عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة في إسطنبول، يوم السبت 10 أيار/ مايو 2025، ندوة حوارية بعنوان “الاعتداءات الإسرائيلية على سورية.. أهدافها وخيارات مواجهتها”، بمشاركة الدكتور مأمون أبو عامر، أستاذ جامعي ومحلل سياسي مختص بالشؤون الإسرائيلية، والعقيد أحمد حمادة، خبير عسكري واستراتيجي، وأدارتها أسماء صائب أفندي، مديرة منتدى حرمون الثقافي.
أشار الدكتور مأمون أبو عامر إلى أن سورية ظلّت هدفًا استراتيجيًا في قلب الصراعات الإقليمية والدولية منذ عقود، نظرًا لموقعها الجيواستراتيجي بين اللاذقية والعريش، وهي منطقة شهدت صراعات الحضارات عبر التاريخ. واستذكر دراسة قرأها عام 1981 في صحيفة “الشعب” المصرية، تحدثت عن تقسيم سورية، مما يعكس وجود خطط طويلة الأمد لتفتيتها.

وربط أبو عامر أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 في غزة، بالتطورات في سورية، معتبرًا أن هجوم “طوفان الأقصى” لم يكن موجّهًا لغزة فقط، بل كان حدثًا خلق ظروفًا مهّدت لتغيير المشهد في سورية، لا سيما دخول دمشق في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024. وأوضح أن هذا الحدث شكّل صدمة للنظام العالمي، وليس لإسرائيل فقط، إذ أعاد صياغة الرؤية الاستراتيجية في المنطقة، مع قرار إسرائيلي-أميركي بحسم المشهد عبر تأديب غزة وسورية.
وكشف أبو عامر عن تفاصيل مثيرة حول أحداث 7 أكتوبر، مشيرًا إلى أن إسرائيل نفّذت إجراءات “هانيبال”، التي تتضمن قتل الأسرى الإسرائيليين مع المهاجمين لمنع أسرهم، ممّا أدى إلى مقتل مئات الإسرائيليين بنيران جيشهم. وأكد أن إسرائيل استهدفت سورية بعد ذلك، لمنعها من تشكيل تهديد مستقبلي، عبر تدمير الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، مع تركيز على مراكز البحوث العلمية.
وعن الأهداف الإسرائيلية طويلة الأمد، أشار أبو عامر إلى جدل داخل مراكز البحث الإسرائيلية بين تقسيم سورية أو دعم سلطة مركزية ضعيفة يمكن السيطرة عليها. وأوضح أن إسرائيل تسعى حاليًا لإقامة منطقة عازلة موسّعة في الجولان، تمتد لنحو 400 كيلومتر، مع التركيز على السيطرة على جبل الشيخ لأهميته الاستراتيجية. ولفت النظر إلى وجود خطة لتحويل الدروز في السويداء إلى “درع بشري”، عبر تهجيرهم إلى مناطق حدودية، لامتصاص أي هجمات مستقبلية، على غرار نموذج جنوب لبنان.
من جانبه، استعرض العقيد أحمد حمادة السياسة الإسرائيلية تجاه سورية من منظور عسكري، مشيرًا إلى أن إسرائيل استغلت ضعف الدولة السورية بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الثاني/ يناير 2025، لتدمير بنيتها العسكرية. وأوضح أن إسرائيل قصفت نحو 500 هدف عسكري، شملت صواريخ استراتيجية، ومنظومات دفاع جوي، ورادارات، بهدف منع أي تشكّل قوة عسكرية في جنوب دمشق.

وأشار حمادة إلى أن إسرائيل، بقيادة نتنياهو واليمين المتطرف، تسعى لتفتيت سورية على أسس عرقية ودينية، تحت ذريعة حماية الأقليات، خصوصًا الدروز، لتبرير تدخلاتها، لكنه أكد أن الدروز رفضوا هذه الخطة، مشيرًا إلى أن الفكرة الإسرائيلية لإقامة كيان درزي في جنوب سورية غير قابلة للتطبيق، ديموغرافيًا وجغرافيًا.
وأوضح أن إسرائيل تهدف إلى إقامة منطقة جيواستراتيجية خالية من أي قوة عسكرية في جنوب سورية، مع احتلال جبل الشيخ، وتوسيع المنطقة العازلة إلى 65 كيلومترًا من دمشق إلى السويداء. وأكد أن إسرائيل تستخدم القوة الجوية بشكل رئيسي، لكنها تتجنب التقدّم البري، بسبب وجود أسلحة متطورة مضادة للدروع، مثل صواريخ “كورنيت” التي تشكل تهديدًا كبيرًا.
وفي ما يتعلق بخيارات المواجهة، أكّد حمادة أن شكل المعركة تغيّر، مشيرًا إلى أن المقاومة الشعبية أثبتت فعاليتها في مواجهة جيوش نظام الأسد وداعميه على مدى 14 عامًا. وأشار إلى أن الشعب السوري قادر على مواجهة إسرائيل، بأسلحة بسيطة مثل المسيّرات، كما حدث في هجمات يمنية استهدفت إسرائيل.
وأوصى بتعزيز منظومات الدفاع الجوي عبر دعم دولي، وإقامة استحكامات دفاعية في المناطق الحدودية، ودعا إلى العودة لاتفاقية فصل القوات لعام 1974 كحلّ مؤقّت لتجنّب الحرب، مع التركيز على إعادة الإعمار وتلبية احتياجات الشعب السوري.
من جهته، أشار أبو عامر إلى أن إسرائيل تسعى لفرض هيمنتها على النظام السوري الجديد، مستغلة هشاشته الاقتصادية والعسكرية، لكنه أكد أن أي تفاهم مع إسرائيل سيظل صعبًا، ما دامت تحتل الجولان، وأشار إلى وجود مفاوضات غير مباشرة بوساطة أذربيجانية بين إسرائيل وتركيا، لتخفيف التوتر، لكن إسرائيل تظل حذرة من طموحات تركيا الإقليمية.
واختتمت الندوة بتأكيد المتحدثين أن إسرائيل تسعى لمنع سورية من تشكيل تهديد مستقبلي، عبر تدمير قدراتها العسكرية واستغلال الأقليات لخلق مناطق عازلة.

ومع ضعف الدولة السورية حاليًا، تبقى الخيارات محصورة بين مقاومة شعبية مدعومة بأسلحة حديثة، وتفاهمات دولية عبر وسطاء عرب وأجانب لتحقيق استقرار مؤقت، مع التركيز على إعادة الإعمار وحماية النسيج الاجتماعي السوري.
يمكن متابعة الندوة كاملة من خلال الرابط: https://www.facebook.com/share/v/18x8rGveDi/

