سقط نظام الأسد، وسقَط معه حزبُ البعث العربي الاشتراكي الذي كان قائدَ الدولة والمجتمع، وكان هذا الحزب الناظمَ السياسي الوحيد للبيئات العلويّة زمنَ الاستبداد الأسدي، في ظلّ ملاحقة جميع أعضاء الأحزاب الأخرى واعتقالهم[1]، وكان ذلك الحزب مفرّغًا من أي قوة تنظيميّة ديمقراطية، وبعيدًا من أي خطاب مستقلّ أو متمايز عن خطاب السلطة نفسه، بل تداخلت صلاحياته الواسعة مع صلاحيات هيئات نظام الأسد، ومع أفرعه الأمنيّة أحيانًا، ومن ثمّ لم تحظَ بيئاتُ الساحل السوري بتجربة حزبيّة حقيقيّة، تبيّن جوهر ثقافتها وحقيقة تطلّعاتها.
تحاول هذه الورقة التي اتخذت مدينة بانياس نموذجًا للدراسة، لتنوّع أطيافها السياسيّة والدينيّة وللدور الكبير الذي لعبته هذه المدينة في الحدث السوري منذ عام 2011، استشرافَ القدرات التنظيميّة للساحل السوري، وأشكال التنظيمات السياسيّة الممكنة فيها، واستشراف المبادئ العامة التي يمكن أن تقوم عليها أجنداتها في المستقبل القريب والبعيد، وفرص هذه التنظيمات في تحقيق المطالب والعمل المجتمعي، وقدرتها على ضبط أداء السلطة المستقبليّة.
نعتمد في هذه الورقة المنهج الوصفي التحليلي، وترتكز منهجيّة البحث على مقابلات معمّقة مع رجال دين وناشطين سياسيين معارضين للنظام السابق، من مختلف المشارب اليساريّة والقوميّة، لنستخلص منها شهادات وتوقعات لهذه الشخصيّات، نرصد من خلالها حجم النشاط السياسي الحالي، والعقبات التي تعترض طريقه، مع إجراء مراجعةٍ لمختلف الأبحاث والدراسات والكتب والمقالات والمواد الصحفيّة التي صدرت وتخص هذا الشأن.
- الطروحات السياسيّة الأولى في الساحل السوري بعد سقوط النظام:
منذ اللحظات الأولى لسقوط النظام، بدأت محاولات قام بها مسؤولون في النظام السابق ورجال دين وناشطون سياسيون معارضون، لملء الفراغ السياسي في مدينة بانياس، حيث ضغطت الملفات الأمنية والمعيشية بشكل كبير على المدينة وريفها، التي ربما كانت من أكثر البيئات تعرّضًا لهذه الضغوط الكبيرة، وذلك لسببين رئيسيين:
- الوضع المعيشي السيئ في المدينة والريف، واعتماد كثير من أبنائها على الرواتب الحكومية، سواء بالوظائف المدنية أو عقود التطوّع بالجيش وقوى الأمن، إذ إن جميع عناصر الجيش وقوى الأمن والشرطة تركوا مقرّ أعمالهم، منذ صبيحة الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، وعاد معظمهم إلى قراهم ومدنهم مع عائلاتهم، ومعظمهم لا يملك بيوتًا للسكن ولا مصادر دخل أخرى، وفي هذا الشأن، يقول علي حسن([2]) وهو ضابط سابق برتبة رائد: “أنا وإخوتي أربعة في عائلتنا، وجميعنا متطوعون في الجيش، وجميعنا الآن نسكن بيت والدي، دون عمل أو أي دخل”.
حيث ترك المتطوعون في الجيش مساكنهم العسكريّة، وعادوا لقراهم التي لا يملك معظمهم مساكن مستقلّة فيها، ويقدّر أعداد المتطوعين العسكريين في بانياس وريفها بنسب عالية جدًّا، حيث لا يكاد ريفها يخلو من متطوّع أو أكثر من كل عائلة، والجميع الآن بلا أي عمل أو مدخول. ومع أنّ هناك حالات إثراء متوسط وكبير بين بعض الضبّاط والعناصر، فإنّ الأغلبيّة خرجوا من الجيش بدون مدخّرات أو مصادر دخل أخرى.
- اعتماد النظام السابق وظيفيًّا على ضباط وعناصر أمن بشكل كبير من أبناء الساحل، حيث أصرّ النظام، منذ لحظات انطلاق الثورة السورية، على إضفاء صبغة طائفيّة على تحركاته العسكرية، وذلك من خلال الميليشيات التي نشطت في الساحل السوري، حيث حرص النظام على توريط كثير من أبناء الساحل بأعمال عنف وجرائم حرب وجرائم طائفية الصبغة، وأسهم هذا الأمر، مع النسبة العالية لأبناء الساحل في الجيش وقوى الأمن، في تورّط هؤلاء بأعمال العنف وجرائم الحرب التي قادها ورعاها النظام، ذلك على المستوى النفسي لشريحة واسعة من أبناء الساحل السوري، وقد أدّت هذه الأسباب وغيرها، كتلك التي تتعلق بفساد النظام القضائي في عهد النظام السابق وإذعانه لغضّ النظر عن آل الأسد وأعمالهم المافيويّة في الساحل السوري وتوريط عدد من أبناء الساحل في أعمالهم الإجراميّة، أدّت إلى تشكيل حالة من الضغط النفسي الشديد، الذي يتمحور حول الخوف من المستقبل، وخشية بعض المقاتلين السابقين من المحاسبة، بالتزامن مع استمرار حالة الضغط المعيشي الذي تشهده بيئات الساحل السوري، ما جعل الباب مفتوحًا أمام خِطاب المتورطين، وهم الأكثر نشاطًا والأكثر تصدرًا للمشهد، ذلك لخوفهم من تشكّل حالة استقرار قد تجرّهم إلى محاكمات، بحكم ارتباطاتهم الإجرامية مع النظام، الأمر الذي جعل من هذه العناصر الأكثر اندفاعًا لترويع السكان، ونشر حالة الفوضى، وطلب تدخل خارجي، ونشر دعوات غير معلنة للاحتفاظ بالسلاح، والتحدّث بلغة التهديد للقيادة، بوصفها طرفًا في صراع، وتجنّب التعبير عن القيادة الجديدة في سورية بوصفها السلطة الحاكمة للدولة.
من جانب آخر، شهدت مدينة بانياس تفاعلًا سياسيًّا على مستوى منظمات المجتمع المدني، حيث تشكلت منظمات السلم الأهلي وتكتلات مدنيّة وسياسيّة ما زالت في طور التأسيس، كـ (التجمع المدني السوري – بانياس[3])، وهو أول نواة حراك سياسي في المدينة بعد سقوط النظام، تداعى لتأسيسه معارضون وناشطون وشباب من المدينة، وما زال قيد التأسيس بالرغم من تنوع نشاطاته، وخرجت تظاهرات للاحتفال بالنصر وبتحرير سورية في بانياس في عدة أحياء، وكان هناك بعض الاعتصامات حول قرارات تخص إعادة هيكلة بعض مؤسسات الصحة، كالمشفى الوطني في بانياس، حيث فصلت الإدارة عددًا كبيرًا من الموظفين من المشفى والنقاط الطبيّة، في كثير من القرى والبلدات التابعة للمدينة، وكانت مطالب المحتجين تتركز على رفض الفصل التعسفي([4])، حيث انضم تجمّع المعتصمين مع أقرانهم في طرطوس، واستجابت الإدارة الجديدة لمطالب المحتجين، وصرّحت بأنها بصدد تنظيف ملفات الفساد في التوظيف الحكومي الذي كان سائدًا في العهد السابق، وبأنّ جميع من أُمِروا بمغادرة مكان عملهم هم في إجازة لثلاث أشهر، وأكّدت أن لا نيّة للإدارة بتسريح أي موظف دون نيله لكامل حقوقه.
وشهدت كثير من قرى بانياس، منها (دير البشل، الدي، بارمايا، تعنيتا..)، تحركات لتنظيم لجان أهليّة ومحليّة، ودعوات لتأسيس مجالس على مستوى المدينة والمحافظة، ويتصدّر رجال الدين الذين لم يتورطوا في أعمال إجراميّة مع نظام الأسد هذا المشهد، حيث يحظون بقبول شعبي، وبخطاب معتدل وعقلاني، وسنعرّج في المحاور اللاحقة على أهم الصعوبات التي تعترض طريقهم.
2 – بيانات المشايخ العلويين وأثرها:
خرجت إلى العلن، ولا سيما على منصات فيسبوك، بيانات من شخصيات من الساحل السوري، ادّعت تمثيل الطائفة العلويّة([5])، وبعد فحص أغلب هذه البيانات وأكثرها انتشارًا، تبينَ أن هناك تيارًا يمثّل مخاوف أهالي الساحل عمومًا، وأهالي بانياس خصوصًا، وهو التيار الذي دعت فيه معظم المشايخ، كالشيخ نبهان معلّا([6])، إلى وأد الفتنة، والعمل على بناء دولة المواطنة في بعض البيانات واحترام الأقليات والمكونات السوري في بيانات أخرى، وحملت هذه البيانات مطالب شعبية تخصّ الرواتب الشهرية للموظفين والعسكريين الذين تركوا مراكز عملهم، وحظي ملف المعتقلين العسكريين عند الإدارة الجديدة، وتراوح أعدادهم بين 7000 و 10000عسكري (ليس هناك إعلان رسميّ حول أعدادهم)، بأهمية كبيرة، إذ ظهرت مطالب بالإفراج عنهم وإعادتهم إلى أهاليهم أسوةً بزملائهم الذين تركوا السلاح إبّان سقوط النظام. أما التيار الثاني فقد حمل إلى جانب هذا كلّه دعوات للتدخل الخارجي وحماية الأقليات، أمثال باسل الخطيب في طرطوس وصالح منصور([7] ) في ريف جبلة، حيث حملت بياناتهم ومنشوراتهم والفيديوهات التي نشروها على فيسبوك مطالب أهالي الساحل ومخاوفهم، مع تضمينها لمطالب التدخل الخارجي والحماية الدوليّة، إذ إن هذه المطالب، ولا سيما تلك التي تتحدث عن تدخل خارجي، لا تحظى بشعبيّة عند أهالي الساحل، ولا تمثل خارطة طريق لحل المشاكل المعيشية والأمنية التي تؤرق صفو الحياة في الساحل السوري وبانياس، فغالبيّة العسكريين توجّهوا إلى مراكز التسوية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ معظم مخاتير ورؤساء بلديات القرى والأحياء يتواصلون بشكل دائم مع غرفة العمليات عبر أرقام عناصرها على (واتساب)، وكانت غرفة العمليات قد وزعتها عليهم، لمعالجة أي مشكلة تخص قراهم وأحيائهم، وهذا يدل على أن المزاج الشعبي لدى معظم سكان بانياس ينحو باتجاه التعاون مع الإدارة الجديدة لحل مشكلات المدينة وريفها، بالتزامن مع تعاون غرفة عمليات بانياس وممثل الإدارة الجديدة، وحثّها على انضباط عناصرهم ووأد الفتن التي لا يخفى على أهالي بانياس أّن إيران وحزب الله يسعيان الآن لخلق حالة فوضى في الساحل السوري، كي يستغلوها كحصان طروادة لإعادة التموضع، إذ إنّ مطالب التدخل ولغة التهديد التي حملتها بعض البيانات تحمل المزاج الإيراني الذي شعر به سكان بانياس، فمعظم الشبان والشابات الذين استطلعنا رأيهم بهذه البيانات أكّدوا أنّ العلويّين رفضوا التشيّع في أثناء الوجود الإيراني، ورفضوه في أثناء الضائقة الماديّة، رغم عروضهم الكثيرة. ويعرف العلوّيون الآن أنّ الإيرانيين هم الخطر الأكبر عليهم، وأن دعوات التدخل الخارجي، الفرنسيّ تحديدًا، تمهّد للتدخل الإيراني وزعزعة الاستقرار.
ويُعتقد أن المخاوف الأمنيّة والمعيشيّة التي تضغط بشكل كبير على سكّان المدينة قد تجعل لدعوات التدخل الخارجي، وإن كانت تحمل صراحةً الطابع الإيراني، مكانًا لها، في حال تدهور الوضع السياسي بشكل كبير في المدينة، وقد تُسهم هذه الضغوط في الدفع باتجاه التنظيم من جهة، ومن جهة أخرى قد تدفع باتجاهات الفوضى، إلّا أنّ هناك مساعي حثيثة وإجراءات تقوم بها غرفة العمليات والإدارة الجديدة، بالتعاون مع الشخصيات النظيفة في المدينة، لتنظيم السكان، وتوحيد الخطاب الوطني، والعمل لتجنّب سيناريوهات الاحتراب والاقتتال الطائفي في المدينة.
3 _ دور الإدارة الجديدة في تحفيز أو تثبيط العمل السياسي
عملت غرفة عمليات بانياس، منذ توليها إدارة شؤون مدينة بانياس، على تحفيز العمل السياسي والمدني والأهلي في المدينة، وذلك من خلال الاجراءات التالية:
- قامت الإدارة الجديدة في المدينة بدعوة القرى والأحياء التابعة لمدينة بانياس، لتشكيل لجان تمثل هذه القرى والأحياء، لمناقشة أمورهم اليوميّة.
- لم تعترض الإدارة الجديدة في بانياس على أيّ تجمع سياسي أو مدني، بل على العكس قامت الإدارة بحماية بعض التجمعات لتي كانت كبيره نسبيًا في بانياس([8])، من عناصر الغرفة، وقامت بحماية التظاهرات التي خرجت من أجل التنديد بحرق مقامات دينيّة في حلب، حيث تسرّبت فيديوهات.
أوصلت الإدارة الجديدة رسائل تحفيزيّة وِإيجابيّة، من خلال اجتماع أهليّ نظمّته إحدى المنظمات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني قيد التأسيس، تحت اسم (المجتمع المدني السوري – بانياس)، حتى إنها أرسلت ممثل الإدارة الجديدة في مدينة بانياس شخصيًّا([9])، حيث قال: “إنّ منظمات المجتمع المدني تضبط عمل السلطة”، وشدد من خلال كلمته على حرية العمل السياسي، وعلى تحرّر السوريين من النظام البائد، وعلى رغبة الجميع في بناء دولة القانون التي تحمي السوريين وتعطيهم المجال الحيوي للعمل والبناء، وتسمح بالعمل السياسي والمدني بكلّ حرية، كحاجة أساسية لبناء الدولة. وقَدّم المحاضرون رؤية لسورية المستقبل، كما كان عنوان اللقاء الحواري، وسادت في هذا اللقاء أجواء متفائلة وأجواء إيجابية، أجاب فيها المحاضرون عن تساؤلات الحضور حول شكل الدولة الجديد، وأوصلت الإدارة العديد من رسائل الطمأنينة للحضور حول مخاوفهم من التشدد، من حيث إنها غير مناسبة للمجتمع السوري، وأكدت على حرية المواطن وعلى مبادئ المواطنة المتساوية. وشدّد المحاضرون وكثير من مداخلات الحضور على أهميّة العمل على بناء سورية واستعادة عافيتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وعلى أنّ الطائفيّة والاحتراب والثأر هو من خصال النظام البائد الذي قطعنا معه.
- – معوقات العمل السياسي والمدني في بانياس
عانت مدينة بانياس كغيرها من المدن السورية غيابًا كاملًا للحياة الثقافية والسياسية في المدينة وغيابًا كاملًا لمنظمات المجتمع المدني، باستثناء تلك التي عملت بعد اندلاع الثورة في سورية، حيث كانت ترتبط بشكل مباشر بعناصر أمنيّة، وتعمل بقوّة التمويل والتعيينات التي تفرضها الحسابات الأمنيّة على الجمعيّة أو المنظّمة، وفي هذه المرحلة تشوّهت فكرة العمل المدني، من حيث القوّة الكامنة في التنظيم ومدى أهميّة العنصر البشري وحسّ المبادرة، وقيمة العمل المدني والأهلي والسياسي من حيث نتائجه الإيجابيّة على الفرد والمجتمع ومدى مركزيته في الدول الحديثة، إذ شاعت انطباعات جماعيّة -إثر الاستبداد والقمع- حول فكرة العمل السياسي والمدني، بأنها أعمال مضنية وخطيرة لتغيير السلطة، هذا في حال قرر الفرد أو المؤسسة العمل بعيدًا عن سطوة السلطة، وعلى الجانب الآخر، تمحور عمل منظمات المجتمع المدني التي انضوت تحت جناح السلطة حول توزيع المساعدات، واتخذت لها هياكل مشابهة لهياكل السلطة معتمدةً المحسوبيّات والولاء للسلطة والملفات الأمنيّة، كعوامل أساسية في قبول العمل فيها والترقي في مناصبها، حيث تشابهت لحد كبير مع هيئات سلطة الأسد وآليات عملها. وأدّت هذه الفترة الطويلة من الاستبداد إلى غياب التنظيم السياسي الفاعل والمتمأسس بشكل جيّد، ومن ثم أدت إلى غياب خبراته وآلياته، فأدّى ذلك إلى وقوع السياسيين في كثير من المطبّات التي اعترضت طريقهم، ومن خلال عملي اليومي مع هذه التنظيمات والفعاليات، خلصت لمجموعة من الأسباب التي تعوق عودة الحياة السياسيّة، وسأقوم بطرحها على عدّة محاور:
- ملاحظات عامة حول الحياة السياسيّة في بانياس
1- يشير الميل العام، لدى معظم الناشطين السياسيين للعمل في منظمات المجتمع المدني، إلى نظرة حادة وسلبيّة تخصّ الانطباع العام حول الحزب السياسي، حيث عبّر معظمهم عن عدم قدرتهم على العمل في تنظيمات عقائديّة وذات خطاب أيديولوجي متخشّب، إذ لم تجترح السياسة السوريّة في العصر الحديث سوى الأحزاب العقائديّة، في الوقت الذي عجزت فيها كل أشكال التنظيم السياسي عن إنتاج مؤسسات ذات بعد ديمقراطي.
2- يختلط لدى معظم الناشطين مفهومُ منظمات المجتمع المدني، مع مفهوم الحزب السياسي، حيث ابتعد معظم المبادرات المجتمعيّة الجديدة عن التخصص في مجال واضح، وأخذت تسميات المجتمع المدني الحيز الأكبر، في حين اندمجت منظمات الـ (NGO) مع هذه المنظمات مع اختصاصاتها المركبة في زمن النظام السابق، وكانت تدار بإشراف السلطة السابقة.
3- أدى غياب التجربة الديمقراطيّة إلى فقدان جميع الناشطين والسياسيين لمعرفة الحاجة الرئيسية لمعنى التنظيم الديمقراطي وضرورته في الحفاظ على صلابة التنظيم، واعتمدت المحسوبيات (البيضاء أي تلك التي تعتمد على سمعة الناشط ونظافة سجله) لتسيير أمور هذه المنظمات، حيث أجمع معظمهم على عدم أهميّة الانتخابات والتنظيم والرقابة الداخلية والشفافية والمبادئ السياسيّة العامة للتنظيم لتفادي الانقسامات، لكنّهم لم يقوموا إلى الآن بالعمل على أي منها، الأمر الذي ينبئ بفوضى وتخبط في هذه التنظيمات قد لا ترى النور قبل وقت طويل.
أما التنظيم الديني في المدينة، فإن حقبة الأسد عملت بشكل ممنهج على تغييب المرجعيات الدينية في المدينة، وعلى زرع عناصر تابعة لسلطة الأسد الأب والابن ضمن البيئات الدينية وخلخلتها، وتفتيت هذه البيئات أدّى إلى غياب الثقة وتفتت البنية التنظيميّة الدينيّة، ومن الجدير بالذكر أنّه لم تظهر لحدّ الآن أيّة تنظيمات أو مجالس أو جمعيّات ذات صبغة دينيّة في المدينة.
ب_ تحركات سياسيّة ومدنيّة واندفاع للعمل السياسي
ضمن هذه الظروف، بدأ معارضون وناشطون وشبّان، بعد سقوط النظام، بالتحرك باتجاه إنشاء منظمات مجتمع مدني وحركات سياسية، مندفعين بدافع التعبير عن الذات، وهدف بناء سورية الجديدة دولة القانون، بعد سنوات طويلة من الموت السريري السياسي والاجتماعي والثقافي، ونجحت في الإسهام في تحريك العمل السياسي، ولعبت دورًا مهمًّا، كمبادرة السلم الأهلي في قرية (دير البشل)، حيث نظّمت فعاليات مدنيّة اجتماعًا في القرية القريبة من المدينة، ودعا إلى هذا الاجتماع أكاديميون ومخاتير قرى ومشايخ علويون وناشطون من بانياس، واجتمعوا في مبرة القرية (مبنى أوقاف تخصصه القرى للمناسبات الدينيّة والاجتماعية ومجالس العزاء)، حيث تداولوا الآراء والأفكار حول هذه المرحلة، والمخاوف التي يشعر بها السكان، وردود الفعل الواجب القيام بها للدفاع عن الأهالي، بعد التجاوزات التي حصلت في المدينة. وفي هذا الشأن، يقول الناشط السياسي والمعتقل السابق في حزب العمل الشيوعي سمير حيدر: “بعد أن ركزت آراءُ العديد من الأكاديميين على المخاوف، وعلى أساليب الدفاع عن النفس تجاه غرفة العمليات وشكل الدولة الجديد، طرحتُ موضوع رؤية سورية المستقبل، ودور نظام الأسد في تطييف المجتمع السوري وتأليبه على بعضه، وأشرت إلى أنّ هذه الآراء هي استمرار لنهج الأسد، وأنّ الإدارة الجديدة لسورية تسعى لبناء دولة من خلال ممارساتها على الأرض ومن خلال تصريحاتها”، وأيّده في هذا الرأي العديد من الناشطين السياسيين وكثير من الحضور من القرى، حيث إن خطاب سورية المستقبل يتقدم بأشواط على خطاب الترهيب الطائفي الذي تتبناه شخصيات كانت فاعلة مع النظام أو مع إيران، بشكل او بآخر، وشخصيات اخرى متخوّفة طائفيًّا وما تزال تعيش أجواء الترهيب الطائفي التي حاول نظام الأسد أن يكرّسها. وشهدت المدينة أيضًا عددًا من النشاطات، منها النشاط الذي ذكرناه سابقًا والذي نظمه (المجتمع المدني السوري – بانياس).
ج _ غياب التنظيم الحزبي الفاعل
شهدت مدينه بانياس حضورًا كبيرًا لتنظيمات يسارية وليبرالية، منذ الاستقلال الأول، حيث نشطت أحزاب عدة، كالحزب القومي السوري الاجتماعي، والحزب الشيوعي السوري بكداش، وحزب العمل الشيوعي، في الفترة التي تلت الاستقلال حتى عام 1982، حيث بدأ حافظ الأسد بحملة الاعتقال الواسعة ضدّ جميع التنظيمات السياسية والأحزاب في المدينة، باستثناء حزب البعث وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، لكن هذه السنوات الطويلة من القمع والاستبداد والملاحقات الأمنية أدّت إلى تفكك هذه الأحزاب وانهيارها، مع بقاء بعضها كهياكل فارغة تحمل أيديولوجيات باتت لا تناسب المرحلة الحاليّة، هذا حسب ما أدلى به معظم قاده هذه الأحزاب الذين يعملون الآن في الحقل المدني، إذ عمل ناشطون ومعارضون سابقون للنظام، من خلفيات ليبرالية ويسارية بالعمل، بعد سقوط النظام، على تأسيس منظمات مجتمع مدني، وهنا سأذكر بعض الملاحظات على هذه الأنشطة:
1- تتداخل صفة تنظيمات المجتمع المدني مع صفات الأحزاب السياسية، كرؤى لجداول أعمال ومهمات هذه التنظيمات، وقد أدى غياب أوراق عمل سياسية متفق عليها وهياكل تنظيمية إلى حال من الضياع وخوف من التفكك في الوقت نفسه.
2- يُجمع كثير من هذه الشخصيات على ضرورة العمل الحزبي والعمل على تيارات حزبية، إلّا أنّ هذه الرغبات تصطدم مع غياب أدوات التنظيم والفكر المؤسساتي الديمقراطي وحضور النزاعات الفردية، كآثار رجعية لفترات القمع المتلاحقة التي عانتها المدينة.
وتبيّنُ آراء كثير من أهالي المدينة والناشطين أن معظمهم يُجمع على أنّ هذه المدينة وريفها ستزخر بالتنظيمات السياسيّة ومنظمات المجتمع المدني بكافة أشكالها، لكن هذا الأمر سيحتاج إلى وقت وتجربة قد تطول وتقصر حسب الظروف المحيطة. وفي استقراء أوّلي لشكل الأحزاب المستقبليّة في المدينة، يبدو أنّ من المرجح ظهور أحزاب دينيّة (علويّة وسنيّة) ذات طابع مدني ديمقراطي، تحمل في مبادئها العامّة تأكيدات على سيادة القانون الذي يتساوى أمامه جميع المواطنين، أو ظهور أحزاب ليبراليّة ذات صبغة دينيّة غير مباشرة، تركّز على مبادئ مشابهة للسابقة، وتختلف معها في أفقها السياسي والوطني، إذ إنها مؤهلة أكثر لعبور المكونات ما دون الوطنيّة.
أما الأحزاب العقائديّة، فإن فُرصها تبدو أقل في الانتشار، بمدينة بانياس وريفها، إلّا إذا اقتربت من الحياة اليوميّة للمواطنين أكثر، وغلّبت الطابع الديمقراطي على أشكالها التنظيميّة التي ما زالت تعاني بيروقراطيّة منفّرة للعمل السياسي. وفي هذه الحالة، قد تحدث تقاطعات بين الاحتمالَين، ويؤدي ذلك إلى ظهور أحزاب ذات طابع ليبرالي تضمّ شرائح سياسيّة متنوعة، تجمعها الجغرافيا والمطالب الوطنيّة المدنيّة والديمقراطيّة.
خاتمة:
بعد أن سقط نظام الأسد تاركًا سورية ومدينة بانياس وأهلها على حافة المجاعة، مع تردّ كبير للأوضاع الخدميّة والصحيّة والتعليميّة، بات من الملحّ على الإدارة الجديدة في سورية العمل، بشكل إسعافي، على ملفات الأوضاع المعيشيّة للسكان في المدينة، وترميم ما أمكن ترميمه من قطاعات الخدمات، لأنّ السكّان بحاجة ماسة إلى رؤية تحسّن ملموس في حياتهم اليومية، كي تتعزز ثقتهم بمستقبل البلاد، وإن الوضع العام للمدينة ولسورية عامة بدأ يتحسّن، حيث يقدّر أهالي المدينة عاليًا الجهود المبذولة والمضنية التي تبذلها الإدارة على جميع الصعد، وربما هذا ما أسهم في تثبيت استتباب الأمن، حيث إنّ أي تحسّن في مؤشّر جودة الحياة عند سكان المدينة، ولو كان بسيطًا، سيكون رسالة واضحة للسكان تُثبت الرغبة في بناء مستقبل جيّد واستغلال الموارد الطبيعيّة للبلاد وتوزيع ثرواتها على أبنائها. وتجدر الإشارة إلى الطرق والأساليب الفعّالة التي تتعامل بها الإدارة الجديدة، مع محاولات الإخلال بالأمن وزرع الفتن التي حدثت في أماكن مختلفة من الساحل السوري، كما حدث في قرية (خربة المعزة) وقرية (عين الشرقيّة)، وهي أمور تلامس أهالي الساحل بشكل مباشر، حيث تلمّس السكّان الصبغة الدولتيّة، في التعامل مع أحداث العنف وبؤر الفوضى، والرغبة السياسيّة الحقيقيّة لدى الإدارة الجديدة في حقن الدماء وإرساء الاستقرار، ولا شك في أن إرادة الحياة وممكناتها ستقطع الطريق على إرادة الموت وأدواتها.
[1] منير شحود، العلويّون والدولة السوريّة: الجزء الرابع (مرحلة حافظ الأسد 1970- 2000)، القسم الثاني، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، آذار/ مارس 2024، ص54، الرابط: https://bit.ly/4jV6tJT
[2] علي حسن، مقابلة شخصيّة، المكان: مدينة بانياس، تاريخ المقابلة: 12/1/2025
[3]صفحة المنتدى على فيسبوك، شوهد في 20/1/2025، https://www.facebook.com/profile.php?id=61571352656664
[4] “اعتصام سلمي لموظفي صحة طرطوس اعتراضًا على الإجازة المأجورة”، جريدة الوحدة السوريّة، 3 شباط 2025، شوهد في 7 شباط 2025، في: http://wehda.alwehda.gov.sy/?p=133413
[5] نوار قاسم، عن سؤال تسليم السلاح في أوساط العلويين، مخاوف وتوجهات متباينة بشأن السلطة الجديدة، موقع الجمهوريّة، 17 كانون الثاني 2025، شوهد 25 كانون الثاني 2025، الرابط: https://bit.ly/4hEhTjn
[6] كلمة ألقاها الشيخ نبهان معلا في منطقة القدموس، في تشييع القضاة الثلاثة الذين لقوا حتفهم جراء حادث على طريق حماة بتاريخ 24/12/2024، رابط الفيديو على فيسبوك: https://www.facebook.com/share/v/18aGPTwHfE/?mibextid=0r8j9z
[7] لارا أبي رافع، فيديو.. طالب بحماية دولية من هو الشيخ صالح منصور، موقع المشهد، 15كانون الثاني/ يناير 2025، رابط المادة: https://bit.ly/3QnYveG
[8] موقع فيسبوك، صفحة (المجتمع المدني السوري – بانياس) على فيسبوك، تم توثيق الندوة بعدد من الفيديوهات على الصفحة، منها هذا الفيديو، تاريخ النشر: 10 كانون الثاني 2025، رابط الفيديو: https://fb.watch/xNpX7XWTjv /
[9] المرجع السابق

