليونسكو لتميز القرى الأثرية الكلسية فيها، ولحال الحفظ الاستثنائية، لكن سرعان ما وضعت اليونسكو هذه القرى بعد الحرب في قائمة المواقع المهددة بالخطر، نظرًا إلى ما تعرضت له من دمار وتخريب قد يؤديان إلى شطب هذه القرى من قائمة التراث العالمي. ومن خلال المسوحات الميدانية في إدلب تقدم الدراسة تصورًا للحالة العامة للواقع الأثري في محافظة إدلب، والواقع الراهن لمواقع التراث العالمي، والفرص التي يمكن أن تسهم في حفظ هذه المواقع، وحمايتها، ودور سلطات الأمر الواقع في التغيرات الحاصلة، ومدى استجابتها لحماية التراث. يضاف إلى ذلك تقديم حلول وتوصيات للنهوض بالواقع الأثري، وإيقاف هذه التعديات.
عنيت هبة الخلف في بحثها ((الآثار السورية والمنظمات الدولية)) بدراسة مفهوم العنف الثقافي خلال النزاع وفي مرحلة إعادة الإعمار، من خلال فهم عميق وشامل للتحديات والديناميات المعقدة المرتبطة بحماية التراث الثقافي في سورية، إضافة إلى استكشاف الاستراتيجيات المبتكرة التي تبنتها المنظمات الدولية للمحافظة على هذا التراث. يتناول البحث التراث السوري في إطار التغيرات والتحديات الإقليمية والعالمية، مشيرًا إلى كيفية تأثير الأحداث في سورية والعراق واليمن وليبيا في السياسات الدولية، والتمويل المخصص لحماية التراث الثقافي. ويختتم بتأكيد أهمية اتباع المنظمات الدولية والمؤسسات المحلية المعنية بالآثار استراتيجيات تتسق مع المبادئ الإنسانية واحترام حقوق الإنسان، مشددًا على الدور الجوهري للتراث في بناء السلام.
اختتم الملف ببحث لأيمن نابو في مبادرات حماية التراث الثقافي المادي في سياق الحرب شمالي غرب سورية بين 2011 و 2023، استعرض فيه مبادرات الحماية في المنطقة المدروسة، وأهميتها، والنتائج المترتبة عليها، من خلال دراسة مبادرات حماية متحفي معرة النعمان وإدلب من حيث البنية الإنشائية للمتحف، والمحتويات، وإجراءات الحماية التي اتخذتها المديرية العامة للآثار قبيل الثورة عام 2011، ومبادرات الحماية التي عمل فيها الآثاريون المحليون في شمال غرب سورية. وخلص البحث إلى نجاح هذه المبادرات -على الرغم من قلتها- في تغيير مواقف السلطة العسكرية تجاه الآثار بصورة عامة، إضافة الى نشر الوعي بأهمية الممتلكات الثقافية.
يضاف إلى ملف العدد دراستان أخريان لكل من عمار السمر بعنوان ((كلية الحقوق في الجامعة السورية التأسيس والبدايات))، وسليمان طعان في ثيمات العالم الروائي في روايات فيصل خرتش، ومراجعة لكتابي ((سوسيولوجيا الحدود: تأثير مؤسسة الحدود على الحياة الاجتماعية)) و((استهلاك الحياة)) أعدهما ياسين عتنا وعبد الإله فرح.
يذكر أن ((قلمون: المجلة السورية للعلوم الإنسانية)) تودع في هذا العدد رئيس تحريرها يوسف سلامة الذي رافقها في سبعة وعشرين عددًا منذ عام 2017، وأبى أن يغادر عالمنا في 04 آذار/ مارس 2024، قبل أن يطمئن إلى إنجاز كل الأعمال العلمية الخاصة بهذا العدد، وأبى أصدقاؤه (ماجد كيالي ومصطفى النشار وساري حنفي ورشيد الحاج صالح) إلا المشاركة في هذا الوداع بشهاداتهم وكلماتهم في المنجز العلمي والقيم الإنسانية والمهنية العليا لسلامة.
كل العزاء لأسرة مجلة قلمون ومركز حرمون للدراسات المعاصرة وأسرة الفقيد باستمرار هذا المنجز العلمي الماثل بين أيدي القراء اليوم.
[real3dflipbook id=”2″ mode =”lightbox”]
