استضاف مركز حرمون للدراسات المعاصرة، يوم السبت 27 تموز/ يوليو 2024، السيد مراد يشيل تاش، رئيس قسم دراسات السياسات الخارجية في مركز (سيتا)، في ندوة حوارية بعنوان “مسار التطبيع بين تركيا والنظام السوري”، أدارتها أسماء صائب أفندي، مديرة منتدى حرمون الثقافي في إسطنبول.
جاءت الندوة في ظلّ التطورات السياسية والدبلوماسية الأخيرة بين تركيا ونظام الأسد، التي أثارت قلق السوريين في تركيا ومناطق الشمال السوري. وقد ناقشت الندوة محاور رئيسية عدة، منها موقف نظام الأسد من التطبيع مع تركيا، والوضع الاجتماعي للاجئين السوريين في تركيا، والتأثيرات الإقليمية والدولية في مسألة التطبيع.

في بداية الندوة، أكّد يشيل تاش أن تركيا لن تعيد علاقاتها مع سورية إلى ما قبل عام 2013، مشيرًا إلى أن المشكلة الرئيسية تكمن في الحفاظ على وحدة الأراضي السورية. وأضاف أن هناك العديد من الخطوات التي يجب اتخاذها لتحسين العلاقات، مؤكدًا أن ما يجري لا يمكن تسميته “تطبيعًا” بل هو “مسار” لإعادة هيكلة العلاقات مع دول المنطقة.
وفي ما يتعلق بالإطار القانوني لهذا المسار، أشار يشيل تاش إلى أن القرار الأممي 2254 يمثل المرجعية الرئيسية لتركيا في إعادة العلاقات مع النظام السوري، إلا أن هناك إمكانية لتغيير هذا القرار في المستقبل لمصلحة السوريين، “لأن الأمم المتحدة التي اتخذت هذه القرارات لم تطبق أي منها، ويمكن أن تكون هناك مرجعيات جديدة تكون لمصلحة الشعب السوري”.
وتطرّقت الندوة إلى تسارع العلاقات الدبلوماسية بين تركيا والنظام السوري من دون التوصل إلى أي نتائج، وإلى مستقبل المعارضة السورية بجناحيها السياسي والعسكري، ومستقبل اللاجئين السوريين على الأراضي التركية، إذا تمت إعادة العلاقات بين تركيا والنظام السوري.
وحول مصير المعارضة السورية واللاجئين في تركيا، أكد يشيل تاش ضرورة إشراك السوريين في مسار إعادة العلاقات، سواء أكانوا على الأراضي التركية أم في مناطق الشمال السوري. وشدد على أهمية استشارة المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري، والأخذ بآرائهم. وفي ما يخص إعادة اللاجئين السوريين، أوضح يشيل تاش أن هذا الأمر معقّد للغاية، مؤكدًا أن تركيا لن تسمح بعودة السوريين دون ضمانات قطعية من النظام السوري ودون تحقيق الاستقرار السياسي.
وأوضح يشيل تاش أن الأمر معقّد جدًا وليس سهلًا بالنسبة إلى تركيا وإلى سورية، لذلك يجب تصميم المسار (إعادة العلاقات مع الأسد) بشكل صحيح، ووضعه في موضعه. وأضاف أن هذا المسار يمكن أن يكون طويلًا ويحتاج إلى الصبر نوعًا ما، لأن هذه التصورات لا يمكن حلّها إلا على المدى الطويل. وشدد على أنه لا يجب على أي من الأطراف رفع سقف توقعاتهم بشكل كبير جدًا.
وأضاف يشيل تاش أن هناك احتمالًا لوضع حل شامل تسعى إليه تركيا للقضية السورية، غير أن هناك بعض العقبات السياسية، لتعدّد اللاعبين في الملفّ السوري، مما يجعل الأمر يحتاج إلى وقت طويل. وأكّد أهمية إشراك السوريين الموجودين على الأراضي التركية أو في مناطق الشمال السوري، في مسار إعادة العلاقات بين تركيا والنظام السوري، لضمان نجاح هذه الاستراتيجية. وأشار إلى أن الأمر ذاته ينطبق على المعارضة السورية، بشقيها السياسي والعسكري، مؤكدًا ضرورة أن تقوم الحكومة التركية بإدارة هذا المسار، بالتشاور معهم والأخذ بآرائهم.
وفي محور متصل، تطرقت الندوة إلى العديد من القضايا الحساسة، ومن أبرزها مسألة إعادة السوريين قسرًا إلى بلادهم، حيث أثار هذا الموضوع مخاوف كبيرة لدى السوريين، ولا سيّما أن غالبية اللاجئين هم من المعارضين لنظام الأسد، مما قد يعرضهم لمخاطر جمة في حال عودتهم.
وفي هذا السياق، أوضح يشيل تاش أنه من الصعب تنفيذ عملية إعادة قسرية لنحو 3 ملايين سوري. وعلى الرغم من وجود رغبة لدى بعض السوريين في العودة، فإنّ الوضع الراهن لا يسمح بذلك؛ فالعديد من اللاجئين فقدوا بيوتهم وممتلكاتهم، وهناك عمليات توطين لأسر من إيران في منازل المهجّرين السوريين.
وشدد يشيل تاش على أن أي قرار يُتّخذ بشأن عودة اللاجئين يجب أن يقدّم ضمانات قوية من النظام السوري. ومع ذلك، أعرب عن شكوكه في مصداقية أي ضمانات قد يقدّمها النظام. وأكد أن تركيا لن تسمح بعودة السوريين أو بالتطبيع دون الحصول على ضمانات قطعية من النظام السوري، وإعادة الوضع إلى طبيعته، وتحقيق الاستقرار السياسي والأمني في جميع المجالات.
وفي سياق متصل، تطرقت الندوة إلى مواقف الدول الفاعلة في الملف السوري، لا سيما الولايات المتحدة وروسيا وإيران. وأشار يشيل تاش إلى أن القضية السورية ليست مركزية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، مستبعدًا أن يكون هناك تأثير كبير لنتائج الانتخابات الأميركية القادمة، في المسار التركي-السوري.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة لا ترغب في خسارة تركيا لصالح روسيا، مما قد يؤدي إلى مفاوضات ومباحثات بين البلدين. ومع ذلك، لم يستبعد يشيل تاش إمكانية فرض عقوبات أميركية على تركيا، بسبب التطبيع، لكنه أكد أن ذلك لن يؤثر في تركيا، لأنها تجاوزت هذه المرحلة.

وتطرّقت الندوة أيضًا إلى تصريحات الرئيس أردوغان تجاه النظام السوري، في حين إن النظام السوري يتحدث بنبرة عالية ومختلفة، على الرغم من أنه يعيش حالة ضعف وفقًا للتقارير. وفي هذا السياق، أشار يشيل تاش إلى وجود بعض الأمور النفسية التي ترغب تركيا في تجاوزها، مستشهدًا بتجربة إعادة العلاقات مع مصر التي بدأت بمصافحة بين أردوغان والسيسي، في أثناء بطولة كأس العالم في قطر 2022.
ولفت يشيل تاش إلى أن نبرة النظام السوري بدأت تنخفض نوعًا ما، معللًا ذلك برغبته في التقارب مع تركيا للحصول على شرعية دولية أوسع. وتوقّع أن تكون هناك مطالب أكثر معقولية في الفترة القادمة، مشيرًا إلى إدراك بشار الأسد لصعوبة تحقيق بعض الشروط، مثل انسحاب القوات التركية من الأراضي السورية. في المقابل، أكد أن الشرط الأساسي لتركيا هو ضمان أمن المنطقة وحماية حدودها من أي انتهاكات.
وختم يشيل تاش بالتأكيد أن تركيا ستُنهي هذا المسار (التطبيع أو إعادة العلاقات مع النظام السوري) بشكل كامل، إذا رأت أن النظام السوري يماطل أو يتلاعب لكسب الوقت، مشددًا على ضرورة سير العملية بشكل منطقي ومتوازن.
شهدت الندوة تفاعلًا كبيرًا من الحضور، حيث طُرحت العديد من الأسئلة المتعلقة بمستقبل التقارب بين تركيا والنظام السوري وتداعياته على السوريين، داخل سورية وخارجها. وقد أثارت هذه الأسئلة نقاشات مهمّة حول مختلف جوانب هذا الموضوع الحساس.

للاطلاع على الندوة كاملة، يمكنكم مشاهدة التسجيل المصوّر من خلال الرابط: https://tinyurl.com/2yhy4xsj

