عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة، يوم السبت 31 أيار/ مايو 2025، في مقرّه بالعاصمة القطرية الدوحة، ندوةً حواريةً بعنوان “تموضع سورية الجديد.. السيناريوهات والتداعيات المحتملة”.
شارك في الندوة الدكتور لقاء مكي، الباحث الأول في مركز الجزيرة للدراسات، وأدارها عمر إدلبي، مدير مكتب الدوحة في مركز حرمون.
تناولت الندوة التحديات الكبرى التي تواجه الدولة السورية الجديدة، ولا سيما الحفاظ على وحدة سورية واستقلال قرارها الوطني، وإعادة صياغة تحالفاتها الإقليمية والدولية، وتجنّب تحولها إلى ساحة لتضارب المصالح.
استهل الدكتور لقاء مكي مداخلته بالإشادة بجهود مركز حرمون، مشيرًا إلى أن هذه هي المرة الثانية التي يشارك فيها في نقاشات المركز حول سورية.
وقال: “أعتقد أن سورية أصبحت على مسار آمن نسبيًا، مسار ثابت وليس بطيء”، مضيفًا أن “سقوط نظام الأسد كان واحدًا من أهم الأحداث التي حصلت خلال خمسين سنة الأخيرة”، مؤكدًا أن أهمية هذا الحدث تكمن في السياق الإقليمي الذي رافقه، ولا سيما بعد تدخل إيران وتداعيات “طوفان الأقصى”.
أشار مكي إلى أن “ما حصل في يوم 8 ديسمبر 2024 كان تحولًا جوهريًا في تاريخ المنطقة”، وشدّد على أن انهيار النظام خلال أسبوعين يعكس طبيعته “الكارتونية” وضعفه الجوهري، رغم امتلاكه أدوات دفاعية.
وتناول مكي العلاقة الناشئة بين سورية الجديدة والولايات المتحدة، واصفًا إياها بـ “الواعدة جدًا”، خاصة بعد قرار رفع العقوبات الأميركية والأوروبية.
وأوضح أن “الولايات المتحدة كان لديها معرفة مسبقة”، مستشهدًا بلقاءات سابقة بين قياداتٍ سورية ومسؤولين أميركيين في إدلب، وأكد أن رفع العقوبات، بدعم من السعودية وتركيا وقطر، يعزز مكانة سورية دوليًا، وأشار إلى أن “سورية توفر للولايات المتحدة أساسًا لتحالف جديد يجعل الشرق الأوسط قريبًا من الولايات المتحدة وبعيدًا عن الصين وروسيا وإيران”.
وأشار مكي إلى تغيّر المعادلة الإقليمية، قائلًا: “لدينا خط عمودي من تركيا إلى الرياض عبر سورية والأردن”، بعد أن كان هناك “خط أفقي من إيران إلى بيروت عبر العراق وسورية”. وأوضح أن هذا المحور الجيوسياسي الناشئ (تركيا، سورية، السعودية، قطر) ليس تحالفًا رسميًا بعد، لكنه يتطلب “عناصر لبناء الثقة”، وتفاهمات لموازنة المصالح بين تركيا والسعودية.
وأضاف: “سيكون هناك نوع من التشابك المصلحي، مثل الاستثمار التركي القطري الأميركي السعودي، لأن هذه الدول مهتمّة بسورية”، وشدد على أن “التحالف الأمني التركي السعودي القطري في سورية، برعاية الدولة السورية، سيكون أساسًا لاستقرار المنطقة”.
وعن موقف إسرائيل، حذر مكي من “عدوانية كبيرة تجاه الدولة السورية الجديدة”، مشيرًا إلى مخاوف إسرائيل من تقوية سورية مستقبلًا، لكنه أكد أن ترتيبات أمنية وسياسية، بدفع أميركي، قد تؤدي إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، باستثناء الجولان، الذي يتطلب “عملية مبدعة” واتفاقية سلام طويلة الأمد.
تطرّق مكي إلى تراجع النفوذ الإيراني، قائلًا: “كسر المشروع الإيراني كان أحد نتائج الثورة السورية”، مضيفًا أن “إيران في أضعف حالاتها” إقليميًا. وأشار إلى أن روسيا بدأت “تفاضل على كيفية الخروج” من سورية، وربما تبحث عن قاعدة جديدة في ليبيا، وأكّد أن التحول في تحالفات سورية، بدعم أميركي وإقليمي، قلص نفوذ روسيا وإيران، وغيّر التوازنات الإقليمية بشكل كبير.
حذّر مكي من مخاطر فشل القيادة السورية في تحقيق انتقال سياسي جامع، قائلًا: “سورية خرجت من عنق الزجاجة”، لكن الاستثمارات والاستقرار يعتمدان على نجاح هذا المسار. وأضاف: “حينما يبدأ المال والاستثمار بالذهاب إلى مكان معين، فاعلم أنه أصبح آمنًا”، مؤكدا أن التشابكات السياسية والاقتصادية والأمنية ستحدد مستقبل سورية، محذرًا من عودة العزلة الدولية، إذا فشلت القيادة في تلبية مطالب الداخل والخارج.
اختتم مكّي مداخلته بالتأكيد على قدرة سورية على النهوض، مستندًا إلى موقعها الجيوسياسي، وشعبها المنتج، ومواردها، وشدّد على أن نجاح الثورة وقبولها شعبيًا ودوليًا كان “عنصرًا حاسمًا في نجاة سورية”، ودعا إلى مواصلة الجهود لتحقيق الاستقرار وبناء تحالفات متوازنة.
يمكن متابعة الندوة كاملة من خلال الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=TlPv4JnJ5m8

