عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة، يوم الأحد 1 حزيران/ يونيو 2025، ندوة حوارية بعنوان “تحديات العدالة الانتقالية.. الآمال والآفاق والمستقبل”، شارك فيها الخبير القانوني المعتصم الكيلاني، المتخصص في حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، وأدارتها أسماء صائب أفندي، مديرة منتدى حرمون الثقافي.
تناولت الندوة محاور رئيسية تشمل كشف الحقيقة، المساءلة، التعويض، جبر الضرر، الحقيقة والذاكرة، والإصلاح المؤسسي.
استهلّ المعتصم الكيلاني حديثه بتعريف العدالة الانتقالية، موضحًا أنها “إجراءات قضائية وغير قضائية، تهدف إلى المحاسبة ومعالجة آثار الانتهاكات لحقوق الإنسان، سواء حدثت تحت نظام دكتاتوري أو خلال حرب أو نزاع داخلي مسلّح”.
وأوضح الكيلاني أن هناك 190 تجربة عالمية لتطبيق العدالة الانتقالية، بعضها نجح في تحقيق السلم الأهلي، وبعضها فشل وأدى إلى حروب جديدة. وأكد أن نجاح العدالة الانتقالية يعتمد على شموليتها، واستشهد بتجارب مثل البوسنة والهرسك، حيث رفضت الأطراف العدالة الانتقالية أولًا، لكن الضغط الشعبي من روابط عائلات الضحايا، خاصة أمهات الضحايا، فرض تطبيقها. وأشار إلى تجربة رواندا، التي شابهت الحالة السورية، حيث حاول المنتصر تحقيق توازن في العدالة الجنائية رغم التعقيدات.

وشدد الكيلاني على أهمية العدالة الشاملة لتحقيق السلم الأهلي وبناء عقد اجتماعي جديد في سورية، قائلًا: “إذا كانت العدالة الانتقالية مبنيّةً على التمييز بين الضحايا، فإننا نعالج مظلومية على حساب مظلومية جديدة”، وأكد أن تعقيد الحالة السورية ينبع من تعدد الأطراف المنخرطة في الانتهاكات، سواء عبر وكلاء أو دول مباشرة، مشيرًا إلى أن “السلم الأهلي هو الركيزة الأساسية للاستقرار والاستثمار”.
وانتقل الكيلاني لمناقشة الدمج الاجتماعي، واصفًا إياه بـ “المشكلة الكبيرة” في سورية، وأكد أن الدمج الاجتماعي، المرتبط بالعدالة الاجتماعية، يتطلّب استعادة الكرامة والحقوق لمن فقدوا وظائفهم أو عاشوا تحت ظروف قاسية، ويجب أن يتم بالتوازي مع العدالة الانتقالية.
وأشار الكيلاني إلى صدور مرسوم رئاسي لتشكيل هيئة العدالة الانتقالية في سورية، لكنه شدد على ضرورة أن تكون “ذات مصداقية”، عبر توافق جميع أطياف الشعب السوري، وقال: “يجب أن تتشكل من كل الأطياف، دون استثناء، ومن أشخاص لم ينخرطوا في عمليات عسكرية أو تحريض”.
وحذّر من أن تشكيل الهيئة من فئة واحدة سيُفقدها المصداقية، مضيفًا: “إذا طُعن بمصداقيتها، فلن تنقل سورية إلى بر الأمان”، ودعا إلى وجود مجلس تشريعي لإصدار تشريعات تضمن استقلالية ودستورية الهيئة. وأكد أن كشف الحقيقة هو أول خطوة في العدالة الانتقالية، مستشهدًا بتجارب دول مثل جنوب إفريقيا، البيرو، تشيلي، كولومبيا، والمغرب.
أوضح الكيلاني أن “لا يوجد سوريّان يتفقان على سردية واحدة للانتهاكات في سورية”، بسبب تعدد الأطراف والدعاية، ودعا إلى تشكيل لجان كشف الحقيقة من كل أطياف الشعب السوري، تعمل بمعايير دولية لتوحيد السردية، مثل مجزرة الكيمياوي في الغوطة الشرقية (آب/ أغسطس 2013)، لتحديد المسؤولين، الضحايا، وطريقة التنفيذ.
وفي محور المساءلة، أوضح الكيلاني أن سورية تواجه تحديات كبيرة، أبرزها أن قانون العقوبات السوري لا يعرف جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية، مما يتطلب تعديله عبر مجلس تشريعي. وانتقد الجهاز القضائي السوري، داعيًا إلى إعادة هيكلة الجهاز القضائي عبر تأهيل القضاة غير الفاسدين، وتدريب قضاة جدد، وإنشاء محكمة خاصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وأكد الكيلاني أن جبر الضرر هو “خلاصة العدالة الانتقالية”، مشيرًا إلى حق الضحايا وذويهم في معرفة الحقيقة، والمساءلة، والتعويض المادي، وقال: “الدولة مسؤولة عن الانتهاكات السابقة، بغض النظر عن الحكومات”، واستشهد بتجربة تونس، حيث اعتذر الرئيس المنصف المرزوقي عن أفعال النظام السابق، رغم تعرضه للاضطهاد.
وفي محور الإصلاح المؤسسي، شدّد الكيلاني على ضرورة إعادة هيكلة المؤسسات لمنع تكرار الانتهاكات، مثل إلغاء الفروع الأمنية في الجامعات ووزارة الداخلية، ودعا إلى تفعيل رقابة قضائية على الأجهزة لضمان عدم عودة الانتهاكات، قائلًا: “الرقابة القضائية هي الوحيدة التي ستحمي سورية الجديدة”.
اختتم الكيلاني بالتأكيد أن السلم الأهلي والعقد الاجتماعي في سورية يعتمدان على العدالة الانتقالية الشاملة، وقال: “السّلم الأهلي ليس حوارًا بين الطوائف فقط، بل يعتمد على العدالة، وجبر الضرر، واستعادة الكرامة والحقوق”، وحذّر من أن أي تقصير في تشكيل لجان ذات مصداقية أو إصلاح المؤسسات سيؤدي إلى فشل العملية، مشددًا على أن “العدالة والكرامة هما أساس السلم الأهلي”.
اختتمت الندوة بتأكيد الحضور أهمية الجهود الشاملة والشفافة لتطبيق العدالة الانتقالية في سورية، مع التركيز على دور المجتمع المدني في الضغط، لتحقيق المساءلة وكشف الحقيقة وبناء مستقبل مستقر.
يمكن متابعة الندوة كاملة من خلال الرابط: https://youtu.be/r_oNwVes9_w

