نظّم مركز حرمون للدراسات المعاصرة، يوم الثلاثاء 18 آذار/ مارس 2025، فعالية خاصة احتفاءً بذكرى انطلاق الثورة السورية، حملت طابعًا فنيًا مميزًا.
وشكّلت الجلسة الحوارية مع المغنية السورية المبدعة ومؤلفة الأغاني لينا شاماميان، تحت عنوان “دور الفن في الأزمات الإنسانية والوطنية”، محور الفعالية، حيث جمعت بين الحوار العميق والأداء الموسيقي المؤثر.
افتتحت الفعالية بكلمة ترحيبية من إدارة المركز، أكدت فيها أهمية الفن كأداة تعبير ومقاومة في أوقات الأزمات، تلاها تقديم لينا شاماميان التي استهلت جلستها بدعوة الحضور للاشتراك في تجربة مختلفة تجمع بين الحديث والغناء، وقالت: “اليوم ستكون الجلسة مختلفة قليلًا، إنها من الأشياء التي أحب فعلها كثيرًا، وهنا لدي مساحة أكبر لأتحدث إليكم وأشارككم قصصًا وتجارب”.
واستهلت شاماميان حديثها بالعودة إلى مسيرتها الأكاديمية والفنية، مشيرة إلى دراستها للموسيقى الكلاسيكية والغناء والبيانو منذ صغرها، قبل أن تنتقل إلى مجال جديد أثّر فيها بعمق، وأشارت إلى أن هذه التجربة فتحت أمامها أبوابًا للتعرف إلى قصص جديدة، خاصة مع لقاءاتها بالسوريين خارج سورية، من درعا والرقة وحوران ودير الزور وغيرها من المناطق التي لم تكن ضمن دائرة معارفها السابقة المحدودة بمدن مثل اللاذقية وحلب ودمشق وحمص.

وأضافت: “نكتشف أن سورية أكبر بكثير مما نعرف، ومن الغريب أن نلتقي ببعضنا في المهجر أكثر مما نلتقي داخل البلد”، وأكدت أن الغربة منحتها فرصة للتعرف إلى أبناء وطنها بشكل أعمق، ما دفعها للتفكير في كيفية جمع الناس عبر الفن والموسيقى.
وانتقلت شاماميان في حديثها إلى شرح علمي وفني لدور الموسيقى، واصفة إياها بأنها “علم حقيقي يجمع بين الفيزياء والكيمياء”، وذكرت أن الموسيقى بموجاتها وتردداتها واهتزازاتها تؤثر على الدماغ بطريقة فيزيولوجية ونفسية.

وتطرقت لينا إلى تجليات الموسيقى خلال الحروب، مستذكرة أشكال الغناء التقليدية، مثل التهليلات والتهويدات التي كانت الأمهات تغنيها للأطفال، وقالت: “في أفلام الحروب القديمة، مثل فيلم الإسكندر المقدوني، كان الفايكنج يغنون حول النار بعد المعارك”. وكانت هذه الأغاني تهدئ الجنود بعد مشاهد العنف والدمار، وكذلك كانت الأمهات وبالأخص الفلسطينيات يجدن في التهليلات وسيلة للراحة النفسية وسط غياب الأزواج في الحروب.
وأضافت أن النساء كنّ يتحملن أدوارًا مزدوجة كرجال وأمهات، ثم يعدن عبر الغناء إلى أنوثتهن: “كانت تغني ليطمئن الطفل ولتطمئن هي أيضًا، فتسمح لخوفها ومشاعرها بالخروج”.
ولم تقتصر الجلسة على الحديث النظري، بل تخللتها لحظات غنائية أطربت الحضور، حيث قدّمت شاماميان مجموعة من أشهر أغانيها، مع استعراض لتاريخ الأغاني الوطنية. وأكدت أن الموسيقى لعبت دورًا كبيرًا في تعبير الشعوب عن هويتها ومقاومتها، مستشهدة بأمثلة مثل نشيد “موطني” الذي كتبه إبراهيم طوقان، والذي تحول لاحقًا إلى رمز للثورة الفلسطينية، ثم اعتُمد النشيد الوطني العراقي.

وتحدثت عن أغنيتها “شآم” التي كتبتها عام 2007، والتي تحولت بعد 2011 إلى تعبير عن تجربة السوريين في الشتات: “كنت أتساءل إن كنت سأبقى داخل البلد أو خارجه، لكنني لم أتخيل أن تصبح (شآم) أغنية تعبر عن ملايين السوريين”، وذكرت أنها تلقت شهادات من لاجئين استمعوا للأغنية في أثناء عبورهم البحر أو في المخيمات.

اختتمت شاماميان الجلسة بأداء حيّ لتهليلة أولى، تلا ذلك نقاش مفتوح مع الحضور الذين أشادوا بإحساسها العالي وقدرتها على الجمع بين الفن والرسالة الإنسانية، وقالت في ختام حديثها: “الفنّ في الحرب هو توسيع المخيلة، لينجو من لم يمُت، والفنّ حبّ، والحبّ فن، فلنحبّ”.

