تنويه:
كُتِب هذا المقال بطلب من إدارة برنامج “حوارات السوريين”، وبمناسبة مشاركة الكاتب في جلسة حوارية لمناقشة موضوع “تعزيز ثقافة الحوار”. وهو يعبّر عن رأي الكاتب وموقفه من الموضوع.
وهذا المقال يتعلق بالحوارات التي تجريها المنصات الحوارية منذ انطلاق الثورة، ولا علاقة له به الحوار الوطني الذي أطلقته الحكومة.
رئيس التحرير
يكتسي الحوار بين السوريين أهميّة استثنائية في الوقت الراهن، حيث تتطلب المرحلة الانتقالية التي انطلقت بقوة، بُعَيد سقوط النظام، حوارًا مكثفًا جديًّا بين السوريين على كل المستويات وفي كل المجالات.
وللحوار شروطه وآلياته وآدابه التي تجب مراعاتها، حتى يكون منتجًا، وإلا فإننا نكون أمام مجرد تزجية للوقت، وبالتالي نخسر فرصة المشاركة في صنع الانتقال المنشود، وفرصة رسم ملامح سورية الجديدة المنشودة.
لقد مُنع السوريون من الحوار الحقيقي على مدى ستة عقود، ورغم إدراكهم الشديد لأهميته، ورغم محاولاتهم العديدة للحوار زمن الثورة، فإنهم ظلّوا أسيرين لثقافةٍ وعاداتٍ منعتهم من تحقّق حوار بناء منتج وتراكمي ومؤثر.
وباعتباري من أصحاب الخبرة والتجربة الطويلة في الحوار بين السوريين، بحكم مشاركتي في تنظيم وإدارة عدد كبير من الفعاليات التي تطرح الحوار كوسيلة أساسية للتفاهم[2]، رأيتُ أن من المفيد نقل تجربتي وملاحظاتي النقدية على الحوار بين السوريين، في العقد الأخير على الأقل، لعلّها تساعد في تجاوز بعض السلبيات، وتمكين السوريين من إقامة حوارات ناضجة ومفيدة.
يركز القسم الأول في هذا المقال على العيوب التي تعتري حوارات السوريين في كلّ مراحلها، بدءًا باختيار الموضوعات والمشاركين، مرورًا بالدعوة والتنظيم، ثم إدارة العملية الحوارية، وصولًا إلى المخرجات. ويركز القسم الثاني على الحلول والمقترحات. والتركيز على العيوب والسلبيات لا يعني عدم وجود إيجابيات، إنما الغرض هو الفائدة.
القسم الأول: عيوب وسلبيات أنشطة الحوار السورية
أولًا – عيوب إدارية ومنهجية
- غياب العمل المؤسسي: تغيب ثقافةالعمل المؤسسي عن معظم المنصات الحوارية، وتسيطر العقلية الفردية، فأغلب المنصات الحوارية تدار من قبل أفرادٍ، أصحاب المنصة، يقررون في كل كبيرة وصغيرة. ولا يغير من طبيعة الأمر وجود آخرين، بصورة مستشارين أو مساعدين إداريين، فالمستشارون لا يُستشارون، والمساعدون للتنفيذ فقط، وبالنتيجة لا شيء يمكن أن يمرّ إذا كان مخالفًا لرأي صاحب المنتدى.
- غياب الإدارة العلمية، ويتبدى ذلك بشكل خاص في:
- غياب الرؤية والأهداف والخطط والبرامج؛ فكل شيء مرتجل وابن اللحظة والظرف والحدث.
- غياب القناعة والجدية؛ فالقائمون على المنتديات غير مهتمين بمسألة الجدوى، بقدر اهتمامهم ببقاء المنتدى مواظبًا على حضوره، فيكتفون بطرح عناوين جذابة نسبيًا، وأسماء مشهورة، ولا يعيرون أي اهتمام لإعداد أوراق مرجعية، أو تلخيص مخرجات تلك الندوات.
- غياب المراجعة الدورية وتقييم النتائج؛ فالمنصّات لا تُجري أي مراجعات نقدية بعد كل ندوة، أو على فترات زمنية محددة، لمحاولة تقييم النتائج وتقييم المحاضرين والإدارة، وتحديد الأخطاء ونقاط الخلل، ثم التعديل والتصحيح إذا استوجب الأمر. فالمراجعة مبدأ رئيس من مبادئ الإدارة الناجحة، وهي تُعتمد كمدخلات للمراجعة، وأيضًا المراجعة الصحيحة غير ممكنة بغياب الأهداف والخطط من جانب، وبغياب المعلومات الراجعة من أعضاء المنتدى ومن الجمهور ومن المحاضرين.
- غياب التوثيق، باستثناء الفيديو الذي يرفع على اليوتيوب، لا شيء يكتب أو يوثق حول اللقاءات الحوارية، وينتهي كل شيء بانتهاء اللقاء.
- كل ما ورد أعلاه يعني غياب التراكم، وانقطاع الجهود وضياعها، فينتهي كلّ شيء بانتهاء الندوة، ولا يهتم أحد بالبناء على النتائج ومتابعتها.
- غياب التنسيق بين المنتديات: فرغم ما بذل من جهود لتحقيق الحد الأدنى من التنسيق بين عمل المنتديات، فإن ذلك لم يحصل، ولا حتى بالحد الأدنى، فقد تعقد عدة ندوات في نفس التوقيت (السبت مثلًا) وقد تطرح نفس المواضيع في أكثر من ندوة، وقد تتم دعوة نفس المحاضرين.. إضافة إلى أن نسبة كبيرة من الحضور مشتركون بين عدد من المنتديات..
ثانيًا – عيوب في بيئة الحوار:
تأثرت بيئة الحوار بين السوريين سلبًا بعدة عوامل، منها:
- الانقسامات والتصدعات بين الجماعات السورية، على خلفية انتماءاتهم الدينية والقومية والسياسية والمناطقية.
- الخوف من سلطات الأمر الواقع، بالنسبة للسوريين المقيمين في الداخل أو المرتبطين معه بصورة أو بأخرى.
- الخوف من الجمهور والحاضنة الشعبية التي ينتمي إليها المتحاور، والرغبة في إرضائهم أو تجنب استفزازهم، فالجمهور يقيم محرقة لمن يخرج عن ثقافته السائدة.
وقد انعكس كلّ هذا على أداء كثير من المتحاورين، وعلى قدرتهم على التعبير عن آرائهم الحقيقية، وعلى ردود أفعالهم تجاه باقي المحاورين المختلفين في الموقف والرأي.
ثالثًا: عيوب في ثقافة الحوار لدى السوريين:
ثمة ضعف كبير في ثقافة الحوار لدى السوريين، يتبدّى ذلك في مظاهر عديدة، نشير إلى بعضها:
- التشبث بالرأي والموقف، وكأنه الحقيقة، وعدم الاستعداد للاستماع المصغي للآخرين، وتلقي أفكارهم بعقل منفتح، رغم التحسن الشكلي الملحوظ على صعيد الالتزام بآداب الحوار، من حيث الألفاظ المستخدمة وعدم المقاطعة وضبط النفس[3].
- الانحياز والتعصب لفكرة، لجماعة، لطائفة، لأيديولوجيا.. ما يعرقل التواصل ويمنع تبادل الأفكار.
- التوجس من الآخرين: ثمة شك بما يضمره الآخرون وبنواياهم الحقيقية، فالعربي يشكّ في نوايا الكردي الانفصالية، والكردي يشك في نوايا العربي في الهيمنة، والإسلامي يشكّ في نوايا العلماني في النيل من الدين، والعلماني يشك في نوايا الإسلامي في الاستئثار بالسلطة وأسلمة الدولة، والريبة من الطوائف والأقليات عمومًا… هذا التوجس من الآخرين يُقيم جدارًا بين المتحاورين يصعب تجاوزه.
- الإنصات الشكلي: يبدو للمراقب أن الحضور ينصتون للمتحدث ويتلقفون كلامه بعناية، لكن سرعان ما يتضح أنه مجرد استماع لا يرقى إلى مستوى الإنصات، وليس ثمة حرص على التقاط ما يقال بعقل مفتوح، بل فقط تحضير لما سيقولون، بغض النظر عما يسمعون.
- التثاقف وإبراز القدرات: يلاحظ حرص خاص من السوريين عمومًا على التثاقف، وإبراز القدرات وسعة الاطلاع والمعرفة، واستدعاء التاريخ، واستدعاء الأسماء المشهورة من كتاب وفلاسفة وسياسيين، ما يؤدي إلى الابتعاد عن الموضوع والإطالة وتشتيت المستمع..
- الإطالة والخروج عن الموضوع: يندر أن تجد بين السوريين من يلتزم بالوقت المحدد له، أو يلتزم بالموضوع المطروح. فتجد الإدارة نفسها بين خيارين كلاهما سيئ، إما الصرامة مع المتحدث أو عدم التدخل.
- الاستهتار وعدم التحضير: غالبًا ما يأتي المشاركون في الحوار إلى الندوات أو جلسات الحوار دون أي تحضير أو اهتمام، وكأنها أمسية للتسلية والدردشة مع الأصحاب.
القسم الثاني – المقترحات والحلول
يمكننا فقط الحديث عن مقترحات وحلول تخصّ عيوب الإدارة فقط، أما ما يخص عيوب بيئة الحوار أو عيوب الحضور، فأمر معقّد وواسع، ويحتاج إلى جهود مؤسسية جبارة وإلى سنوات.. لكن من شأن معالجة عيوب الإدارة أن تخفف كثيرًا من آثار العيوب الخاصة ببيئة الحوار وثقافته.
ويمكن معالجة عيوب الإدارة بكفاءة، بمجرد توفر الرغبة والقناعة والإرادة لدى القائمين على المنتديات، ويمكن إجمال تلك المعالجات تحت عنوانين رئيسين: المأسسة والإدارة العلمية، نضيف إليهما موضوع التنسيق بين المنتديات المختلفة لتكتمل الصورة حول ما يمكن عمله:
- مأسسة عمل المنتديات: بمعنى استبدال العقلية الفردية التي تتحكم في المنتديات بالعقلية المؤسساتية، فيكون هناك مجلس إدارة منتخب بشكل دوري، وقرار جماعي، ونظام داخلي، وآليات لاتخاذ القرار وحل الخلافات..
- اعتماد الإدارة العلمية: وتعني باختصار:
- أن تكون للمنتدى أهداف واضحة يسعى للوصول إليها.
- أن يضع الخطط والبرامج التي تساعد في تحقيق الأهداف، فيحدد العناوين المناسبة والأوقات المناسبة والمدعوين المناسبين..
- أن يتم إعداد أوراق خلفية مرجعية للموضوع، توزع على المحاضرين والحضور قبل وقت كاف من أجل التحضير والاستعداد.
- أن يهتمّ مدير الجلسة بالتحضير الجيّد لاستيعاب الموضوع، وأن يكون قادرًا على ضبط الوقت وإعادة المتحدث إلى الموضوع، ومنع التجاوزات.
- أن يصدر تقرير يلخّص أهم مخرجات الحوار، وينشر على أوسع نطاق.
- أن يتم استطلاع رأي المشاركين والجمهور على فترات دورية لمعرفة الأثر والملاحظات.
- أن تجري مراجعات دورية، كل ثلاثة أشهر، مثلًا، يجري فيها تقييم المرحلة السابقة اعتمادًا على المعلومات الراجعة، وإعادة النظر والتصحيح إذا لزم الأمر.
- التنسيق والتعاون بين المنتديات: وهذا من شأنه أن يحقق فوائد كثيرة نذكر منها:
- الاستفادة من ميزات العمل الجماعي الواسع، وتكاتف الجهود لتغطية مواضيع متفق عليها، والوصول إلى جمهور واسع هو جمهور جميع المنتديات.
- منع التضارب في المواعيد، وخسارة جزء من المشاركين وجزء من الجمهور لهذا السبب.
- منع التكرار في المواضيع وفي المحاضرين.
- تبادل الأدوار وتوزيع العمل.
- تبادل التجارب والخبرات.
- إمكانية تطوير العمل ودعم مشاريع مشتركة.
والتنسيق والتعاون لا يعني الاندماج في جسم واحد، ولا إضعاف إدارة المنتديات، إنما إدارة المصالح المشتركة وتحقيق أكبر فائدة لجمهور السوريين.
خلاصة:
من خلال نشاطي العام ومشاركتي الواسعة في إدارة الحوارات، سواء في القاعات في بريطانيا أو في الفضاء الإلكتروني، أستطيع القول إن الحوارات الناجحة هي الحوارات المخططة التي يتم تنظيمها بعناية ومسؤولية، فتحقق نسبة وازنة من أهدافها، وهذا -مع الأسف- غير محقق لدينا للأسباب المذكورة أعلاه. لكن تجاوز هذا الواقع ليس أمرًا صعبًا، فالمأسسة مع توسّل أدوات الإدارة العلمية في العمل تصبح أمرًا واقعًا بمجرد توفر القناعة والإرادة وتغليب المصلحة العامة على الرغبات الذاتية.
أختم بالقول إن نشاط المنتديات الحوارية يكتسب أهمية خاصة في مجتمعنا، ويلعب دورًا استثنائيًا في هذه المرحلة الانتقالية الحساسة والمفصلية، بسبب غياب الإعلام الحرّ والمسؤول، وغياب الأحزاب والحياة السياسية، وحاجة السوريين إلى التوعية، وحاجتهم إلى الاجتماع مجددًا تحت سقف وطن واحد، بعد أن تضافر الطغيان الأسدي مع الصراع العنيف مع التخلف الاجتماعي الموروث على تمزيقهم.
[2] أشارك وسطيًا بجلستي حوار شهريًّا، سواء في التنسيق وإدارة الندوات في صالة المنتدى العربي للتعدد الثقافي في بريطانيا، أو في عدد من مؤسسات المجتمع المدني والرعاية الاجتماعية. خلال أزمة كورونا، تعدى نشاطنا القاعات في لندن، وكثفت مؤسسات المجتمع المدني في بريطانيا برامجها الحوارية الافتراضية وتقديم العون لجماعات وأفراد من أوساط مدنية وحقوقية وثقافية وفنية ممن يرغبون بعقد اجتماع، أو إقامة ندوة، أو مؤتمر، أو جلسة حوار، وسطيًّا ما لا يقل عن فعالية واحدة على الأقل في الأسبوع.
[3] ثمة ملاحظة مهمّة بهذا الخصوص، هي أن نفس الأشخاص الذين يشاركون في ندوات حوار مشتركة مع أجانب يتصرفون من حيث الانضباط واحترام الأصول بشكل أفضل بكثير من تصرّفهم في الندوات التي تضمّ أقرانهم من السوريين. حيث يسهبون هناك ويختصرون هنا، يستأذنون مدير الحوار هناك، ويقاطعون المتحدث هنا. هذا يُشير بوضوح إلى أننا نعي الضوابط، ولكن نحتاج إلى الالتزام بها، وهنا يأتي دور الإدارة بتنظيم عملية الحوار وفقًا لآلية معتمدة دون المجاملة ومعاملة الجميع بالتساوي.

