عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة، في الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، ندوة حوارية في مدينة إسطنبول، قدّمت تحليلًا لدراسة أصدرها المركز بعنوان “العلاقات بين المجتمع المحلي في سورية وتنظيم داعش (منطقة دير حافر نموذجًا)”.

شارك في الندوة الدكتور سمير العبد الله، مدير قسم تحليل السياسات في المركز، وهو معِدّ الدراسة، إضافة إلى الباحث أحمد أبا زيد المتخصص في قضايا الثورة السورية والحركات الإسلامية والمسلّحة، وأدارت الندوة أسماء صائب أفندي، مديرة منتدى حرمون الثقافي في إسطنبول.

هدفت الندوة إلى مناقشة النِّقاط المحورية في الدراسة، وإبراز سياق العلاقة المعقدة بين تنظيم “داعش” والمجتمعات المحلية التي خضعت لسيطرته، ولا سيما في منطقة دير حافر.
أشار الدكتور سمير العبد الله إلى أن فكرة الدراسة انبثقت من الحاجة إلى فهم عميق للعلاقات بين تنظيم داعش والمجتمعات المحلية السورية التي خضعت لحكمه، حيث تسود سرديات غربية توحي بأن هذه المجتمعات كانت مؤيدة أو داعمة للتنظيم.
واستهدفت الدراسة منطقة دير حافر كنموذج يوضّح طبيعة العلاقة بين السكان المحليين والتنظيم في إبّان سيطرته التي استمرت قرابة أربع سنوات، من آذار/ مارس 2014 حتى آذار/ مارس 2017، حيث اختيرت هذه المنطقة لأهميتها الاستراتيجية، فهي تحتوي على موارد حيوية، كالمحطة الحرارية الكبرى في سورية، وتعدّ منطقةَ عبور بين مواقع سيطرة التنظيم والمناطق الخاضعة للنظام السوري، مما جعلها مسرحًا للعلاقات المتداخلة والمعقدة.
اعتمد مُعدّ الدراسة على مقابلات ميدانية عميقة مع 37 شخصًا، عاشوا في دير حافر خلال فترة سيطرة التنظيم، وذلك للوصول إلى صورة شاملة ودقيقة عن أوضاع السكان المحليين، وتفاعلهم مع استراتيجيات التنظيم في الحكم. واستندت الدراسة إلى أدبيات أكاديمية ودراسات غربية وعربية، بهدف تقديم تحليل شامل يعكس الواقع المحلي بأمانة، ويُبرز طرق تعامل المجتمع مع أدوات سيطرة “داعش”، وخيارات السكان بين التعاون أو المقاومة أو الهجرة.

وأكدت الدراسة أن التنظيم بدأ بتأسيس قواعده عبر إنشاء مؤسسات قسرية تدير شؤون الحياة اليومية، وركّز على تقييد الحريات وفرض قوانين دينية صارمة، مستغلًا حاجات المجتمع للخدمات العامة. وفرض التنظيم قيودًا صارمة على النساء، تتعلق بالحجاب وضرورة وجود محرم في الأماكن العامة، مما أثر سلبًا في الأوضاع الاقتصادية، ولا سيما في القطاع الزراعي، حيث كانت النساء تشكّل جزءًا كبيرًا من القوة العاملة.
وفيما يتعلق بالتعليم، عمد التنظيم إلى تغيير المناهج الدراسية لتتناسب مع فكره الأيديولوجي، حيث ألغى المواد غير الدينية مثل الموسيقى والرياضة، وفرض دورات شرعية للمعلّمين لضمان “التوبة” الفكرية قبل ممارسة التدريس، حيث استهدفَت هذه الاستراتيجية توجيه الأجيال الشابة نحو الفكر الذي يتبناه التنظيم، بغية تعزيز تأثيره في المجتمع.
وبيّنت الدراسة أن أحد التحديات التي واجهها تنظيم (داعش) في دير حافر كان تكيّف السكان المحليين مع وجود المقاتلين الأجانب، الذين كان لهم نظرة فوقية تجاه المجتمع المحلي، حيث لم يكن هناك انسجام بين الطرفين، إذ شعَر المقاتلون الأجانب بأن السكان ليسوا ملتزمين بمبادئ “الجهاد” بالشكل الذي يتوقعونه، في حين اعتبر السكان المحليون المقاتلين غرباء وأقلّ ميلًا إلى الاندماج الاجتماعي، ولا سيما أن التنظيم كان يعتمد عليهم في تنفيذ أحكام قاسية، وهذا الفارق انعكس أيضًا في الرواتب، حيث كان راتب المقاتل الأجنبي أعلى من المحلي، مما خلق مزيدًا من التباعد.
ولجأ التنظيم إلى استراتيجيات العنف والترهيب، لضمان السيطرة على السكان ومنع أي محاولات مقاومة، إذ كانت أولى خطواته في الحكم هي إصدار “وثيقة المدينة” التي وضعها كدستور ملزم للسكان، يُجبرهم على اتباع قوانين الشريعة وفق تفسيره الصارم، واعتمد التنظيم سياسة “فرّق تسُد”، للتمكّن من تفتيت الروابط الاجتماعية بين القبائل، واستغلَّ التنافسات القبلية لصالحه.
تطرّق الدكتور سمير العبد الله إلى أن السكان المحليين كانوا يجدون طرقًا للمقاومة، وإن كانت هذه الطرق تتسم بالضعف، مثل الهجرة أو محاولة تجنّب الاحتكاك المباشر مع التنظيم، وأكد أن هذه السياسات لم تترك أثرًا طويل الأمد على السكان، إذ عادوا إلى حياتهم الطبيعية بعد تراجع التنظيم، مما يثبت هشاشة شرعية التنظيم القائمة على الترهيب والخوف.
في سياق مناقشة الدراسة، سلّط الباحث أحمد أبا زيد الضوء على الأهمية الخاصة للدراسة، باعتبارها تعكس التجربة من منظور محلي، منتقدًا الاعتماد المكثف في الدراسات الغربية على تحليل التنظيم من زاوية دولية وأمنية فقط، مع تجاهل الواقع الاجتماعي للسكان المحليين.
وأكد أن الدراسة أثرت النقاش حول كيفية تأثير تنظيم داعش في المجتمعات التي خضعت لحكمه، مشيرًا إلى ضرورة توسيع نطاق الدراسة لمقارنة تجربة دير حافر بمناطق أخرى، مثل الرقة ودير الزور، وأشار إلى ضرورة استيعاب الخصوصية المحلية لكل منطقة، مشددًا على أهمية العامل القبلي في سيطرة التنظيم.
ورأى أن التنظيم استخدم التنافس القبلي وسيلةً للسيطرة، مستفيدًا من الوضع المعقد للعلاقات القبلية في سورية، وتحدّث عن عوامل أخرى جعلت بعض المجتمعات أكثر عرضة للتأثر بسيطرة التنظيم، مثل وجود فراغ سياسي وأيديولوجي في بعض المناطق، ساعد في قبول التنظيم كـ “دولة بديلة”، مع غياب مؤسسات الدولة التقليدية.

وأظهرت الدراسة أن “داعش” حاول فرض سيطرته على السكان، مستخدمًا العنف والإرهاب كأسلوب رئيسي لتحقيق الهيمنة، ومع ذلك لم تترك سيطرة التنظيم أثرًا دائمًا على المجتمع السوري، الذي ظل ينظر للتنظيم بعين الريبة والخوف، وأوضَحت الدراسة أن شرعية التنظيم كانت قائمة على الخوف والإكراه، ولم تنجح في كسب الولاء الحقيقي من السكان، ما جعلها عرضة للتفكك والانهيار عندما ضعف التنظيم.
تعتبر هذه الدراسة إضافة نوعية في فهم العلاقات بين تنظيم داعش والمجتمعات المحلية في سورية، إذ ركزت على التجربة الاجتماعية والإنسانية من زاوية محلية، من خلال تسليط الضوء على آليات حكم التنظيم وكيفية تعامل السكان معه. وقدّمت الدراسة أساسًا لبناء فهم أعمق لكيفية تعامل المجتمعات السورية مع التحديات الناشئة عن النزاعات المسلحة، وهو ما يجعلها مرجعًا مهمًا للباحثين وصانعي السياسات لفهم تعقيدات الأوضاع في سورية بشكل أفضل.
وخلقَت الدراسة تفاعلًا كبيرًا لدى الجمهور، حيث تم طرح العديد من الأسئلة التي عبّرت عن اهتمام الحضور بالوصول إلى فهم عميق لطبيعة تأثير تنظيم داعش في المجتمع المحلي في سورية، ودار نقاش حول أهمية توسيع مثل هذه الدراسات لتشمل مناطق سوريّة أخرى، مما يُعزز أهمية الدراسة كمرجع مهم في هذا المجال.

يمكنكم الوصول إلى الدراسة عبر الرابط التالي: https://www.harmoon.org/?p=39369
يمكن متابعة الندوة كاملة من خلال الرابط التالي: https://2u.pw/LWAnYA7C

