عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة، يوم الجمعة 23 شباط/ فبراير 2024، ندوة حوارية بعنوان “السياسة الأميركية تجاه سورية وغزة والمنطقة“، شارك فيها سمير التقي، باحث في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، وأدارتها أسماء صائب أفندي، مديرة منتدى حرمون الثقافي.
تناولت الندوة سياسات الولايات المتحدة الأميركية تجاه المنطقة، كجزء من سياستها العالمية وصراعاتها الدولية، عبر تحليل السياسة الأميركية تجاه الصراع الجاري في غزة، وفي سورية، وآفاقها المستقبلية، في ضوء ما يتردّد حول احتمالات انسحاب أميركا من العراق وسورية، وما قد يترتب على ذلك مع إقرار مجلس النواب الأميركي قانون مناهضة التطبيع مع نظام الأسد.
بدأت الندوة بمناقشة قانون مناهضة التطبيع مع نظام الأسد، ومدى فاعليته وتأثيره في النظام السوري وحلفائه. وفي هذا الشأن، قال سمير التقي: إن القانون يُظهر ميل الولايات المتحدة الأميركية إلى إبقاء العقوبات الراهنة على ما هي عليه، والضغط على النظام السوري، انطلاقًا من وجهة نظر تقول إن قضية إعادة تأهيل النظام، وتوظيف الكثير من الأموال في اقتصاده، هو أمرٌ منتهٍ، لأن لدى الإدارة الأميركية قناعة بأن نظام الأسد يستخدم هذه الأموال لتمويل أعماله العسكرية، ومنافذ الفساد، ولن يصل منها أي شيء إلى الشعب السوري.
وتابع التقي قائلًا إن أحد الأسباب المهمة لهذه العقوبات هي أن واشنطن لاحظت تبدّلًا جذريًا في بنية التحالفات الاجتماعية في دمشق وبعض المدن الأخرى، نتيجة العقوبات، بمعنى أن هناك العديد من رجال الأعمال الوطنيين في سورية، الذين لم يلعبوا دورًا محددًا خلال الصراع، لكنهم غادروا سورية لأنهم غير قادرين على الاستمرار في العمل، بسبب سيطرة المافيات الاقتصادية، والعقوبات المفروضة على النظام، وبالتالي أصبحت هذه العقوبات تضغط على جوهر البنية التحالفية للنظام.
تناولت الندوة السياسة الأميركية تجاه سورية، ولا سيّما بعد تاريخ 7 أكتوبر، وتراجع شعبية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بسبب العنف الذي تمارسه إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. وفي هذا الخصوص، أوضح التقي أن الإدارة الأميركية لديها ميل إلى عدم النزول على الأرض، والحفاظ على حالة من التوازن مع إبقاء الصراع مستمرًا، بمعنى إبقاء الجمر مشتعلًا، ولكن بلهب خفيف، إلى أن يتم حسم الأمور باتجاه معين. وتابع التقي قائلًا إن أحداث السابع من أكتوبر غيّرت التحالفات والتوازنات التي كانت قبل هذا التاريخ، ونسفت الصفقات التي كانت تجريها الولايات المتحدة وإسرائيل مع الإيرانيين بوساطات روسية، من أجل ضبط الصراع في الإقليم، سواء تلك المتعلقة بإدارة فكّ الاشتباك في لبنان، أو ما تسميه إسرائيل (سياسة قص العشب)، لكن الصدمة بعد أحداث السابع من أكتوبر كانت في إدراك واشنطن لوجود خطر وجودي يهدد إسرائيل ويقلب الطاولة، خاصة خلال الساعات الأولى لعملية (طوفان الأقصى)، وشعور الإدارة الأميركية بأن هناك تحالفًا، بين إيران وروسيا وحركة حماس وآخرين، وراء ما حدث، وهذا ما أدى إلى انهيار العاملين الرئيسيين اللذين شكّلا عناصر الاستقرار في سورية في الفترة ما بين 2018 و 2023.
وفي ملف التطبيع العربي مع النظام السوري، قال التقي إن هذا المسار لم يحظَ بأي تقدّم، بسبب العقوبات السابقة، والعقوبات الحالية ستؤدي إلى عرقلة المسار أكثر، لأنها توسّعت وشملت كلّ ما يتعلّق باقتصاد الظل. وأضاف أنه لن يكون هناك حل أو مخرج إلا بتوافق إقليمي بين تركيا والدول العربية، ويجب أن نفهم دلالات زيارة الرئيس التركي لمصر، وأفق العلاقات بين المملكة العربية السعودية وتركيا، حيث تجري الآن ترتيبات لإعادة تشكيل البنية الهيكلية للتحالفات في الإقليم على أساس جديد، تكون تركيا فيه العمود الرئيسي.
أضاف التقي أن الموقع الذي اتخذته تركيا، في الوضع الإقليمي، سيعني إمكانية الوصول إلى توافقات في ما يتعلق بقضية شرق الفرات، وستكون تركيا قادرة على تحقيق تقدّم ملحوظ على مختلف المستويات، سواء في غرب الفرات أو شرق الفرات، أو في ما يخص المسألة الكردية. وتوقّع التقي أن تجري تبدلات جديدة، نتيجة انهيار توافقات آستانة، والتوافقات في القدس التي تمت بين هذه القوى، وستلعب تركيا دورًا إستراتيجيًا كبيرًا، لكن بحذر، لأنها تتجنّب الانخراط في حروب مباشرة.
تطرقت الندوة إلى تأثير الهجمات العسكرية الإسرائيلية على نقاط إيرانية في سورية وجنوب لبنان، وتأثير ذلك على نفوذ إيران مستقبلًا. وقال التقي إن إسرائيل لن تقبل بعد الآن بالوجود الإيراني في لبنان، وأن تبقى السكين الإيرانية على رقبتها، وسيتم التمهيد لحل هذا الأمر بأشكال مختلفة، وسيكون الحل عسكريًا في المرحلة الأولى، وبعد انتهاء حرب غزة واستقرار الوضع، وتبلور التحالفات، لن تُبقي إسرائيل الوضع القائم في لبنان وسورية على ما هو عليه.
اهتمت الندوة بمناقشة إمكانية حدوث تطبيع بين تركيا والنظام السوري، والتداعيات المحتملة. وأوضح التقي أن العلاقات الدبلوماسية، بين دولة وأخرى، لا علاقة لها بالمواقف السلبية أو الإيجابية من النظام في هذا البلد، وأن اعتراف الدول الخارجية بأي دولة مرتبطٌ بحجم سيطرتها على أراضيها، وبالتالي فإن وجود تواصل بين تركيا والنظام السوري لا يعني أي تبدّل في الخطط والسياسات، ولا يمكن تسميته تطبيعًا بالمعنى الحقيقي للكلمة، والدليل على ذلك أن معظم الدول التي عملت على إعادة العلاقات مع النظام قامت بسحب شركاتها من سورية، لأنها لم تستطع العمل ضمن محددات البيئة الاقتصادية للنظام السوري.
في ختام الندوة، جرى نقاش مفتوح بين المتحدث والحضور، أجاب خلاله عن أسئلتهم ومداخلاتهم.
يمكن متابعة البث المباشر للندوة على صفحة مركز حرمون للدراسات، عبر الرابط التالي:
https://www.facebook.com/HarmoonCenter/videos/642248024660608/

