تنويه:
كُتِب هذا المقال بطلب من إدارة برنامج “حوارات السوريين”، وبمناسبة مشاركة الكاتب في جلسة حوارية لمناقشة موضوع “تعزيز ثقافة الحوار”. وهو يعبّر عن رأي الكاتب وموقفه من الموضوع.
رئيس التحرير
كثيراً ما نسمع من بعض النخب السورية عدم التوصل لاتفاقات/ توافقات تنجم عن حوارات النخب السورية (تجمعات أو أفراداً)، ما يشعر البعض بالإحباط أو تعميم مقولة “شعب كلو زعماء- ما حدا بيحطها واطية لحدا – بحياتنا ما منتفق”.
سأحاول التفكير فيما يعيق الفعالية/الجدوى السياسية /أساساً/ من حوارات السياسيين السوريين في سياق سوريا الحالية التي رسم حدودها موظفا الاستعمارين الفرنسي والبريطاني سايكس وبيكو (إذ لم يكن تشكيل وحدود الدولة السورية تلبية لمسارات وسياقات حركات وتعاقدات مجتمعية واجتماعية بل لتجريب جهاز إدارة أنجع للانتداب ومقتضيات “التحديث” الذي ينشده) وباعتبارها كذلك جُعِلت وعاء خارجياً يحتوي النزاعات والمصالح المتضاربة يديرها و/أو يديمها صانعوا هذا الوعاء أو القابعين فيه دون اتفاقهم وتوافقهم ولا تعاقدهم. بالإضافة للتدمير العنيف والعميق الذي يقوم به نظام السفاح بشار الأسد الذي هشم شبكات تواصل السوريين الاجتماعية الواقعية؛ سواء للنازحين ضمن سوريا أو للاجئين في أصقاع الأرض.
السياق السوري قبل ثورة 2011
في سوريا تتركز السلطة بيد قائد /فئة ليس مسؤولاً أمام الشعب دستورياً، يستعين بآليات الدولة الشمولية totalitarian state في تدمير المجتمع المدني أو سحقه. ففي ظل سلطة حزب البعث صارت كل المجالس المحلية والنقابات جزءاً من جهاز الدولة بل إن الكثير من ” النقابات ” أنشئت بقرارات من الحزب أو دولته ” اتحاد الطلبة، اتحاد الشبيبة، الاتحاد النسائي، اتحاد الفلاحين، اتحاد الصحفيين” أو ألحقت بالحزب والدولة بقوانين ومراسيم لاحقاً. كما فكك الحزب والسلطة في 1980 كثيرًا من الجمعيات والنقابات التي كانت مشكلة في سوريا أو ألحقها بأجهزته فقضى على استقلاليتها كجزء من سحقه للمجتمع.
تُذرر تلك السلطة الناسَ وتمنع ترابطهم إلا عبر الحزب ودولته، وتمنع الاجتماع مع الآخرين دون موافقة أجهزة المخابرات بموجب أحكام الطوارئ وترهيب واعتقال وتعذيب كل من يتدخل بأداء القائد أو يهتم بالسياسة/الشأن العام أو ينتقد خارج الخطوط الحمراء، ما حطم استقلالية الفرد وانتمائه الاجتماعي. كما ألغت أصلاً استقلالية الميادين الاجتماعية بين العائلة والدولة، بإيهامها الناس أن الدولة هي العائلة الواسعة يديرها “الأب القائد” الذي يراقبهم عبر أجهزته، كما عبر أصنامه وصوره (حيث يفترض احتواء أي بيت أو ساحة على صنم أو صورة له).
فإن أضيفت ممارسة الطائفية السياسية لسلطة البعث ثم تعمقها في زمن سلطة الأسد يتضح مدى تهشيم الدولة التسلطية للمجال العام* وتواطؤها مع قوى الكراهية وتجارها أو تحريضها عليها عبر أدواتها ووسائلها. ما عزز أشكال كراهية وطائفية من قوى إسلامية متطرفة احتضنتها لاحقاً جماعة الإخوان المسلمين عند قيام الانتفاضة السورية ضد نظام الأسد 1980. فبطشت سلطة الأسد بالسوريين بذريعة القضاء على جماعة الإخوان المسلمين -الذين ساهموا بدورهم بحرف الانتفاضة عن مسارها وتطييف وحرف الصراع من ثورة على سلطة مستبدة طائفية لتحقيق تغيير وطني ديموقراطي إلى تقاتل على سلطة ونقلها من طائفة لطائفة.
رغم هذا السياق المانع للتلاقي والحوار المجتمعي “تلاقت عدد من التنظيمات والعناصر الوطنية والديمقراطية عام 1979 “وأنتج حوارها: وثيقة التجمع الوطني الديمقراطي… تعبيراً عن تحالفها ووحدة إرادتها… في برنامج مستمد من حاجات المرحلة وضروراتها …للإمساك بزمام المبادرة للنضال في سبيل التغيير…”**
وأصدر التجمع وقتها نشرة “الحوار الديمقراطي” لم يصدر منها الكثير بسبب قمع معظم قوى التجمع وملاحقتهم الشرسة خلال ثمانينات القرن العشرين. لكنها أعادت الاعتبار لمقولة الحوار الديمقراطي بين القوى المتحالفة بنشرة مشتركة وعدم الاكتفاء بإعلان التحالف والاتفاق على برنامج كما جرت العادة ويصدر كل طرف نشرته الخاصة.
لم تستطع هذه المحاولات، على أهمية مبادرتها وصدق من قام بها، أن تؤسس لثقافة الحوار لغياب شروط وأخلاق الحوار السياسي/الاجتماعي ومنها:
– التكافؤ في حقوق النقاش بين الفاعلين (بدء موضوع- الدفاع عنه- تحدي التفسيرات الأخرى) بعيداً عن اختلاف مدى القوة والسلطة.
– الاحترام (اشباع حاجة وجودنا وتوازننا للآخر والاهتمام به والعيش معه على مسافة آمنة) فاحترام الآخر يكبح العدوانية والكراهية
– عدم الهرمية والتراتبية
بعد موت حافظ الأسد، عادت مفردة الحوار ومحاولة ممارسة الحوار (منتديات الحوار الوطني والديمقراطي عام 2000 ومنتديات حوارية أخرى لم تحمل مفردة الحوار بالضرورة) التي لم يستطع نظام الأسد احتمالها أكثر من بضعة شهور؛ ليشن حملة اعتقالات وإغلاقات لهذه النشاطات لتبينه خطرها المستقبلي على نظامه الاستبدادي/ الاستعبادي. ليعود الناس للانكفاء بعيداً عن التحاور في الشأن العام/ السياسة.
ومع خروج قوات الاحتلال السوري من لبنان 2005 تحاور بعض السياسيين والمثقفين وأعلنوا إعلان دمشق ليعيد التأكيد على توسع قاعدة وطيف المتحاورين وتوافقهم على:
إقامة نظام وطني ديمقراطي- بناء دولة حديثة- نبذ الفكر الشمولي- اعتماد الديمقراطية- إطلاق الحريات العامة – ضمان حق العمل السياسي لجميع مكونات الشعب السوري- ضمان حرية الأفراد والجماعات والأقليات القومية- رفض ادعاء أي حزب بدور استثنائي- الإسلام دين الأكثرية مع احترام عقائد الآخرين- الالتزام بسلامة المتحد الوطني السوري الراهن وأمنه ووحدته- إلغاء كل أشكال الاستثناء من الحياة العامة- تعزيز قوة الجيش الوطني والحفاظ على روحه المهنية- الالتزام بجميع المعاهدات والمواثيق الدولية وشرعة حقوق الإنسان.
فقام النظام بقمعهم بشراسة ليؤكد عداءه البنيوي لتلاقي السوريين واجتماعهم وتحاورهم مهما كان عدد وحجم المتحاورين.
وستنتظر سوريا حتى الثورة 2011 لتفرض تلاقي السوريين وتحاورهم وتعاضدهم في ساحات العمل العلني شعباً يطالب بالحرية والكرامة وتغيير نظام الاستبداد/الاستعباد وفرض مجال عام في ميادين الساحات
مع انطلاق الثورة السورية 2011 انفتح أفق لتغيير النظام السوري وربما لتغيير السياق الاجتماعي العام؛ ما يسمح بتحقيق دولة مدنية ديمقراطية تصون الحريات العامة للمواطنين ويتطور فيها مجال عام ومجتمع مدني ينقل البلد لآليات تعاقد وحكم حديثة تكون حصيلة تفاعل وحوار عام للنخب الفكرية والسياسية لتحديد شكل سوريا الدولة/ الجمهورية الجديدة.
في سياق الثورة تشكلت تجمعات وحركات يجمعها إما ميدان العمل في شكل تنسيقيات متعددة التوجهات الفكرية أو السياسية، أو تحالفات سياسية قدمت برامج للتغيير السياسي/الاجتماعي في سوريا (انشغلت أحياناً بمحاربة بعضها وادعاء تمثيلها للثوار والثورة دون أي آليات تمثيل معروفة). وتموج مسار الثورة ومسارات حوارات ونزاعات السوريين داخل وخارج البلد، وصولاً إلى انحدار مسار الثورة ثم هزيمتها كثورة حرية وكرامة وعدالة. وقد تعاضدت على هزيمة الثورة وتمزيق نسيج المجتمع السوري عدة عوامل، ربما أهمها:
-همجية النظام وقواه الطائفية في مواجهة الثورة مستعيناً بعصابات متطرفة إسلامية شيعية (أبرزها حزب الله وفصائل شيعية عراقية) يديرها احتلال إيراني، مع احتلال روسي يحمي النظام عسكرياً وسياسياً، وتوظيف التحشيد الطائفي العلوي.
– همجية عصابات وقوى مسلحة طائفية متطرفة إسلامية سنية (أبرزها داعش والنصرة) يديرها مال وأجهزة المخابرات الأجنبية والأجندات الخليجية.
– بالإضافة لمسلحيPKK الانفصالي بدعم قوى الاحتلال الأمريكي (باسم مواجهة داعش)
– كما عزز التهجير القسري للسوريين تشتيت السوريين في العالم وفي سوريا؛ وتدمير مخزونٍ بشريٍ هو لحم ودم الثورة الواقعية.
سياق الأزمة السورية المستمر في سورية:
مع هزيمة الثورة السورية وتشقق النسيج المجتمعي وتصدع رأس المال الاجتماعي السوري واقتلاع السوريين من أرضهم وتشتتهم وزعزعة شبكات دعمهم النفسي/الاجتماعي صار السوريون في سياق/ سياقات/ يسودها التعصب والتطرف في التعامل والتواصل، ويبدو فيها أي حوارٍ منذرٍ بإعادة مراجعة وجهة النظر الفكرية/السياسية اًمراً مهدداً للهوية؛ فتنمو ذهنية مانعة لحوارٍ ونقاشٍ مجدٍ؛ فيغيب النقاش العام والتسامح وتقبل الآخر وتغيب الثقة بين الناس وتتعطل أو تتفاقم صعوبة التوافقات على رؤى مشتركة فتغيب رؤية النسيج المجتمعي المشترك ليحل محلها ذهنية التصدع والانتقام/الانتصار.
بما أن الأزمات والاضطرابات الكبرى تضعف قوة المجال العام وتغيبه أو تلغيه، فلن نستغرب تحكم قوى أمر واقع /أمراء حرب -تقوم على “ذهنية التغلب” ضيقة الأفق- بمصائر سوريا والسوريين؛ ليصير ما يفترض أن يكون نقاشاً في الشأن العام تنازعاً وخطاباً تعبوياً للإخضاع في سياق حرب عامة وتنافساً في التقرب من قوى الأمر الواقع وأجندتها لنيل حصة إضافية من هباتها وخلق أو تعزيز هويات عصبوية دون أو فوق وطنية على حساب التعاقد الاجتماعي. وكلما طالت فترة العنف وتدهورت مؤسسات المجتمع ونظم الرعاية والمؤسسات العامة تزداد فرص تآكل الانسجام الاجتماعي/التصدع الاجتماعي فيغيب الشعور بالأمان وتغيب الحريات العامة والتعبير الحروبالتالي حوار الناس.
ومع طول افتقاد الأمان الاجتماعي والشخصي طوال العقد الماضي من عمر السوريين، متراكباً على سحق الاستبداد لتوازن الناس وروابطها وبالتالي لثقتها بنفسها ومحيطها عبر النظام الأمني/الاستعبادي؛ عاش معظم السوريين شعور الانسان المهدور الذي يعاني من انعدام أمان داخلي، فطور آليات دفاع نفسية تشعره بتوازن نفسي في ظل هذا القلق الوجودي، تبدت بعض مظاهره بآليات دفاع كالتمركز حول الرأي/الاقتناع واعتبار من يخالفه الرأي مهدداً فينبذه، متجنباً له أو متهجما عليه؛ وكأن إبعاد أو هزيمة رأي المختلف إثباتاً لذاته المهدورة.
اما في مخيمات النزوح داخل سوريا ومخيمات اللجوء في لبنان والأردن وتركيا فقد عاش السوريون في ظل ظروف اقتصادية وسياسية قاسية تدهورت فيها الحدود الدنيا للشروط الإنسانية مع غياب لليقين والأمل بالمستقبل وحرمان شبه مطلق من الفعالية الاجتماعية والسياسية وبالتالي للحوار والنقاش في الشأن العام
كل ذلك شكل ويشكل عوائق حوار بين سوريين يعيشون ظروفاً قاسية ومهينة لكنهم يكرهون ويعادون من يخضعون لأمراء حرب آخرين ويتجنبون أو يُمنعون من التواصل معهم بينما يسعى أمراء الحرب لتوسيع حصة زبائنهم ومجالات قوتهم ومنع تشكل المواطن والمجال العام بتغليب ذهنية الزبون/المكافأة عبر تقريبه من السلطة. ويؤسسون لمحاصصة مع القوى الغاشمة الأخرى وكلاء قوى أجنبية قادرة.
رغم ما توضح لكل عين ترى في العراق أن المحاصصة مانعة للديمقراطية كما الطائفية السياسية مفتتة للكل الوطني ومعيقة لتشكيل دولة المواطنين المدنية الحديثة، يصطف أبواق سلطات الأمر الواقع/ قوى التفتيت في خنادق المحاصصة مدعين أنهم يمثلون ثورة أو قومية أو دين أو طائفة؛ لتشكل ادعاءات التمثيل/الأبواق تلك عائقاً إضافياً لحوار منتج ومجدٍ، يفضي لحلول لسوريا التي قامت الثورة لاستعادتها من بيت الأسد وقلاعه الأمنية لصالح شعب سوري واحد.
سياقات عيش اللجوء الهجرة في العالم
لم يعد للسوريين/ات المتذررين/ات في أرجاء العالم سيطرة على حياتهم/ن السياسية وهذا يمنع أن تتحقق غاية نشاطات السياسة أو الفكر (على كثرتها ومنها الحوارات الفكرية والسياسية)؛ لغياب شرط الفاعلية الأساسي: علاقة فعلية وتشاركية مع مجموعات ذات شبكة روابط اجتماعية ونفسية واقعية. (يبدو أن غيابها الواقعي فعّل وكاثر شبكات العالم الافتراضي التي يتصور بعض ناشطيها أن كثرة الشبكات الافتراضية يعوض غياب الروابط الواقعية، فيستغربون عدم تحقق نتيجة واقعية لنشاطاتهم وتفرق من كان يفترض أنهم متشابهون).
لا أنتقص من قيمة بعض محاولات ناجحة لحوار وتعاون مجدٍ كما في حالة الجالية السورية في الولايات المتحدة الأمريكية ولا من أهميتها في فضح نظام الأسد؛ لكن الصورة العامة هي حوارات قليلة الفعالية أو الجدوى إلا عندما تستدعيها القوى الإقليمية والدولية للترويج أو لتنفيذ أجنداتها.
ختامًا
إن استعداد النخب للتعاون والحوار فحسب لا يحقق التغيير الديمقراطي فهذا يتطلب أيضًا القدرة على حل المشكلات السياسية في بلدانهم.
إن افتقادنا لقوى التغيير الديمقراطي الواقعية وحواملها الاجتماعية على الأرض السورية هو عائق أساسي لفعالية النشاط الفكري/السياسي ولجدوى الحوار بين النخب السورية المشتتة؛ فعمليات التغيير ونواميسها لا يغيرها نشوء وتطور العالم الافتراضي
إن نجاح المتحاورين في العالم الافتراضي يحسن أخلاق وضوابط حوار بعض النخب السورية أو يعزز انفصالهم عن الواقع، وربما يجعل مشاركات بعضهم الافتراضية مكثفةً تعويضاً عن غيابهم عن ساحة الفعل الواقعي.
الآن، وبعد سقوط الطاغية، وانفتاح الباب على مصراعيه أمام عودة السوريين إلى ديارهم، وأمام عودة الحياة السياسية وحرية الرأي والتعبير والنقاش إلى المجال العام، والتي نأمل أن تكون دائمة.. أصبح من الممكن والضروري الانخراط في حوار فعال وبنّاء مع حراك على مستوى سورية نوظف فيه أفضل ما تراكم من حواراتنا لننخرط في الحراك باتجاه حل للمشكلات السورية، ويمهد لتعاقد اجتماعي يؤسس جمهورية سورية مدنية ديمقراطية
*المجال العام يتأسس على فكرة وجود مصالح متعارضة وطرق متعددة للتعبير عن المصالح والآراء والتبادل السلمي لها- مع استعداد كل فرد للتعلم من نقاش الآخر ورغبة في فهم الآخر ما يساهم في الوصول لرأي عام وتوازن مصالح، في هذا المجال تتشكل المواطنة بما هي مشاركة بالحياة العامة تُمارس فيها العضوية السياسية.
**مقتطف من “وثيقة التجمع الوطني الديمقراطي”
***مقتطف من العدد صفر من “حوارات”

