بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، أطلقت إسرائيل حملة عسكرية واسعة النطاق في جنوب سورية، معلنة أن هدفها الاستراتيجي هو ضمان أمن حدودها الشمالية، ومنع المجموعات المعادية من استغلال الفراغ الناتج عن انهيار النظام. وركّزت الحملة على تدمير القدرات العسكرية السورية، وإنشاء منطقة عازلة على طول الحدود، واعتبرت إسرائيل أنّ الهدف من عملياتها “دفاعي”، لمواجهة تهديدات الأسلحة المتقدمة، ومنع وصولها إلى حزب الله أو جهات أخرى معادية.
الأهداف الاستراتيجية والعمليات العسكرية
استهدفت الحملة الإسرائيلية القضاء على البنية التحتية العسكرية السورية بشكل ممنهج، حيث نفذت القوات الجوية الإسرائيلية أكثر من 480 غارة، خلال 48 ساعة، استهدفت أنظمة الدفاع الجوي ومستودعات الصواريخ ومنشآت التصنيع العسكري، مما أدى إلى تدمير ما يقدّر بـ 70-80% من القدرات العسكرية الاستراتيجية السورية، وتقدّمت القوات الإسرائيلية عبر محاور متعددة، متجاوزة منطقة فض الاشتباك التي حددتها اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974، وسيطرت على مواقع رئيسية، مثل القنيطرة والجانب السوري من جبل الشيخ، وصرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن القوات الإسرائيلية ستبقى في هذه المناطق “لضمان الأمن القومي”.
التغيرات في خطوط السيطرة
في الأسبوع الأول، سيطرت إسرائيل على مساحة 303 كيلومتر مربّع، ومع انسحابها من منطقة حوض اليرموك لاحقًا، توسّعت في المحاور الشمالية، لتصل مساحة سيطرتها إلى 346 كيلومتر مربع. وتوضح الخرائط المرفقة واقع هذه السيطرة، حيث يظهر التحوّل في المحاور العسكرية الإسرائيلية بعد توغلها الأولي.
خريطة رقم (1)

للاطلاع على الخريطة بدقة عالية يرجى الضغط على الرابط
خريطة رقم 2

للاطلاع على الخريطة بدقة عالية يرجى الضغط على الرابط
خلال الأسبوع الأول من سقوط نظام الأسد، تقدّمت القوات الإسرائيلية من أربعة محاور مختلفة، امتدت من حوض اليرموك ووصلت إلى قمة جبل الشيخ، وتوضح (خريطة رقم 1) واقع السيطرة والمحاور التي تقدمت منها إسرائيل، مع المساحات التي سيطرت عليها حتى تاريخ 24 كانون الأول 2024، وتوضّح (خريطة رقم 2) واقع السيطرة الحالي، وقد تضمّن انسحاب إسرائيل من منطقة حوض اليرموك، وتوسعها في المحاور الشمالية، وارتفعت مساحة الرقعة التي توغلت فيها إسرائيل، من 303 كلم مربع، إلى 346 كلم مربع.
واندلعت تظاهرات في القنيطرة والحضر وغيرها من المناطق، طالب فيها السكان بانسحاب القوات الإسرائيلية من قراهم وأراضيهم، وقد عبّروا عن استيائهم من عدم تحرك الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، أو المجتمع الدولي تجاه الانتهاكات الإسرائيلية، من جانبها أدانت الأمم المتحدة التصرفات الإسرائيلية، مشيرة إلى انتهاكات محتملة لاتفاقية فكّ الاشتباك لعام 1974، في حين تُصرّ إسرائيل على أنّ أفعالها تهدف إلى الدفاع عن النفس.
وتواجه حكومة أحمد الشرع صعوبةً في التعامل مع التوغلات الإسرائيلية، مع تركيز جهودها على إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار الداخلي، وإن عدم القدرة على معالجة هذه الانتهاكات يُثير الشكوك لدى السّكان في المناطق المتأثرة، بشأن قدرة حكومة الشرع على حماية سيادة البلاد.
ويضيف التقدّم الإسرائيلي تعقيدًا جديدًا إلى المشهد السوري، ويزيد حدة التوترات الإقليمية، وقد يخلق هذا الوضع بيئة تتيح لإسرائيل تحقيق مكاسب أمنية على المدى القصير، لكنّه يعمّق أزمات الاستقرار والشرعية في سورية.
وفي النهاية، يمكن القول إن التقدّمات الإسرائيلية في جنوب سورية تعكس استراتيجية قائمة على حماية الأمن الإسرائيلي من منظورها، لكنها تأتي على حساب تعقيد الوضع السوري، وزيادة معاناة السكان المحليين. وبينما تحقق إسرائيل أهدافًا عسكرية قصيرة المدى، يبقى التأثير طويل المدى لهذه التوغلات في الاستقرار الإقليمي وعلاقات سورية الدولية تحدّيًا مستمرًا للمرحلة المقبلة.

