استضاف مركز حرمون للدراسات المعاصرة، يوم الأحد 11 آب/ أغسطس 2024، الكاتب والباحث الفلسطيني معين الطاهر، والقيادي في حركة (فتح) أحمد غنيم، في ندوة حوارية بعنوان (قراءة في تطورات المشهد الإقليمي بعد اغتيال إسماعيل هنية)، أدارتها أسماء صائب أفندي، مديرة منتدى حرمون الثقافي في إسطنبول.
ناقشت الندوة محاور رئيسية عدة، أبرزها تبعات أحداث السابع من أكتوبر وتأثيراتها في المنطقة، والتداعيات الإقليمية المترتبة على اغتيال إسماعيل هنية، ومستقبل العلاقة بين حركة حماس وإيران، وأسباب فشل المجتمع الدولي في مواجهة العنف والحدّ من تصاعد الأعمال الوحشية في غزة، وتناولت محاور أخرى ذات صلة بالتطورات الجارية والصراع المستمر في قطاع غزة والمنطقة.
في بداية الندوة، تطرق المشاركون إلى التغيرات التي طرأت على الشرق الأوسط بعد 7 أكتوبر، حيث أشار معين الطاهر إلى أن “طوفان الأقصى” كان لحظة فارقة في التاريخ الفلسطيني، إذ أعاد القضية الفلسطينية إلى الواجهة، بعد أن كادت تصل إلى حد التصفية. ووصف الطاهر الصمود الفلسطيني خلال 11 شهرًا من القتال بأنه مفاجأة للإسرائيليين، لكنه أبدى أسفه إزاء المعاناة الإنسانية وعجز العالم العربي عن الضغط لإدخال المساعدات إلى غزة.
وقال الطاهر: “قبل 7 أكتوبر، كانت القضية الفلسطينية توشك أن تقترب من الوصول إلى حد التصفية، خصوصًا بعد التطبيع العربي والاتفاقيات الإبراهيمية، فجاء (طوفان الأقصى) بمثابة لحظة فارقة للتاريخ الفلسطيني، وأعاد من جديد للقضية الفلسطينية وهجها، وأعاد تشكيل القضية الفلسطينية كقضية مركزية حاضرة في ذهن الفلسطينيين أو على الصعيد الدولي في كل شيء”.
وأضاف: “المفاجأة الأكبر كانت ما بعد طوفان الأقصى، وهي الصمود الفلسطيني منذ 7 أكتوبر الماضي ولمدة 11 شهرًا من القتال وحرب الإبادة الجماعية، ولم يستطع الجيش الإسرائيلي حتى الآن السيطرة على غزة، وهذا بحد ذاته مفاجأة للإسرائيليين. ولكن الشيء المحزن هو المعاناة الإنسانية، وعجز العالم العربي عن الضغط لإدخال شاحنة مساعدات، وما يجري هو كارثة حقيقية على مستوى الضمير العالمي، أمام الكارثة الحقيقة والإبادة الجماعية في قطاع غزة”.

وفي ما يخص تداعيات اغتيال هنية، رأى الطاهر أن اغتيال إسماعيل هنية في إيران، وقبله بساعات قليلة اغتيال “السيد فؤاد شكر” القيادي العسكري في حزب الله في بيروت، ليس محض صدفة، وهذا يعني أن “هناك تصعيدًا إسرائيليًا كبيرًا باتجاه جرّ المنطقة نحو حرب إقليمية”. ولفت النظر إلى أن “رئيس الوزراء الإسرائيلي حاول كثيرًا أن يجرّ الولايات المتحدة إلى حرب ضد إيران، لكن إيران وأميركا متفقتان على عدم الانجرار إلى مواجهة مباشرة. وبالمقابل هناك مشروع إيراني في المنطقة قائم على استخدام أذرع إيران في الصراعات الدائرة في المنطقة، ومنها الصراع مع إسرائيل”.
وأضاف أن الموقف الإيراني ما زال متأرجحًا بين الرد وتجنّب الانجرار إلى حرب شاملة، متوقعًا أن رد إيران لن يكون سريعًا، في حين إن ردّ حزب الله قد يكون أسرع. وتناولت الندوة أيضًا اختيار يحيى السنوار رئيسًا للمكتب السياسي لحركة حماس خلفًا لإسماعيل هنية، ومدى تأثير هذا الاختيار في عملية المفاوضات وتبادل الأسرى.
وفي هذا الجانب، أكّد القيادي في حركة (فتح) أحمد غنيم أن “حركة حماس تمتلك بنية مؤسساتية صلبة وقوية في اختيار قيادات الحركة، وأن مصير الحركة -كغيرها من حركات التحرر في العالم- لا يرتبط باغتيال قائد أو غياب قائد من هذه الحركة”. وأضاف: “خلال الحرب الإسرائيلية الحالية، لا تزال حركة حماس قادرة على إدارة منظومة القيادة والتحكّم”.
ناقش المشاركون أيضًا مسألة فشل المؤسسات الدولية في التعامل مع الأزمة والصراع الدائر في فلسطين، ورأى معين الطاهر أن موازين القوى هي التي تحكم الإطار الدولي، مشيرًا إلى عدم التزام إسرائيل بقرارات مجلس الأمن. ودعا إلى إعادة بناء المنظومة الأخلاقية والضمير الإنساني، بعيدًا عن موازين القوى والمصالح السياسية.
وقال الطاهر موضحًا: “لاحظنا صدور قرارات عديدة من مجلس الأمن، آخرها قرار وقف إطلاق النار، لكن الكيان الصهيوني لم يلتزم بها، وهناك أيضًا قرارات كثيرة تحدثت عن إبادة جماعية وتمييز عنصري، ولكن بالنتيجة هناك موازين قوى تتحكم في ذلك المسار”. وأضاف: “لا شك أن الضغط الدولي والحراكات التي تحدث في شوارع أوروبا وشوارع أميركا من شأنها أن تؤثر، ولكن هذا يحتاج إلى نضال على مدى بعيد، حتى نستطيع أن نعيد بناء المنظومة الأخلاقية”.
من جانبه، قدّم أحمد غنيم نظرة تاريخية لتطور النظام الدولي، مشيرًا إلى أن الأمم المتحدة جاءت لتنظيم فائض القوة وليس لإنهائه. وأضاف أن العالم يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب، وأن الأمم المتحدة أمام خيارين: إما التغيير عبر حرب عالمية ثالثة، وإما التغيير السلمي بقيادة حكماء العالم.
وقال غنيم موضحًا: “ما قبل عصبة الأمم في الحرب العالمية الثانية، ما كان يحكم العالم هو (فائض القوة)، ومن لديه فائض قوة بإمكانه أن يحتل أي دولة يريدها، ولكن العالم اكتشف أنه لا يستطيع أن يستمر بهذا الشكل، فأنشأ عصبة الأمم للخروج من مفهوم فائض القوة، ولكن عصبة الأمم لم تصمد، فانهارت أمام مسألة فائض القوة، وبعدها تم إنشاء النظام الدولي الجديد (الأمم المتحدة) التي أنشأت بدورها مجموعة من المؤسسات (محاكم دولية ومحاكم حرب الخ..)، وكلها أنشأها الغرب لمعاقبة خصومه وأعدائه، وليس لتحقيق العدالة. فالخلل في الأمم المتحدة كان منذ لحظة بنائها، أي أن عصبة الأمم جاءت لمعالجة موضوع فائض القوة، بينما الأمم المتحدة جاءت لتنظيم فائض القوة ولم تعمل على إنهائه، وأعطت خمس دول انتصرت في الحرب العالمية الثانية حقّ الفيتو، ورمت باقي الدول خارج هذا القانون”.

وأشار إلى أن “العالم يتجه إلى عالم متعدد الأقطاب، ولا أحد يعرف شكله تمامًا، هل هو شكل من أشكال الاستعمار الجديد؟ ومن ثم فإن الأمم المتحدة أمام خيارين: إما أن تتغير كنظام دولي بحرب عالمية ثالثة تنتج نظامًا دوليًا جديدًا، وإما أن يكون في بيت العالم حكّام رشيدون يغيّرون النظام الدولي بدون حرب عالمية ثالثة”.
اختُتمت الندوة بتأكيد المشاركين على أهمية متابعة التطورات الإقليمية والدولية وتأثيراتها في القضية الفلسطينية والوضع في المنطقة ككل. ولاقت الندوة ترحيبًا واسعًا من الحضور الذين شاركوا في المناقشة وطرح الأسئلة، وأثرى التفاعل بين المتحدثين والجمهور النقاشَ حول القضايا المطروحة، مما عكس الاهتمام الكبير بالتطورات الإقليمية والدولية وتأثيراتها في القضية الفلسطينية.
يمكن متابعة الندوة كاملة عبر الرابط الآتي: https://www.youtube.com/watch?v=93fdJiO14DU

