نظّم مركز حرمون للدراسات المعاصرة، يوم الثلاثاء 11 شباط/ فبراير 2025، ندوة حوارية بعنوان “بناء المستقبل بعد الاستبداد.. تحديات وآفاق العدالة الانتقالية في سورية”، وذلك في مقرّه بالعاصمة القطرية الدوحة.
شارك في الندوة فضل عبد الغني، المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان، وأدارها عمر إدلبي، مدير مكتب مركز حرمون في الدوحة، ولاقت الندوة تفاعلًا كبيرًا من الحاضرين والمتابعين، ما يعكس اهتمام السوريين بمسار العدالة الانتقالية في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد.
في بداية الندوة، أكّد عبد الغني أهميّة مسار العدالة الانتقالية كخطوة أساسية لتحقيق السلم الأهلي واستعادة الثقة بين أطياف المجتمع السوري، وأشار إلى أن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم التي ارتكبها النظام السابق تعدّ مطلبًا ملحًّا لشريحة واسعة من السوريين.
وأوضح عبد الغني أن هذا المسار لا يمكن أن يتم دون بناء هياكل الدولة الأساسية، وخاصة التشريعية، التي ستؤسس لعملية المحاسبة والمصالحة الوطنية، مؤكدًا أن العدالة الانتقالية ليست مجرّد مفهوم نظري، بل هي عملية معقدة تتطلب خطوات مدروسة ومراحل زمنية واضحة. وأشار إلى أن التأخير في إطلاق هذا المسار قد يكون نتيجة غياب المؤسسات التي يمكن أن تشرع القوانين وتضع الأطر القانونية اللازمة، وقال: “نحن بحاجة إلى إعلان دستوري مؤقّت، يحدد ملامح المرحلة الانتقالية، ويضع الإطار القانوني لتشكيل الهيئات المعنية بالمحاسبة والمصالحة”.
وتحدث عبد الغني بإسهاب عن ضرورة تشكيل “هيئة الحكم الانتقالي”، مشددًا على أنها يجب أن تكون مستقلة وذات صلاحيات واضحة. وأوضح أنّ الهيئة يجب أن تضمّ شخصيات تمثل مختلف أطياف المجتمع السوري، وأن تكون ملتزمة بالقانون الدولي ومعايير حقوق الإنسان، وأكّد أهمية دور المجتمع المدني في الإشراف على هذه الهيئة وضمان شفافيتها.
وشدد عبد الغني على أن تشكيل الحكومة الانتقالية يجب أن يتم تحت إشراف هيئة الحكم الانتقالي، لافتًا إلى أن هذه الحكومة ستكون مسؤولة عن التمهيد لكتابة دستور جديد وإجراء انتخابات حرة ونزيهة. وأضاف أن “العدالة الانتقالية ليست فقط مسألة قانونية، بل هي أيضًا مسألة سياسية تتطلب توافقًا وطنيًا ودعمًا دوليًا”.
وأشار عبد الغني إلى أن هيئة العدالة الانتقالية ستتألف من خمس لجان رئيسية، تعمل على تحقيق أهداف محددة. أولى هذه اللجان هي “لجنة الحقيقة والمصالحة”، التي ستتولى التحقيق في الانتهاكات وتوثيقها. واللجنة الثانية هي “لجنة المحاسبة”، التي ستختص بمحاكمة المسؤولين عن الجرائم الكبرى، ومنها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وأوضح عبد الغني أن هناك لجانًا أخرى مثل “لجنة جبر الضرر والتعويضات”، و”لجنة تخليد الذكرى”، و”لجنة الإصلاح المؤسسي”، معتبرًا أن هذه اللجان يجب أن تعمل بشكل مستقل عن السلطة التنفيذية والقضائية، مع ضمان توفير الموارد المالية اللازمة لها.
ووجّه عبد الغني رسالة واضحة إلى المسؤولين السابقين الذين ارتكبوا انتهاكات خلال فترة حكم الأسد، داعيًا إياهم إلى تسليم أنفسهم والاعتراف بجرائمهم قبل فوات الأوان، وقال: “من الآن، على هؤلاء الأشخاص أن يعيدوا الحقوق لأصحابها، ويقدّموا اعتذارات علنية، لأن هذا سيكون بمنزلة حماية لهم ولعائلاتهم”، وحذّر من مغبّة التهاون في مسألة المحاسبة، مؤكدًا أن الضحايا لن يقبلوا بأي حلول وسط.
وركز عبد الغني على أهمية دور المجتمع المدني والإعلام في دعم مسار العدالة الانتقالية، مبيّنًا أن المنظمات الحقوقية يجب أن تلعب دورًا رقابيًا على عمل الهيئات الانتقالية، وأن تكون صوتًا للمجتمع في حال حدوث أي انحراف عن الأهداف المرسومة، داعيًا الإعلام إلى نشر الوعي حول أهمية العدالة الانتقالية وكيفية تحقيقها، مؤكدًا أن الشفافية والوضوح هما مفتاح نجاح هذا المسار.
واختتم عبد الغني حديثه بالتأكيد أن مسار العدالة الانتقالية في سورية سيكون طويلًا ومعقّدًا، لكنه ضروري لتحقيق السلام والاستقرار في البلاد، وقال: “نحن أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء سورية على أسس جديدة تقوم على العدالة والحرية والديمقراطية، ولا بدّ من استغلال هذه الفرصة، بكل ما أوتينا من قوة”.
ويعبّر التفاعل الكبير الذي لاقته الندوة عن رغبة السوريين في المشاركة الفاعلة في صياغة مستقبل بلادهم، خاصة في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه مسار العدالة الانتقالية. ولم تقتصر النقاشات التي دارت خلال الندوة على ضرورة محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت خلال سنوات الاستبداد، بل تجاوزت ذلك إلى تأكيد أهمية جبر ضرر الضحايا، وتحقيق المصالحة المجتمعية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة بما يضمن عدم تكرار هذه التجربة المريرة.
متابعة الندوة كاملة من خلال الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=MEQ2uYvmHCA

