يرصد هذا التقرير الأوضاع في سورية بين 8 كانون الأول و 31 كانون الأول 2024 على الأصعدة الآتية:
- الرصد الإداري والحوكمي
- الرصد الأمني والعسكري
- الرصد السياسي والاجتماعي
- رصد الجانب الخدمي والمعيشي
الرصد الإداري والحوكمي
مع سقوط نظام الأسد، بدأت القيادة الجديدة في سورية إعادة تشكيل المشهد الإداري والحوكمي، في محاولة لتجاوز إرث النظام السابق، وتأسيس إدارة قادرة على قيادة المرحلة الانتقالية، واعتمدت القيادة على سلسلة من القرارات التي عكست الأولويات الأمنية والسياسية الراهنة، لكنها في الوقت ذاته أثارت ردود فعل متباينة، بسبب تركيزها على شخصيات ذات ارتباطات سابقة بهيئات وفصائل بعينها.
الإدارة المحلية:
اتسمت التعيينات الإدارية في المحافظات بطابع أمني، يعكس تركيز القيادة على تحقيق الاستقرار والسيطرة، مع الاعتماد على شخصيات من الفصائل العسكرية أو حكومة الإنقاذ السابقة. ومن أبرز التعيينات:
- محافظو الفصائل العسكرية: مثل تعيين عامر الشيخ (أحرار الشام) محافظًا لريف دمشق، وعزام غريب (الجبهة الشامية) محافظًا لحلب.
- محافظو حكومة الإنقاذ السابقة: مثل تعيين ماهر محمد مروان إدلبي محافظًا لدمشق، وأنس عيروط محافظًا لطرطوس، الذي تم استبداله بمحافظ آخر.
- قيادات أمنية بارزة: تعيين حسن صوفان (أحرار الشام) محافظًا للاذقية، مما يعكس أولوية الجانب الأمني.
تظهر هذه التعيينات رغبة القيادة في تعزيز السيطرة الأمنية وتجنب الفراغ الإداري، مع الاعتماد على شخصيات قريبة من دوائر القرار الحالية.
- تشكيلة الحكومة:
تم الإعلان عن تشكيلة حكومية جديدة ضمّت شخصيات ذات خلفيات مرتبطة بـهيئة تحرير الشام وحكومة الإنقاذ السابقة، وبررت القيادة الانتقالية هذه التعيينات بأنها ضرورية، بسبب التفاهم بين الكوادر واحتياجات المرحلة.
وأصدرت بعض الوزرات قرارات على مختلف الأصعدة، ومنها:
- وزارة العمل: أصدرت آليات جديدة لترخيص المنظمات الأهلية.
- وزارة التعليم العالي: ركزت على إعادة تسمية الجامعات وتنظيم الامتحانات، إضافة إلى تجميد الاتحاد الوطني لطلبة سورية.
- وزارة الصحة: قامت بإعادة هيكلة بعض المرافق الصحية وتغيير إداراتها.
إعادة هيكلة الكيانات المدنية: تحوّلات على عدة مستويات:
كيانات مدنية ذات طابع رسمي سابقًا:
حيث أعيدت هيكلة كيانات كانت محسوبة على النظام السابق، منها:
- الاتحاد الرياضي العام: تعيين محمد الحامض رئيسًا بدلًا من قيادات النظام.
– الهلال الأحمر السوري: إقالة خالد حبوباتي المقرب من الأسد، وتعيين محمد حازم بقلة.
النقابات والاتحادات:
تم التعامل مع النقابات بثلاثة أنماط:
- نقابات لم تشهد تغييرًا يُذكر، مثل نقابة أطباء الأسنان.
- نقابات أعادت تفعيل نفسها بالكادر القديم نفسه، مثل اتحاد غرف التجارة والصحفيين.
- – نقابات شهدت تغييرات، مثل نقابة المحامين ونقابة الأطباء، التي أصبحت تحت إدارة النقابات التي كانت نشطة في إدلب.
المنظمات والجمعيات الأهلية
تم حلّ معظم الجمعيات المحسوبة على النظام: مثل “قناديل” و”الأمانة السورية للتنمية”، مع استمرار عمل جمعيات مستقلة: مثل “فريق سند التنموي”.
- التحديات
- الاستفادة من الخبرات السورية: حيث هناك تحدي استقطاب كوادر تكنوقراط وطنية قادرة على العمل ضمن الإطار الحوكمي الجديد، مع ضمان تمثيل واسع للكفاءات، بغض النظر عن الخلفيات السياسية، حيث ما يزال الولاء مقدمًا على الكفاءة.
- التعامل مع واجهات النظام السابق، وإبعاد الشخصيات والكيانات التي كانت أدوات لتسويق نظام الأسد داخليًا وخارجيًا، وإخضاعهم لمسار العدالة الانتقالية، للتحقق من جرائمهم أو تورطهم في تمويل الأنشطة غير القانونية مثل تجارة المخدرات.
- ضمان استقلالية النقابات والاتحادات وتقديم ضمانات للكوادر المدنية بعدم التدخّل في عمل النقابات والاتحادات، وتعزيز دور المجتمع المدني كمساحة مستقلة تمثل تطلعات الشعب، وما جرى حتى الآن هو استبدال قيادات موالية للنظام بأخرى موالية للهيئة أو معارضة.
يمثل الجانب الإداري والحوكمي تحديًا رئيسيًا للقيادة السورية الجديدة، والنجاح في هذه المرحلة يعتمد على تحقيق التوازن بين تعزيز الأمن وإرساء قيم الحوكمة الرشيدة، ويمكن للقيادة أن تتغلب على التحديات من خلال استقطاب الكفاءات الوطنية، وتعزيز الاستقلالية المدنية، وتطبيق العدالة الانتقالية، لضمان طي صفحة الماضي وبناء دولة جديدة قائمة على الشفافية والعدالة.
الرصد الأمني والعسكري
شهدت سورية، بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، تحولات عسكرية وأمنية عميقة، حيث دخلت البلاد في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار والتغيرات، وجرت محاولات عديدة للحكومة الانتقالية لإعادة تنظيم المشهد الأمني والعسكري،
أولًا: أهم الأحداث الأمنية:
1. نشاطات خارج القانون
في أعقاب سقوط النظام، ظهرت بعض الجماعات الإجرامية التي استغلت الفراغ الأمني لتنفيذ عمليات واسعة من النهب والتخريب، على سبيل المثال، شهدت محافظتا طرطوس واللاذقية، في 12 كانون الأول/ ديسمبر 2024، عمليات نهب استهدفت منشآت حيوية، مثل مصنع الأدوية في اللاذقية وقطار للنقل العام، وأثار ذلك مخاوف كبيرة حول هشاشة الوضع الأمني، واستجابة لهذه الأحداث، أطلقت القوات الأمنية حملات مكثفة للسيطرة على الوضع واعتقال المتورطين.
2. الإجراءات الأمنية:
شنت القوات الأمنية حملة أمنية واسعة شمالي القرداحة، استهدفت مسلّحين، وأسفرت الحملة عن مقتل ثلاثة مسلحين وإصابة عشرة آخرين، في الوقت ذاته، أُرسلت تعزيزات عسكرية إلى درعا لدعم استقرار المنطقة، ونُشرت نقاط تفتيش مع تعزيزات أمنية في سلمية وريفها جنوب شرق حماة، ممّا لاقى ترحيبًا من السكان الذين عبّروا عن ارتياحهم للخطوة، واستهدفت حملة أمنية أخرى الخارجين عن القانون في حمص، يوم 22 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وشهدت اشتباكات بين القوات والعناصر المسلحة. وجاءت الحملة بعد حادثة سرقة في حي الأرمن، أثارت جدلًا واسعًا، وأصدرت بعدها “كنيسة الاتحاد المسيحي” بيان شكر لإعادة الأمن بسرعة.
وفي يوم 25 -29 كانون الأول/ ديسمبر، أُرسلت تعزيزات كبيرة إلى محافظات طرطوس واللاذقية وحمص، لتطبيق حظر تجول وملاحقة فلول النظام، وخلال هذه الفترة، اندلعت اشتباكات عنيفة في بلقسة وتلكلخ غرب حمص، في أثناء محاولات تأمين الحدود مع لبنان، وفي كانون الأول/ ديسمبر، كان هناك احتفالات واسعة في مناطق غرب حمص، عقب سيطرة القوات على معاقل زعيم الحرب شجاع العلي، وتأمين القرى المحيطة بطريق حمص-اللاذقية.
3- مواجهة فلول النظام السابق
في إطار استهداف المتورطين بالجرائم من أتباع النظام، نفّذت السلطات سلسلة من العمليات، ولا سيما بعد محاولة بعض الفلول إتلاف كثير من الوثائق الحكومية، ففي يوم 23 كانون الأول/ ديسمبر 2024، تم إحراق وثائق حكومية مهمة في المحكمة العسكرية باللاذقية ومبنى الإنشاءات العسكرية في جبلة، إضافة إلى وثائق وزارة النقل في دمشق، وألقي القبض على عنان زويكلي، في 27 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وهو أحد أبرز المطلوبين في اللاذقية، وكان عنصرًا رئيسيًا في الميليشيات التابعة للنظام السابق، وفي 29 كانون الأول/ ديسمبر، اعتُقل عدد كبير من عناصر المخابرات الجوية والضباط البارزين في ريف دمشق ودير الزور.
4- الاشتباكات مع (قسد):
تواصلت المعارك شمال سورية، بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وفصائل المعارضة، حيث تصاعدت الاشتباكات في محيط سد تشرين وجسر قره قوزاك ومنطقة دير حافر، وأسفرت المواجهات عن سقوط نحو 120 قتيلًا من الطرفين من دون تغييرات جغرافية تذكر.
في ريف الحسكة، تواصلت المواجهات العنيفة على طول خطوط الجبهة، بين منطقة “نبع السلام” ومناطق أبو راسين وتل تمر، من دون تحقيق تغييرات جغرافية تُذكر. وعلى الرغم من تدخّل التحالف الدولي لفرض هدنة، ما يزال التوتر مستمرًا وسط تهديدات تركية بشن عملية عسكرية جديدة لتعزيز السيطرة شمال شرقي سورية.
ثانيًا: التعيينات العسكرية
1. تعيينات وإعادة هيكلة، ومنها تعيين مرهف أبو قصرة وزيرًا للدفاع، حيث قاد إصلاحات هيكلية شملت إلغاء نظام “الجيوش الأربعة”، واستبداله بــ 12 لواء متخصصًا، وفي 29 كانون الأول/ ديسمبر، أعلنت القيادة العامة لائحة ترقيات جديدة تضمّنت أسماءً سورية وأجنبية، مما أثار جدلًا بين بعض الضباط المنشقين.
2. جهود توحيد الفصائل، حيث انطلقت مباحثات بقيادة أحمد الشرع، في 24 كانون الأول/ ديسمبر، لدمج الفصائل المسلحة ضمن مؤسسة عسكرية واحدة تخضع لوزارة الدفاع، وفي يوم 28 كانون الأول/ ديسمبر، عُقد اجتماع استراتيجي بين قادة الجيش الوطني ومسؤولي الإدارة الانتقالية، لبحث تعزيز التعاون العسكري.
ثالثًا: التسويات والمصالحات
بدأت الإدارة الجديدة برنامجًا للتسويات، شمل تسليم الأسلحة وإعادة تنظيم الأوضاع القانونية للعناصر المرتبطين بالنظام السابق، في محاولة لاستعادة الاستقرار وتعزيز الثقة. وانطلقت المبادرة في 15 كانون الأول/ ديسمبر بمدينة اللاذقية، وتوسّعت لاحقًا لتشمل طرطوس، ودرعا، حيث تم تسليم أسلحة ثقيلة وصواريخ كورنيت. وشهدت العملية تسوية أوضاع شخصيات بارزة، منها اللواء طلال مخلوف، مع التركيز على محاسبة عناصر النظام المتورطين في جرائم، مثل اعتقال قائد حاجز الفارابي في حمص وعناصر من المخابرات الجوية. وعلى الرغم من نجاح المبادرة في تحقيق خطوات أولى إيجابية، فإنها تواجه تحديات تتعلق بضمان العدالة الانتقالية وإعادة دمج العناصر في المجتمع.
غير أن القرار الضمني الذي اعتبر منتسبي الجيش والأمن والشرطة مسرحين من العمل يعني ترك مئات آلاف العائلات بدون مورد، مما يثير غضبًا شديدًا من جهة، ويشير الى التسرع في اتخاذ قرارات غير مدروسة بدافع المبالغة بالهاجس الأمني.
وفي الجنوب، تصاعدت العمليات الإسرائيلية، مع تنفيذ أكثر من 450 غارة جوية وعملية برية، بين 8 و25 كانون الأول/ ديسمبر 2024، ما أثار احتجاجات أصيبَ فيها 4 مدنيين.
وتواجه كثير من المناطق في سورية مخلفات الحرب مثل الألغام التي أودت بحياة عدد من المدنيين، وسط محاولات لإزالتها، لكن هناك نقصًا في الموارد والكوادر، مما يعيق عودة بعض الأهالي الى بيوتهم.
وتسيطر إدارة العمليات العسكرية على محافظات دمشق وريفها وحمص وحماة وحلب وإدلب والساحل السوري، بينما بقي شرق الفرات وأجزاء من ريف حلب تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وهناك مناطق في ريف حلب ومنطقة نبع السلام تحت سيطرة الجيش الوطني، ويسيطر رجال الكرامة على محافظة السويداء، ولدرعا أيضًا وضع خاص حيث تسيطر فصائل المصالحة بقيادة أحمد العودة.
الرصد السياسي والاجتماعي
شهدت سورية تغييرات واسعة، على الصعيدين السياسي والاجتماعي، بعد سقوط نظام الأسد، مع ظهور مؤشرات أولية لتحسّن نسبي في إدارة الشأن العام وتعزيز الحريات المدنية. ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة أمام الحكومة الانتقالية لضمان السِّلم الأهلي وتنظيم الحياة السياسية والاجتماعية بشكل يعزز الاستقرار.
بدأ الأهالي يَشعرون بحالةٍ من الاستقرار النسبي، بفضل الجهود المبذولة من المنظمات المحلية والفرق التطوعية التي كانت نشطة مسبقًا في مناطق المعارضة، وقد ساعدت هذه الجهود في تقليل حجم الاحتياجات الأساسية، وفي تعزيز التواصل مع المجتمع المحلي، وأسهمت في تخفيف حدة القلق العام.
- مظاهر الاستقرار والمشاركة الاجتماعية
- الاحتفال بالمناسبات العامة: برز توجّه إيجابي لدى إدارة العمليات العسكرية، تمثّل في احترام المدنيين والطوائف السورية المختلفة، مما شجع على انتشار مظاهر الاحتفال بأعياد الميلاد، في مدن كبرى مثل حلب، دمشق، وأرياف حمص وحماة. وفي مدينة حلب، اجتمع ممثلو إدارة العمليات مع أبرشية حلب للروم الأرثوذكس، برئاسة المطران أفرام معلولي، وأصدروا بيانًا مشتركًا يهدف إلى طمأنة الأهالي. وفي هذا السياق، اجتمع أحمد الشرع مع رؤساء الطوائف الدينية المسيحية، في قصر الشعب، في 31 كانون الأول، وناقش الطرفان بعض القضايا السياسية والاجتماعية.
وحدثت حالات محدودة أثارت بعض القلق من المستقبل، منها حادثة حرق شجرة الميلاد في السقيلبية التي أثارت الامتعاض، وقد أظهرت التحقيقات أن العناصر الذين أحرقُوها جاؤوا من خارج المدينة، وتم تعيين عناصر لحماية الاحتفالات لاحقًا.
- الحريات العامة:
لم تُسجّل حالات تدخل في اللباس أو الممارسات الدينية أو إغلاق الأماكن العامة، مثل محلات السهر، هذه السياسة أسهمت في خلق انطباع إيجابي لدى الأهالي، وساعدت في بناء الثقة مع الحكومة الجديدة. لكن مظاهر القلق ما زالت موجودة، خصوصًا في المناطق الساحلية وأرياف حمص، حيث تنتشر بين الأهالي مخاوف مرتبطة بالمرحلة الانتقالية وتداعياتها.
2. المجتمع المدني:
أصبحت المنظمات المحلية والأحزاب السياسية أحد العوامل البارزة في المشهد الاجتماعي والسياسي بعد سقوط الأسد، مع عودة تدريجية للنشاط المدني والسياسي، وفُتح المجال أمام منظمات المجتمع المدني السورية للعمل بحرية نسبية في معظم المحافظات، وكان لنموذج مدينة حلب دور ريادي في تعزيز الثقة بين الإدارة والأهالي، حيث نظمت لقاءات مع الكادر الطبي في مستشفى حلب الجامعي لبحث تحسين الخدمات.
في محافظتي حلب وحماة، قامت منظمات مثل “الاستجابة الطارئة” وفرق إنسانية قادمة من تركيا بتوزيع الاحتياجات الأولية للسكان وإطلاق حملات إغاثية واسعة، وشهدَت دمشق ومدن كبرى افتتاح مكاتب جديدة لأحزاب مثل “تيار سورية الجديدة”، وتشكلت أحزاب جديدة مثل “الحزب السوري الديمقراطي الاجتماعي” في دير الزور، وعادت منتديات مثل “منتدى الكواكبي” في حلب للنشاط، ما يعكس بداية تعافي الحياة الثقافية، وأعلنت عدة منظمات استمرار عملها في مختلف المحافظات، مع تنسيق بين المجتمع الأهلي والمنظمات الإنسانية المستقلة، وساعد ذلك في تعزيز الاستقرار في مناطق مثل اللاذقية، عبر تشكيل هيئات مدنية متخصصة.
وفي هذا الصدد، صدر قرار من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل التابعة للإدارة الجديدة، بتنظيم عمل منظمات المجتمع المدني، ويتضمن القرار الطلب من المنظمات أن تتقدم من جديد بطلب ترخيص، وهذا ما أقلق الكثير من المنظمات والعاملين بها.
3. العلاقات السياسية الخارجية:
أصبحت دمشق مركزًا للحراك الدبلوماسي بعد سقوط النظام، حيث شهدت المدينة زيارات مكثفة من وفود دولية وإقليمية تمثل دولًا مثل تركيا، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، ودولًا عربية كقطر والكويت.
وكانت محاور النقاش الرئيسية، الدعم الاقتصادي والتنموي، والمطالبة برفع العقوبات المفروضة على سورية، باعتبار أن مسببها (نظام الأسد) قد زال، ونوقشت خطط المرحلة الانتقالية ومسار العملية السياسية في البلاد، ورؤية الحكومة الجديدة، وتعكس هذا اللقاءات الرغبة في بناء علاقات متوازنة مع الدول العربية والغربية، بما يضمن تحقيق الاستقرار وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي.
الجانب الخدمي والمعيشي
ورثت الحكومة الجديدة واقعًا خدميًا واقتصاديًا ضعيفًا، يعكس سنوات طويلة من الإهمال والتدمير، وبالرغم من بعض التحسينات الطفيفة التي ظهرت في بعض المناطق، فما زالت التحديات العميقة قائمة، وتتطلب حلولًا جذرية وتخطيطًا مستدامًا. وفي ما يلي تفاصيل الواقع الخدمي والمعيشي في سورية خلال تلك الفترة:
- الخدمات الأساسية: الكهرباء والمياه
في المدن الكبرى، مثل حلب ودمشق، شهدت خدمات الكهرباء تحسنًا طفيفًا، حيث ارتفعت ساعات التغذية إلى 4 ساعات يوميًا، مقارنة بساعتين فقط قبل سقوط النظام، وفي المناطق الريفية، مثل ريف دمشق، ريف حلب، وأحياء حمص وحلب الشرقية، بقي الوضع على حاله، بسبب تضرر البنية التحتية بشكل كبير، في حين عانت مناطق الحسكة انقطاعًا تامًا للكهرباء استمر أربعة أيام، مما زاد معاناة السكان المحليين.
أما المياه، فقد كان الوضع مشابهًا للكهرباء، حيث لم تشهد معظم المناطق تحسينات تُذكر، باستثناء مدينة حلب التي عانت انقطاع المياه لمدة أسبوعين، بسبب الاشتباكات قرب محطة التوريد في حي سليمان الحلبي.
- المواصلات والوقود
بعد سقوط النظام، أغلقت معظم محطات الوقود أبوابها، ثم عادت للعمل تدريجيًا، لكن مع ارتفاع كبير في الأسعار، حيث بلغ سعر اللتر الواحد من المازوت والبنزين 18 ألف ليرة سورية. أما الغاز المنزلي فقد أصبح متوفرًا بدون قيود البطاقة الذكية، لكن بسعر مرتفع، إذ بلغ سعر الأسطوانة 215 ألف ليرة سورية، مقارنة بـ 23 ألف ليرة سابقًا، هذه الزيادات في أسعار الوقود انعكست مباشرة على تكلفة المواصلات، حيث بلغت أجرة ركوب الباصات داخل المدن أو إلى البلدات القريبة 5 آلاف ليرة سورية، وكانت أقل من ذلك من قبل، ما أثقل كاهل المواطنين الذين يعتمدون على المواصلات يوميًا.
- النقل العام:
في حلب، استأنفت مؤسسة النقل العام عملها بالطاقم الإداري السابق، وساعد ذلك في تحسين عمليات النقل الداخلي، وفي مناطق مثل السويداء، بقيت أزمة النقل قائمة، حيث أدى نقص خدمات النقل إلى إضراب الطلبة الجامعيين الذين يعتمدون على المواصلات للتنقل بين السويداء ودمشق. وبشكل عام، عادت خدمات النقل إلى التحسّن التدريجي في معظم المناطق، ولا سيما مع استقرار الأوضاع الأمنية.
- السلع الغذائية والأسواق
في الأيام الأولى، أغلقَت معظم المحال التجارية أبوابها بسبب الاضطرابات، لكنها عادت للعمل تدريجيًا، وشهدت الأسواق انخفاضًا في أسعار بعض السلع الغذائية، مثل الزّيت النباتي، نتيجة دخول كميات كبيرة من السلع عبر الحدود، خاصة من تركيا. وبالنسبة إلى الخبز، وهو المادة الأساسية في الغذاء السوري، فقد شهدت أسعاره ارتفاعًا كبيرًا في الأسعار، حيث وصل سعر 1.5 كغ إلى 4 آلاف ليرة سورية، مقارنة بـ 800 ليرة سابقًا، وشهدت الأفران ازدحامًا كبيرًا في العديد من المناطق، مما زاد معاناة الأهالي.
- سعر الصرف:
ارتفع سعر صرف الدولار إلى 17 ألف ليرة سورية في الأيام الأولى بعد سقوط النظام، وتسبب ذلك في ارتفاع أسعار السلع بشكل عام، ثم انخفض سعر الصرف إلى 13,500 ليرة سورية، مما ساهم في استقرار الأسعار نسبيًا، باستثناء الخبز.
- القرارات والإجراءات الحكومية
طلبت الحكومة من مؤسسات الإدارة المحلية العودة إلى عملها لتسيير خدمات المواطنين. ومع ذلك، تفاوتت استجابة هذه المؤسسات من منطقة إلى أخرى، ففي حلب ودمشق، عادت معظم المؤسسات للعمل بشكل طبيعي، في حين كانت الاستجابة في مناطق أخرى أبطأ، نتيجة لنقص الكوادر أو عدم استقرار الأوضاع الأمنية.
- قطاع الصحة:
شهدت المشافي ازدحامًا كبيرًا في الأيام الأولى، نتيجة الإصابات الناتجة عن إطلاق النار العشوائي. وعادت المشافي للعمل بشكل طبيعي بعد ثلاثة أيام، بفضل توجيهات الحكومة التي طلبت من الكوادر الطبية استئناف أعمالها.
- قطاع التعليم:
استأنفت المدارس والجامعات عملها بعد سبعة أيام، بعد سلسلة من الاجتماعات التي ناقشت سبل إعادة تنظيم العملية التعليمية، واتُّخذت عدة قرارات مهمة، منها إلغاء المواد المرتبطة بالنظام السابق مثل القومية، ورفع أعلام الثورة السورية في المدارس والصفوف، وإعادة تنظيم جداول الامتحانات لتتناسب مع المرحلة الانتقالية.
- النظافة العامة:
استأنفت البلديات عملها تدريجيًا، حيث بدأت تسيير سيارات القمامة في المدن الكبرى، وعلى الرغم من بدء ورشات إصلاح الآليات، فإن نقص المعدات والكادر البشري ما زال يمثل تحديًا كبيرًا.
- البنوك والجمارك:
عادت البنوك والمؤسسات المالية للعمل، اعتبارًا من 15 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وأصدرت الحكومة قرارات بعزل 18 مديرًا للجمارك في المنافذ البرية والبحرية واستبدالهم بآخرين، لكن هذه التعيينات أثارت انتقادات، لكونها اعتمدت على الولاء السياسي أكثر من الكفاءة، كذلك صدر قرار بإلغاء الرسوم الجمركية.
التحديات:
– الكهرباء والمياه: تظلّ مشاكل الكهرباء والمياه على رأس قائمة التحديات، بسبب تضرر البنية التحتية وصعوبة إصلاحها في بعض المناطق.
– ارتفاع الأسعار: يشكّل التضخم في أسعار الوقود والسلع الغذائية عبئًا كبيرًا على المواطنين، ويتطلب رقابة حكومية صارمة لضبط الأسعار.
– نقص الكوادر: تعاني القطاعات الخدمية حالة نقص حاد في الكوادر، نتيجة تسريح الموظفين المرتبطين بالنظام السابق، مما يتطلب استقطاب الكفاءات لسد هذا النقص.
وعلى الرغم من بعض التحسّن في الخدمات الأساسية والتوجهات الحكومية الإيجابية، لا تزال سورية تواجه تحديات ضخمة على الصعيدين الخدمي والمعيشي، ويتطلّب تحسين الوضع استثمارات عاجلة في البنية التحتية، وتنفيذ سياسات اقتصادية حازمة لضبط الأسعار، وتطوير الأجهزة الحكومية لضمان استدامة الاستقرار. ومع وجود إرادة حكومية قوية، يمكن لهذه التحديات أن تتحول إلى فرص لبناء واقع أفضل للسوريين.

