تنويه:
كُتِب هذا المقال بطلب من إدارة برنامج “حوارات السوريين”، وبمناسبة مشاركة الكاتب في جلسة حوارية لمناقشة موضوع “تعزيز ثقافة الحوار”. وهو يعبّر عن رأي الكاتب وموقفه من الموضوع.
رئيس التحرير
الحوار هو أحد أشكال التواصل، ويحتاج نجاح الحوار إلى مهارات تواصل جيّدة بين المتحاورين، وسأحاول هنا نقل خبرتي في مهنة الطب ودراسة التواصل كأحد المهارات الأساسية في مجال الرعاية الصحية. بعض الناس يملكون هذه المهارات بشكل عفوي كجزء من شخصيتهم، ولكن ليس غالبية الناس، إنّ مهارات التواصل هي علمٌ قائم بذاته، والأشخاص الذين يقتضي عملهم تواصلًا واسعًا مع العملاء، أو يعملون في حقل التعليم أو الإعلام أو الإدارة أو إدارة النزاعات -سواء أكانت نزاعات أسرية أو نزاعات سياسية- ينبغي أن يكونوا على اطلاع جيد ودراية بمهارات التواصل، نظريًّا وعمليًّا.
مهارة الاستماع الجيد: من المشكلات التي تعترض الحوار، عدمُ إصغاء الأطراف المُشاركين لبعضهم البعض بشكل جيد، فبينما يتكلّم أحد الأشخاص، قد يكون شخص آخر مُنهمكًا في التخطيط لكيفية الرد والتعقيب على طروحات الشخص المتكلّم، ولا شكّ أن هذا سيتسبب في نقص التركيز أو إساءة فهم الطرف الآخر. ولتحسين مهارات الاستماع الفعّال، يمكن التأكيد أن إظهار الفهم والاهتمام والمتابعة عبر إيماءات هزّ الرأس والتلفظ بمقاطع وكلمات (أأمم، تمامًا، أنا معك، تابع، وصلت الفكرة.. الخ)، سيكون مفيدًا، ويمكن تلخيص أو إعادة قول ما قاله الطرف الآخر، واستخدام تعبير (ما فهمتُه من حديثك … هل هذا صحيح؟) وفي حال عدم الفهم، ينبغي الطلب من الآخر التوضيح.
مهارة السؤال الجيد: من المفيد جدًا في سياق الحوار أن نقوم بطرح أسئلة مفتوحة، تستدعي التفكير في الموضوع بعمق وعبر مناظير مختلفة، وليس الإجابة بالقبول أو الرفض. وينبغي تجنّب الحكم الأخلاقي أو القيمي على المشاركين الآخرين في الحوار وسلوكهم، والتساؤل عن عواقب أو تبعات هذا الموقف على النفس والآخرين والمجتمع، أو التساؤل عن إمكانات أخرى للقول، أو سيناريوهات أخرى للحدث، وتحليل الحدث مثلًا.
التعاطف: لا يوجد حوار جيد من دون الحد الأدنى من التعاطف، والتعاطف لا يعني موافقة الآخرين على وجهات نظرهم، ولا يعني التراجع والاعتذار كذلك! مثلًا يمكن القول: “أنا أتفهّم الألم الذي تسبب به هذا الموقف لكَ، بالفعل هذا قرار صعب..”. ويبدو التعاطف أيضًا من خلال لغة الجسد والنبرة المنخفضة في الحديث، وينبغي تجنّب التململ في المكان، أو حركة تكتيف اليدين على الصدر والبطن مثلًا.. إلخ.
ما قصدته أن الأشخاص المُرشّحين لجلسات الحوار والفعاليات الحوارية ينبغي أن يكونوا على درجة جيدة في مهارات التواصل، فكثير من ضعف التواصل أو سوء الفهم لا يعود لوجود نيات سيئة بين المتحاورين، بل لوجود عادات سلوكية -اجتماعية- ثقافية غير جيدة، تربّينا عليها منذ الطفولة وألفناها حتى باتت جزء من شخصيتنا، ولحسن الحظ هذه مهارات يمكن تعليمها وتركيز الضوء عليها. ويمكن في سورية المستقبل إدماج مادة ومقررات مهارات التواصل، في مناهج التعليم الأساسي والأكاديمي والمهني.
الحوار هو أحد أشكال التواصل الاجتماعي- الثقافي- الفكري، ولا ينبغي التوسّع والتعميم في استخدام مصطلح الحوار ليشمل أصنافًا أخرى من التواصل، كالجِدال والتفاوض، أو كنشاط ثقافي يتضمن خطابات متجاورة أو محاضرات.
ومن أسباب قصور مشاريع الحوار السوري -وغير السوري- الدخولُ إلى الحوار بعقلية التفاوض أو إدارة جلسات الحوار كجلسات مفاوضات. التفاوض من وسائل السياسة عادة، ويكون بين أطراف لكل منها نصيب من القوة، ولا يقيم وزنًا للنيّات. إن نجاح التفاوض يتعلّق بموازين القوى، وغالبًا في حال عدم قدرة أي من الأطراف على الحسم العسكري أو السياسي. إن السياسيين في موقع المسؤولية أو المُثقفين المحسوبين على قوى سياسية ذات نفوذ واقعي أو مُتخيل لا يستطيعون التخلّي عن مواقعهم ومكاسبهم، فهم لا يعتبرون أنفسهم مساوين للآخرين، لأنهم مُدجّجون بوهم القوة. الحوار يستلزم التواصل بين أطراف متساوين، بدلالة النيات الحسنة والمصلحة الوطنية وزيادة المشترك الإنساني.
ومن أسباب قصور مشاريع الحوار السوري -وغير السوري- المشاركةُ بعقليّة الجِدال والمُجادلة، فالمُجادل يركز على الأشخاص والشّخصنة، بدلًا من مناقشة الأفكار والمواضيع، هو يحيل إلى النيّات، ولا يُجيد الاستماع، ويمتلك ثقة عالية، بما قد لا يُتيح تطورًا للأفكار ونموّها. المُجادل هو شخص مشغول بأناته النرجسية مُنفصل، معرفيًا ووجدانيًا، عن الواقع السوري وعذابات السوريين. مثلًا في إحدى جلسات الحوار، طُرح موضوع تهجير أكثر من ستة ملايين سوري خارج أرضهم، فكان ردّ المُجادل بأنها “مؤامرة كونية على سورية”، من دون أن يُبدي ولو كلمة تعاطف واحدة مع اللاجئين من أبناء بلده! وفي مرة ثانية، طُرح موضوع وجود ما يزيد عن 45 ألف صورة لقتلى سوريين تحت التعذيب في سجون النظام السوري، وهي موثقة (ملف صور قيصر)، فتجاهَل المُجادل الموضوع، وتحدث مطولًا عن خرائط سايكس بيكو والشرق الأوسط الجديد.
ما قصدته أنه، قبل تقييم نتائج جلسات الحوار بين السوريين، ينبغي التدقيق في توصيف وتصنيف هذا المؤتمر أو الفعالية، هل هو حقًّا نشاط حواري، أو أنه ينتمي إلى نشاط تواصلي آخر، وينتج عن ذلك ضرورة الالتفات إلى الجانب النوعي للحضور أكثر من الجانب الكمي، أو الاهتمام باستضافة نجوم السياسة والإعلام والفُرجة في جلسات الحوار.
مشروع الحوار مثله مثل أي مشروع تجاري أو خدمي آخر. إنّ نجاح أي مشروع حواري يحتاج إلى ظروف سياسية مناسبة، موارد بشرية ومادية مناسبة، إضافة إلى تنظيم مع إدارة ناجحة.
الظرف السياسي هو شرط موضوعي لنجاح الحوار، كلّما نقص مستوى العنف على الأرض السورية والاقليم عمومًا؛ كانت الظروف مناسبة لإنجاح مشاريع الحوار الوطني بين السوريين، وهذه نقطة إيجابية حاليًّا على الأقل. إنّ وجود إرادة سياسية للقوى الدولية والإقليمية الفاعلة، لتحقيق تسوية سياسية ذات طابع ديمقراطي، سوف يدفع بالحوار الوطني للأمام، فمثلًا عند مناقشة موضوع اللامركزية الإدارية والسياسية (الفيدرالية)، يكون هناك تظهير وتطبيق عمليّ لنتائج هذا الحوار. بالمقابل، يمكن لمثقفين وسياسيين أن يتحاوروا في موضوع الفيدرالية واللامركزية إلى ما شاء الله، وفي حال توافقهم على مقررات ونتائج معينة، فإنها ستبقى على الورق من دون أن تأخذ نصيبها في التطبيق.
يحتاج الحوار الناجح إلى موارد بشرية ومادية مناسبة، وينبغي اختيار المشاركين في الحوار من الشخصيات المؤهلة لذلك، مع استبعاد مُسببي المشكلات والمجادلين. خلال سنوات وسنوات من تجارب السوريين في الحوار، يمكن غربلة وتقييم مدى كفاءة الشخصيات السورية للحوار. أحيانًا في مؤتمر حواري يضم 100 شخص، يكفي وجود شخص واحد من صانعي المشكلات لإفشال جلسة الحوار، ولا سيما مع التضخيم والتسويق الإعلامي للحَدَث.
يستند الحوار الناجح إلى تنظيم وإدارة ناجحة، ينبغي وضع أهداف ممكنة، وليست حالمة وكبيرة. إن التقييم الجيد والدوري لنتائج الحوار بشكل مرحلي مهمٌّ لمعرفة درجة التقدّم مع نقاط الاتفاق والاختلاف، بما يتضمن قرار إيقاف عملية الحوار لضعف التقدم والجدوى، أو ظهور نتائج عكسية لمشروع الحوار. ينبغي مراعاة مبدَأي الشفافية والعلنية ما أمكن، لتجنّب الإشاعات، وإعطاء مصداقية أكبر، مثلًا ينبغي معرفة الجهة المنظمة؟ معايير اختيار المتحاورين.. الخ.
ومن أسباب تعثّر مشاريع وتجارب الحوار السوري-السوري، العامل الثقافي التربوي، كانتشار ثقافة المجتمع الأبوي، والثقافة الطائفية والعشائرية، وسياسات التعليم الشمولي في الحقبة الأسدية وتجييش المجتمع وضبطه عبر ما يسمّى بـ (المنظمات الشعبية). حرية التفكير والتعبير والتفكير النسبي هما أساس ثقافة الحوار، وهذه قيم ضعيفة الحضور، بل إنها محارَبة من قبل القوى الاجتماعية والنظام السياسي معًا، ولذلك يبدو منطقيًا ضمور ثقافة الحوار بين السوريين، وهذه قضية، واستنتاج أراه صحيحًا لدرجة كبيرة، ولكن لا ينبغي تعميمه على مذهب القدرية، هذا يفيد في تفسير قصور ثقافة الحوار وتعثر محاولات الحوار، ولكنه لا ينبغي أن يُستخدم في سياق التبرير وقبول الواقع السيئ للمشهد السياسي- الثقافي السوري.
لنميّز ما بين حوار ثقافي-سياسي وطني مخصوص لهدف محدد، وهنا توجد عقبات كثيرة ضمن الشرط السوري الراهن، فالحوار هو أحد الوسائل المتوفرة، ولكنه قليل الفعالية في إحداث تغيير سياسي مطلوب. القضية هنا تتعلق بخيار التفاوض وموازين القوى، إضافة إلى وجود إرادة سياسية للحل والتسوية، تشمل الفاعليين السياسيين الإقليمين والدوليين. لكن على المستوى الشخصي والاجتماعي العام، يبقى الحوار مطلوبًا وجيدًا، ويمكن ممارسته بشكل يومي وعفوي، عبر وسائل التواصل الاجتماعي كذلك.
أحد أسباب تعثر مشاريع الحوار السوري-السوري ضعف الشعور بالفردية، وقلة الاعتبار للذات الإنسانية الحرة والاستقلالية، حيث ينظر كثير من المثقفين والسياسيين إلى أنفسهم كممثلين لجماعات فئوية طائفية وعرقية ومناطقية معينة. ولا يستطيعون النظر إلى أنفسهم خارج الاعتبار الهوياتي الجمعي، وهذا ما يتسبب في تعقيد المشهد، فيصبح هَمّ المتحاورين إثباتَ إخلاصهم وولائهم للجماعة الفئوية الطائفية أو القومية أو السياسية التي ينتمون إليها!
هل من الممكن محاورة شخص داعشي أو صهيوني أو أي شخص ينتمي إلى أيديولوجيا متطرفة عنيفة؟ نظريًا، هذا ممكن، بشرط ضمان سلامة الأطراف المشاركة في الحوار، مع توقّعات غير مبالغ فيها. ومن الأرجح هنا أنّ الحوار، في حال استمراره، سوف يكون مفيدًا على الصعيد النفسي، لأن التعبير عن الأفكار بحد ذاته يؤدي إلى فعلٍ مُخفّف للقلق والتوتر، ولأن مجرد الاستماع إلى سرديات الآخرين المُختلفين هو بحد ذاته تدريب ذهني ونفسي مفيد. في نمط كهذا من الحوارات غير الودّية، من المهمّ الاحتكام إلى مرجعيات عامة مصلحية غير فئوية وغير عقائدية، تجنّب مناقشة المعتقدات الدينية بحد ذاتها، وعدم الانجرار إلى نقاش عقائدي يستند إلى حجّية النصوص الدينية المقدسة أو الشعارات السياسية شبه المقدسة عند بعضهم. وينبغي مناقشة السلوك وانعكاس المعتقدات والأفكار في الواقع، وليس مناقشة المعتقدات والأفكار بحدِّ ذاتها.

