المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرةالمركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة
  • عن المركز
    • من نحن
    • معايير النشر
    • فريق العمل
    • بروشور المركز
  • منشورات
    • أبحاث
    • تقارير
    • تحليل سياسات
    • تقدير موقف
    • تقييم حالة
    • ترجمات
  • نشاطات
    • مؤتمرات
    • أخبار المركز
  • منتدى حرمون الثقافي
    • ندوات
    • لقاء خاص
  • مجلة قلمون
    • العدد الحالي
    • العدد القادم
  • حوارات السوريين
    • مشروع الحوار
    • مخرجات الحوار
    • مقالات حول الحوار
    • تسجيلات الحوار
  • الميديا
    • خرائط تحليلية
    • مكتبة الانفوغراف
    • مكتبة الفيديو
×
المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرةالمركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة
بحث
  • عن المركز
    • من نحن
    • معايير النشر
    • فريق العمل
    • بروشور المركز
  • منشورات
    • أبحاث
    • تقارير
    • تحليل سياسات
    • تقدير موقف
    • تقييم حالة
    • ترجمات
  • نشاطات
    • مؤتمرات
    • أخبار المركز
  • منتدى حرمون الثقافي
    • ندوات
    • لقاء خاص
  • مجلة قلمون
    • العدد الحالي
    • العدد القادم
  • حوارات السوريين
    • مشروع الحوار
    • مخرجات الحوار
    • مقالات حول الحوار
    • تسجيلات الحوار
  • الميديا
    • خرائط تحليلية
    • مكتبة الانفوغراف
    • مكتبة الفيديو
تابعنا
جميع الحقوق محفوظة لمركز حرمون للدراسات © 2023

العَلمانية المهاجِرة وتعسُّر محاولات التوطين العلماني (المجتمعات السورية السنّية ومزايا علمانية الدولة)

حمزة رستناوي

حمزة رستناوي

نشر في 28 تشرين الثاني/نوفمبر ,2023
مشاركة
مشاركة

تنويه:
كُتِب هذا المقال بطلب من إدارة برنامج “حوارات السوريين”، وبمناسبة مشاركة الكاتب في جلسة حوارية لمناقشة موضوع “العلاقة بين الدين والدولة”. وهو يعبّر عن رأي الكاتب وموقفه من الموضوع.

رئيس التحرير
…………………………….

هذه ليست دراسة بحثيّة، إنما هي مقالة طويلة نسبيًّا، يختلط فيها الذاتي بالموضوعي، وتختلط فيها التأملات الهادئة بالرغبات والحِجاج المنطقي – السياسي للأفكار.

المحتويات:

أولًا- في أسباب قصور الخطاب العلماني العربي

ثانيًا- في ضرورة العَلمانية وضبط مقاصدها

ثالثًا- هل العَلمانية تناسب الإسلام؟

رابعًا- مَن أصحاب المصلحة في العَلمانية؟

خامسًا- في موقف الأقليّات الدينية في سورية من العلمانية

سادسًا- في موقف الأكثرية السنّية في سورية من العلمانية

إن أيّ مفهوم سياسي نظري هو نتاج صيرورة تاريخية تُؤثّر وتتأثر بالأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للمجتمع. تنتقل المفاهيم السياسية عبر سياقات جغرافية وزمنية مُختلفة، بما قد يُساعد في تبييئها وخلق حيوات مُختلفة لها، وبما قد يؤدي إلى تطويرها أو تهميشها في حالات أخرى. منذ تداول العَلمانية عربيًا، في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كان تلقّي النُخب والمجتمعات العربية الإسلامية لها إشكاليّا، مع غلبة الاتجاهات التي تقول بعدم مناسبتها لمجتمعاتنا، وتراها من أسلحة (الغزو الفكري) التي استخدمها الغرب الاستعماري في إضعاف المجتمعات العربية الإسلامية. هيمنت الأشكال والتفسيرات الجوهرانية المُؤدلجة للعلمانية على النقاشات المجتمعية والسياسية، من جهة دُعاة العلمانية، ومن جهة خصومهم الإسلاميين كذلك، حيث عُدّت العَلمانية عقيدة دنيوية سياسية مقابل العقيدة الدينية الإسلامية إلى حدّ كبير. عمومًا، يمكن تفسير وتفهُّم قصور النقاش العام حول العلمانية عربيًا، بربطه بالنقاط التالية:

أولًا- عدم تقديم العلمانيين العرب لنماذج إيجابية تُقنع الناس بجدوى النظام العلماني في الحكم؛ فقد ارتبطت العَلمانية في أذهان عموم الشعوب العربية بالنُظم الاستبدادية والظلم، ولم ترتبط بالدولة الديمقراطية الحديثة والحقوق المدنية.

ثانيًا- عدم تقديم العلمانيين العرب لنماذج إيجابية في ما يخصُّ احترام الدولة للحرّيات الدينية، ومبدأ حياديّة الدولة تجاه عقائد مواطنيها.

ثالثًا- استحضار النموذج الاستعماري، حيث ارتبطت العَلمانية بالحقبة الاستعمارية. الدول المُستعِمرة هي دول علمانيّة، وقد حاولت هذه الدول فرض نفوذها ومقاومة حركات التحرر الوطنية، بتسخيف عقيدة الشعب بمبرّرات العَلمانية، وقد نشأ عن ذلك ربط شرطيّ بين الاستعمار الغربي والعَلمانية، حيث أصبحت العَلمانية من مُستلزمات الاستعمار والهيمنة الإمبريالية.

رابعًا- ارتباط العَلمانية بالفكر والأحزاب والنُظم الشيوعية، حيث قدّمت هذه الأحزاب ومثقّفوها نماذج مدَّعية للعلمانية تسخّف مُعتقدات المجتمع في حالات كثيرة، وصوّرت نفسها قوًى تقدّمية علمية حضاريّة، مقابل الثقافة المجتمعيّة الدينية المتخلّفة من وجهة نظرهم.

خامسًا- وجود خطابات عنصرية أقلّوية طائفية، بلبوس عَلماني مخادع، ونجد ذلك عند من يستسهلون انتقاد الإسلام السياسي السنّي، ويُبرِّرون أو يؤيدون مجازر السلطة السورية وضرورة الاستبداد العلماني، أو يسكتون عنها، وعند فئة أخرى من المثقفين تدّعي لنفسها وطائفتها أفضليّة علمانية على غيرها بالفطرة. وهنا، ينبغي التمييز بين العقيدة الدينية بحدّ ذاتها، وبين العصبيّة الاجتماعية السياسية المستندة إلى العقيدة الدينية.

سادسًا- تشويه الخطاب الديني الإسلامي (السنّي والشيعي) للعَلمانية وشيطنتها؛ فالخطاب الديني الشعبي، وكذلك معظم تيارات الإسلام السياسي، يصف العَلمانية بالكفر، ويصف الفرد العلماني بالكافر أو الملحد، ويحاول ربط العَلمانية بما يُسمّى (الانحلال الأخلاقي والشذوذ).

ثانيًا- في ضرورة العَلمانية وضبط مقاصدها

بغض النظر عن الاختلافات في بعض التفاصيل، يمكن تعريف العَلمانية -كمصطلح مُستقر في علم السياسة- بصيغ مُختلفة تؤكد الفكرة نفسها، ويكمّل بعضها بعضًا، منها: الفصل ما بين السلطة الدينية والسلطة السياسية؛ حياديّة الدولة تجاه عقائد وأديان مواطنيها؛ تكامل العلمانية مع المواطنة المتساوية والديمقراطية وحقوق الإنسان؛ إجراء وترتيب مفيد لمنع استغلال الدين من قبل السياسيين؛ احترام الدولة لمبدأ حرية الاعتقاد، وعدم تدخلها في ممارسة الشعائر الدينية للمواطنين.

عربيًا، يمكن تلمّس تعريف مفيد للعلمانية، في قول الشيخ محمد عبده “لا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين”، وكذلك في مقولة الزعيم الوطني المصري سعد زغلول: “الدين لله، والوطن للجميع”، وهو الشعار الذي أعيد طرحه في بيانات الثورة السورية الكبرى 1925.

عالميًّا- لم ينطلق المنظّرون الأوائل للعلمانية في أوروبا وأميركا من موقف العداء للدين، حيث وجدوا في العلمانية تنظيمًا وترتيبًا يُحقق الصالح العام ويخدم استقرار مؤسسات الدولة. ويشرح الكاتب البريطاني جورج هوليوك 1851 هذه الفكرة، بالقول: “لا يمكن أن تُفهم العلمانية بأنها ضدّ المسيحية، هي فقط مُستقلة عنها”1.

ويعرض توماس جيفرسون الرئيس الأميركي الثالث الفكرة نفسها: “إن الإكراه في مسائل الدين أو السلوك الاجتماعي هو خطيئة واستبداد، وإن الحقيقة تسود إذا ما سُمح للناس بالاحتفاظ بآرائهم وحرية تصرفاتهم”، وقد جاء تصريح جيفرسون هذا لوسائل الإعلام، بعد أن استعمل حقّ النقض عام 1786 ضد اعتماد ولاية فيرجينيا للكنيسة الأنغليكانية كدين رسمي2.

ثالثًا- هل العَلمانية تُناسب الإسلام؟

ثمّة رأي شائع يقول بعدم مُناسبة مبدأ العَلمانية للإسلام، لكون الإسلام يختلف جذريًّا عن المسيحية، من جهة أن الإسلام هو دين سياسي منذ بداياته، ولذلك لا يمكن فصله عن السياسة.

في مناقشة هذه الفكرة، يمكن التأكيد أنّ ظروف نشأة الإسلام تاريخيًّا تختلف عن ظروف نشأة المسيحية، ولكن بعد ذلك بقليل تحوّل الإسلام والمسيحية كلاهما إلى دين رسمي لدول كثيرة متعاقبة ومتزامنة، ويمكن تفهُّم ذلك، لكون طبيعة الدولة في القرون الوسطى كانت عائلية أو دينية أو قبلية-عرقية، ولم يكن مفهوم الدولة الحديثة قد ظهر بعد.

مثلما استُخدم الدين المسيحي في الصراعات البينية بين الملوك المسيحيين، كذلك استُخدم الدين الإسلامي في الصراعات البينية بين الزعامات السياسية المسلمة، وقد بدأ هذا باكرًا في معركة الجمل، بين السيد عائشة وطلحة والزبير وعلي بن أبي طالب، وكذلك في معركة صفين، ثمّ حروب الخوارج وصولًا إلى الصراع السنّي الشيعي.

 ومثلما استُخدمت المسيحية كعقيدة لقتال المسلمين (الكفار) عبر التاريخ، كما في ما يُسمّى بالحروب الصليبية وقبلها وبعدها، كذلك استُخدمت عقيدة الجهاد الإسلامية في قتال الممالك والإمارات المسيحية (الكافرة)، في حالة ما يُسمى بالفتوحات الإسلامية وما بعدها.

ومثلما استُخدمت محاكم التفتيش لقتل وتعذيب المعارضين للكنيسة وقتل المفكّرين المنشقين عن الكنيسة والعلماء في أوروبا، أمثال غاليليو، جيرانو برونو، كوبرنيكوس، كذلك استُخدم ما يُسمى بحد الردة وتُهم الزندقة، لترهيب وقتل المفكرين المنشقين والعلماء في العالم الإسلامي، وعلى سبيل المثال لا الحصر، نُذكِّر بابن رشد، الفارابي، ابن سينا، ابن الهيثم، جابر بن حيان، ابن المقفع.. الخ.

ثمة رأي شائع يقرنُ العَلمانية بالإلحاد أو (الانحلال الأخلاقي والشذوذ)، وفي ذلك يمكن تبيان أن العَلمانية سياسيًّا لا تتبنّى موقفًا مُعيّنًا من الالتزام الديني للأفراد، فهي موضوع يخصّ الدولة وطريقة إدارتها بالشكل الأنسب. ويمكن أن يكون الشخص مُسلمًا ملتزمًا وعلمانيًّا في آن معًا، بمعنى أنه يقبل بفصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية. فالعَلمانية لا تتدخل في خيارات الإيمان الشخصي، وخير مثال على ذلك أن المسلمين في البلاد الغربية يتمتّعون بمساحة كبيرة للتعبير عن عقائدهم وآرائهم وممارسة شعائرهم، وربّما هي أوسع من المساحة المتاحة في كثير من البلاد العربية والإسلامية، حيث يوجد كثير من الجمعيات الإسلامية التي تمارس نشاطات التبشير الإسلامي في البلاد الغربية نفسها، وهي محميّة تحت سقف قانون الدولة العلمانية!

رابعًا- مَن أصحاب المصلحة في العَلمانية؟

في الهند وبورما والصين، مثلًا، يوجد أقليّات مُسلمة تخضع للاضطهاد والتهميش بناءً على انتمائها الديني. هل المسلمون الهنود أو البورميون أو الصينيون أصحاب مصلحة في علمانية الدولة الهندية أو البورمية أو الصينية مثلًا؟! أليست علمانية الدولة -بمعنى عدم التمييز بين مواطنيها على أساس الدين- هي الحلّ!

وفي الولايات المتحدة وكندا وغرب أوروبا، تعيش جاليات مُسلمة كبيرة في ظلّ نُظم ديمقراطية علمانية، أليس المُسلم الأميركي والكندي والبريطاني والألماني صاحب مصلحة حقيقية في الحفاظ على علمانية الدولة، لتجنب عواقب التمييز وسيطرة اليمين المتطرف (ذي التوجهات القومية-المسيحية) على مقاليد الدولة!

في إيران والعراق، يخضع المُسلمون السُنّة لحالة اضطهاد وتهميش من قبل السلطات الحاكمة ذات الأيديولوجيا الشيعية، أليس من مصلحة المسلمين السنّة في إيران والعراق -مثلًا- قيام دولة عَلمانية تساويهم بغيرهم، وتسمح لهم بالتعبير عن عقائدهم بحريّة!

باختصار: إن أصحاب المصلحة الأكبر في العلمانية هم الفئات المجتمعية الأضعف، التي تعاني التمييز بسبب انتمائها الديني. ولنلاحظ أيضًا أن موقف الأفراد والجماعات من العلمانية يختلف حسب التوزع الديمغرافي للسكان وطبيعة النظام السياسي الحاكم.

خامسًا- في موقف الأقليات الدينية في سورية من العلمانية

بداية، ينبغي تأكيد نقطتين هنا: الأولى أنّ توصيف الأقلية والأكثرية يُحيل إلى التوزع الديمغرافي العددي، ولا يحتمل أي حكم قيمة، لا سلبي ولا إيجابي، بحد ذاته. والثاني أنه لا يمكن الحديث عن موقف متجانس موحّد لأي مجتمع انساني بما يشمل الأقليات الدينية أو أقلية دينية مُعيّنة. نتكلم هنا عن اتجاهات الرأي العام ضمن الفئويّات الدينية المُختلفة ومحاولة تفهّمها وتفسيرها. ومع الأسف، ليس بين أيدينا دراسات إحصائية ميدانية، وكذلك لا يوجد لدينا -السوريين- انتخابات ديمقراطية تسمح لنا بمعرفة الوزن الفعلي للقوى السياسية العَلمانية التوجّه.

من جهة الأقليات الدينية في سورية، نميز ما بين الأقليات المسيحية والأقليات المُسلمة من غير المسلمين السُنّة.

بالنسبة للأقليات المسيحية:

عمومًا، لا يوجد ما يجعلها تعترض أو تتحفّظ على مبدأ علمانية الدولة، حيث إن مبدأ علمانية الدولة يقدّم ضمانات دستورية من جهة عدم إساءة استخدام مبدأ الانتخابات الديمقراطية ومفهوم الأكثرية ضدّها، هذا مع وجود نصوص مقدّسة مسيحية كثيرة تفصل ما بين السياسي والديني: “أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله”3، مع الانتباه إلى تحفُّظ مُتوقع عند بعضهم، بخصوص تعديل قوانين الأحوال الشخصية والزواج المدني، حيث إنّ قوانين كهذه تساعد في إدماج وانفتاح السوريين على بعضهم البعض، بما يساهم في إضعاف قوى الانغلاق والقصور ضمن المجتمعات المسيحية وغير المسيحية نفسها.

إن التوجّس من تلاشي الهوية المسيحية في ظلّ الدولة الديمقراطية العلمانية غير واقعي، حيث إن وجود قانون أحوال شخصية كنَسي اختياري يكون خيارًا ممكنًا ومطمئنًا لمن يرغب فيه، وللعبرة، يمكن النظر إلى حال الأقليات الدينية في الدول العلمانية في الغرب، حيث إن علمانية الدولة شكّلت ضمانًا لوجودها، وشكلت بيئة مناسبة لها ضمن مبدأ الحرية والتنوع الثقافي-الاجتماعي.

بالنسبة إلى الأقليّات المُسلمة عمومًا بما يشمل العلويين والموحّدين الدروز والمرشدية4:

 يشكّل مبدأ علمانية الدولة ضمانة دستورية كافية، من جهة عدم استخدام مبدأ الانتخابات الديمقراطية ومفهوم الأكثرية ضدّها، مع الانتباه إلى تحفّظ مُتوقّع بخصوص قوانين الأحوال الشخصية في فئوية الموحدين الدروز، وبشكل مُشابه للتحفّظ المسيحي. إن الطبيعة اللا- تبشيرية للعقيدة العلوية والمرشدية، وكذلك عند عقيدة الموحدين الدروز، تُعزز الاتجاهات العلمانية ضمنها.

بالنسبة إلى الأقلية العلوية تحديدًا:

 يُقدّم مبدأ علمانية الدولة تطمينات دستورية إضافية تساهم في شفاء الجرح السوري. عمومًا، اعتمدت السلطة الأسدية على مجتمعات علوية كحامل اجتماعي-سياسي لها، كما أن السلطة الأسدية نفسها ذات بعد طائفي، مع الانتباه إلى أن صفة الطائفية هي للسلطة، وليست للمجتمعات العلوية نفسها، ومع الانتباه إلى أنّ هذا الارتباط العلوي-السلطوي ليس عفويًا، بل هو ارتباط صُنع في مطابخ السلطة الأسدية، وقد دفع كثير من المناضلين السوريين العلويين المعارضين للسلطة الأسدية ثمنه غاليًا.

بعد انطلاق الثورة السورية 2011، وبعد سلسلة المجازر والتهجير وجرائم الحرب التي تورطت فيها هذه السلطة ضدّ مُجتمعات المُسلمين السنّية؛ أصبحت المجتمعات العلوية -عن قصد أو غير قصد- موضوعًا لاحتمال انتقام مؤجّل، من قبل مجتمعات سنّية مكلومة، وأصبحنا أمام مشهد ينفتح على صراع طائفي وملامح حرب أهلية بين السوريين. وهنا يقدّم مبدأ علمانية الدولة ضمانات دستورية قانونية للمجتمعات العلوية، لتجنّب احتمال انتقام جماعي ضدّهم، والدخول في أتون حرب أهلية جديدة. وأمام مشهد التوغل الايراني في سورية وحملات التشيّع ضمن المُجتمعات العلوية نفسها، يكتسب مبدأ علمانية الدولة أهمية إضافية لحماية السوريين وتجنب ربطهم بأجندات ومشاريع عقائدية دينية مؤدلجة عابرة للحدود ومُدمرة للهوية الوطنية السورية.

سادسًا- في موقف الأكثرية السنّية في سورية من العلمانية

بداية، المدخل إلى مبدأ علمانية الدولة هو مبدأ العدل بين الناس وعدم التمييز. والعَلمانية -وفقًا لهذا الطرح- هي مجرد تقنية وإجراء عملي مُفيد لتطبيق مبدأ العدل بين المواطنين السوريين، بغض النظر عن انتماءاتهم واختلافاتهم العقائدية الدينية، حيث إن العلمانية لا تتدخل في عقائد الناس، ولا تتعارض مع الإسلام أو غيره من العقائد. ويمكن تسمية الفهم السابق للعلمانية بالعلمانية الليّنة أو العلمانية الجزئية أو العلمانية الإجرائية، أو الاستعاضة عن مصطلح العَلمانية بدلالته فقط. ويعتقد كاتب المقال بأن جزءًا كبيرًا من أسباب رفض العَلمانية في المجتمعات السورية السنّية هو وليد ممارسات وخطابات لم تستطع تقديم العلمانية بالشكل الدقيق والمُناسب.

هناك حديث نبوي قدسي شهير في التقليد الإسلامي، يُعرِّف الإسلام والإيمان والإحسان (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا)، (الايمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)، (الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)3.

ولنتساءل هنا: هل تتعارض علمانية الدولة مع ممارسة المسلم لأركان الإسلام جميعها؟! هل تتعارض علمانية الدولة مع إيمان المُسلم بوحدانية الله والنبوات ويوم الحساب، وأنّ القرآن الكريم كتاب الله؟! هل تتعارض علمانية الدولة مع الإحسان والتقوى والخشية من الله؟! أعتقد أن الاجابة بسيطة، فهذه القضايا الإيمانية والاعتقادية خارج مجال موضوع علمانية الدولة.

يقدّم بعض المشايخ والدُّعاة العلمانية بكونها دعوة إلى الإباحية الجنسية، ودعوة لتدمير قيم الأسرة، ويدلّلون على ذلك بواقع المجتمعات الغربية في أميركا وأوروبا التي تحكمها دول ديمقراطية علمانية. عمليًّا لا يوجد صلة مباشرة بين السلوك الاجتماعي الجنسي للأشخاص وطبيعة النظام السياسي في كون الدولة علمانية أو غير علمانية. بناء على التوضيحات السابقة في ضبط تعريف العلمانية، هذه القضايا هي خارج مجال العلمانية، فالعلمانية لا تقول شيئًا عن مواضيع الزواج والإنجاب والعلاقات الجنسية وشرب الكحول ولباس المرأة مثلًا؟! هذه مواضيع تُحدِّدها قناعات الأشخاص، بالإضافة إلى ثقافة وعرف المجتمع الذي ننتمي إليه.

ولتأكيد الفكرة، سنفترض أنه في ظل نظام ديمقراطي علماني مُستقبلي في سورية، قام أحد نواب البرلمان السوري بتقديم مسوّدة قانون تسمح بزواج مثلي الجنس، وتسمح بحرية المرأة في الإجهاض، وتسمح ببيع وتعاطي المارجواناوالحشيش؛ فهل سيمرُّ هذا القانون في البرلمان ويُصوّت له غالب النواب المُنتخبين من قبل الشعب السوري؟! إن مبدأ علمانية الدولة هنا لا يتدخل في قرارات كهذه، حيث إن الشعب مُمثلًا بهيئاته التشريعية هو صاحب القرار.

عمومًا، يغلب الطابع المحافظ اجتماعيًا على مجتمعات السوريين والمجتمعات العربية الإسلامية عمومًا. مثلًا، يمكنك أن تقيم صلاة الفجر حاضرًا في المسجد كل يوم، وتؤيد مبدأ علمانية الدولة، وبالنسبة للسيّدات، يُمكن لأي سيدة أن تكون مُحجّبة وتحفظ القرآن الكريم وتدعم علمانية الدولة، لكون الإسلام يأمر بالعدل بين الناس، والعَلمانية هي مجرد وسيلة لتحقيق العدل السياسي، ومنع إساءة استخدام الدين من قبل السياسيين.

ولنلاحظ أن في الدول الغربية العَلمانية تيارات اجتماعية محافظة تميل إلى التدين، وتمثلها جمعيات ولوبيات وأحزاب سياسية حاضرة في الشارع ومُمثّلة في البرلمانات، تؤكد أهمية قضايا منع الإجهاض والتمسك بقيم الأسرة، وتتحفظ على ترويج المثلية الجنسية، وهذا شائع ظاهر، وفي حال حصولها على أغلبيات برلمانية يمكنها أن تغير بعض القوانين لمصلحتها.

وثمة قضية أخرى مهمة، هناك مسلمون سنّة في سورية ينظرون إلى أنفسهم كجزء من عالم إسلامي وأمة إسلامية (سنّية) تمتد من إندونيسيا إلى المغرب العربي، وهذا ما قد يعطيهم شعورًا خادعًا بالثقة والتفوق الأكثري، ومما يغذي هذا الشعور أيضًا النظرُ إلى أنفسهم كورثة وامتداد للإمبراطوريات الإسلامية الكبيرة في القرون الوسطى، من أمويين وعباسيين وعثمانيين أيضًا. في هذا السياق، يمكن القول بأن مفهوم أمة الإسلام والأمة الإسلامية هو مفهوم لا ينتمي إلى ثقافة ومصالح العصر، لم ينفع الفلسطينين من قبل، ولم ينفع السوريين السنّة رغم تعرّضهم للمجازر والتهجير القسري واسع النطاق، حيث لم تنفعهم أمّة المليار، ولم تنفعهم منظمة التعاون الإسلامي، وكثير من المُتضررين قصد دولًا عَلمانية أوروبية تقبل وجودهم كلاجئين وكمواطنين.

ما نحتاج إليه هو أن نعيش العصر، ونفكر في اجتراح الحلول المُمكنة، وتبنّي مبدأ الدولة الحديثة، دولة المواطنة المتساوية ضمن الحدود المُعترف بها في القانون الدولي، أسوة بالدول المُتقدمة التي نقصدها كوجهة للجوء أو كوجهة للتعليم واكتساب المعارف حول العالم، ولن تنفعنا بطولات خالد بن الوليد، أو نخوة المُعتصم، كما لم تنفع الإيطاليين أمجاد الإمبراطورية الرومانية، وكما لم ينفع اليونان اليوم أمجاد الإسكندر المقدوني وحضارة الإغريق في تجاوز أزمة الديون وتدهور الاقتصاد!

إن الخطابات التي تنفخ في الروح الدينية وأمجاد الإسلام، وكثيرًا ما نسمعها من خطباء المنابر يوم الجمعة وعلى شاشات الفضائيات، هي من نتائج الإحساس بالهزيمة، ومحاولات للتعويض النفسي عن العجز، وإنّ الاستمرار في تكرارها لن يزيدنا إلا خسارة.

 لنتصالح مع أنفسنا. يوجد بُعدٌ عربي-إسلامي في هوية السوريين، نعتزّ به،ولا سبيل لإنكاره، ومن حق السوريين السنّة -وغيرهم من السوريين- التعبير عن هويتهم وممارسة شعائرهم بحرية، في ظل دولة ديمقراطية علمانية حديثة. ينبغي النظر بعيون الأحياء والاستفادة من تراكم منجزات التجربة البشرية في بناء الدول الناجحة، وقد ورد في الأثر “اطلبوا العلم ولو بالصين”، وجاء في الأثر النبوي “الحكمة ضالة المؤمن، أنّى وجدها فهو أحقّ الناس بها”4.

إنّ التحرر من الانتماء السنّي العابر للحدود، بالنسبة إلى السوريين، كما أن التحرر من الانتماء العلوي- الشيعي وكذلك الانتماء المسيحي العابر للحدود، يخدم القضية الوطنية السورية، ويجعلنا نُفكر في حالنا بمعزل عن توهمات القوة. ماذا قدّمت القوى الإقليمية (السُنّية) كتركيا والسعودية ودول الخليج ومصر للسوريين السنّة، في أثناء فترة الثورة والحرب! ينبغي أن نحلّ مشكلاتنا كسوريين بأنفسنا، ونتفكر بمعزل عن نوازع الاستقواء والمُراهنات الخاسرة على القوى الاقليمية والدولية، وما سبق عرضه يؤكد أهمية علمانية الدولة السورية كمشروع مستقبلي جدير بالمحاولة.

ثمّة حجّة أخرى، يقول بها معارضون للعلمانية مفادها: ما دمنا (نحن العرب السنّة أكثرية في سورية)، فلماذا نقبل بالعلمانية؟ نحن نريد سورية دولة مُسلمة تشبهنا.

الإجابة عن هذه المسألة: أولًا يشكّل العرب السنة في السعودية ومصر -مثلًا- أغلبية، وهم الذين يحكمون، فماذا كانت النتيجة؟! القضيّة لا تتعلق بكون العرب السُّنة أكثرية أو أقلية، بل تتعلق بطبيعة النظام السياسي ومدى التزامه بمصالح الشعب وتحقيق المساواة والعدالة، والعلمانية تفيد في هذه النقطة تحديدًا.  ثانيًا استندت القوى الشيعية في العراق في تبرير حكمها ما بعد سقوط نظام صدام حسين إلى مبدأ الأكثرية، فماذا كانت النتيجة؟! القضية نفسها في إيران، حيث يشكل الشيعة أكثرية كذلك!

إن الركون إلى مبدأ الأكثرية العددية لا يُصلح حال الدول والأوطان، فالقيادات السياسية التي تدّعي تمثيل الشيعة والسنّة في العراق، والقيادات السياسية التي تدّعي تمثيل المسيحيين والشيعة والسنّة في لبنان، والقيادات السياسية التي تدّعي تمثيل السنّة في سورية، كجبهة النصرة والميليشيات الموالية لتركيا وقوى الائتلاف، كلّها في الحقيقة لا تمثل سوى فسادها ومصالحها الضيقة، وتتاجر باسم السنّة والشيعة والمسيحيين.

من أصحاب المصلحة -ربّما الأكبر- في اعتماد مبدأ علمانية الدولة السورية؟

إن من يطلبُ العدل عادة هم من تعرّضوا للظلم والتهميش من قبل سلطة غاشمة، سواء أكانوا أشخاصًا أم فئات، وإنّ علمانية الدولة -كما أشرنا سابقًا- هي مجرد تطبيق سياسي لمبدأ العدل في تعامل الدولة بين مواطنيها.

خلال الحقبة الأسدية الطويلة، تعرَّض السوريون السنّة -ولا سيما المتدينين- للتمييز، خصوصًا في مؤسسات الجيش والمخابرات والسياسة، حيث يُعتبر أداء الصلاة مُنفردًا سببًا كافيًا لتسريح هذا الضابط أو تهميشه، وكثيرًا ما تُشتم المُقدسات الدينية للمُسلمين السنّة في السجون والمعتقلات، وكذلك تعرَّضت مُجتمعات سورية سنّية كثيرة لمجازر كثيرة، على أساس طائفي، إضافة إلى تدمير وتهجير مُمنهج، وهذا ما يجعل المُجتمعات السنّية، قبل غيرها، صاحبة المصلحة الكبرى في تطبيق مبدأ العدل، ضمن علمانية الدولة.

إنّ الظلم الذي تعرضت له المجتمعات السنّية لم يقتصر على جرائم السلطة الأسدية والميليشيات الشيعية، حيث إن التنظيمات الجهادية السنّية المُتطرفة نفسها، كتنظيم داعش ومثيلاتها، قتلت الآلاف من السوريين المسلمين السُّنّة، بحجة الردة والتكفير، في سياق صراعاتها مع بعضها البعض، وكانت هذه التنظيمات مسؤولة عن قتل أو تهجير كثير من النخب الحيوية في المجتمع السوري وناشطي الثورة، وهذا سبب إضافي يدعم تبنّي مبدأ علمانية الدولة من قبل المجتمعات السنّية قبل غيرها.

من هو الرابح الأكبر من تطبيق مبدأ علمانية الدولة ودولة المواطنة المتساوية؟ إجابتي هي: السوريون جميعًا. باختصار: إنّ مبدأ علمانية الدولة هو أحد الحلول المفيدة لعلاج ثقافة المظلومية السنّية في سورية، وإعادة اعتبار هذه المجتمعات لنفسها وانتمائها السوري الجامع.

الهوامش:

(1) العلمانية بالإنكليزية، الموسوعة الكاثوليكية، 28 نيسان 2011

(2) النزعات الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام، كارين آرمسترونغ، دار الكلمة، دمشق 2005، ص.10

(3) إنجيل مرقس 12:12-17

(4) تنتمي ديانة الموحدين الدروز والديانة المرشدية من جهة إلى الفضاء اللاهوتي العربي الإسلامي.

(5) صحيح مسلم -كتاب الإيمان- باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان والإيمان بالقدر- حديث 10، ص: 39، عن موقع إسلام ويب.

(6) أخرجه الترمذي وابن ماجه، رواه أبو هريرة مرفوعًا عن النبي، رسول الله، عن موقع إسلام ويب.

علامات المجتمعات السورية ، سورية ، العلمانية ، المجتمعات السورية السنّية ، علمانية الدولة
مشاركة المقال
Facebook Twitter Copy Link Print
مشاركة

مقالات أخرى للكاتب

من القوقعة إلى المصلحة – مقال في الطائفية

قول على قول في “حيادية الدولة تجاه عقائد السوريين”

الحوار كمشروع سياسي – ثقافي متعثر

اترك تعليقا

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقال السابق المسألة الطائفية في سورية
المقال التالي القضية القومية في سورية (الجلسة الأولى)

قد يعجبك ايضا

طائفية الغد التي نصنعها اليوم

لا يخفى أن كثيرًا من الكلام في الموضوع الطائفي لا يزال اليوم يصبّ في المنحى التعبوي، ويتلطّى وراء غياب مشروع جاد للعدالة الانتقالية، ووراء مشروع مماثل للمصالحة. التعفّف عن الانجراف في هذا الاتجاه يصم أصحابه بأنهم بعيدون عن الواقع...

عمر قدور

عمر قدور

7 تموز/يوليو ,2025

تفكيك الطائفية بأدوات نفسية (الضرورة والبنية)

تُعدّ الطائفية ظاهرة بالغة التعقيد متعددة الأوجه، وقد ظهرت العديد من الدراسات والمقالات التي تتناول أبعادها الثقافية والسياسية، لكن هذه الظاهرة لا تزال تثير التساؤلات أكثر مما تقدّم من إجابات؛ وتتمحور هذه التساؤلات حول جذورها التاريخية، والأفكار المؤسسة لها، والعوامل المؤثرة في نموها وتصاعدها، ونتائجها التي تدفع الأفراد والجماعات نحو العداء والصراع...

مكارم بديع الفتحي

مكارم بديع الفتحي

3 تموز/يوليو ,2025

الطائفية ما بعد الأسد: في لحظة انكشاف الدولة والمجتمع

في لحظات التحوّلات الجذرية التي تمرّ بها المجتمعات الغنيّة، بتنوعها الديني -كما في الحالة السورية- لا تظهر الطائفية كعرضٍ طارئ للفوضى...

هدى زين

هدى زين

30 حزيران/يونيو ,2025

انضم الى النشرة البريدية







  • من نحن
  • معايير النشر
  • فريق العمل
  • بروشور المركز
  • التوظيف
  • اتصل بنا
جميع الحقوق محفوظة لمركز حرمون للدراسات © 2024
certifiedISO27001 certifiedISO9001

تمت إزالته من قائمة القراءة

تراجع
Welcome Back!

Sign in to your account

Lost your password?