في أعقاب سقوط نظام الأسد وسيطرة المعارضة على معظم أنحاء البلاد، يوم 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، صعّدت إسرائيل من عملياتها العسكرية على الأراضي السورية، بحجة مواجهة “التهديدات الأمنية الناشئة”، بحسب وجهة نظرها، وفي 08 و09 كانون الأول/ ديسمبر 2024، نفّذت إسرائيل أكثر من 185 غارة جوية، استهدفت البنية التحتية العسكرية المتقدّمة التي كانت تحت حماية النظام السابق، حيث جاءت هذه العمليات ضمن الادعاءات الإسرائيلية أن هدفها “منع وقوع الأسلحة المتقدّمة والمواقع الاستراتيجية في أيدي جهات معادية، وسط الفراغ الأمني المستمر في سورية”.
الأهداف المعلنة للعمليات الإسرائيلية
ركّزت إسرائيل، ضمن تصريحاتها العسكرية والإعلامية لتبرير غاراتها على مختلف المواقع في سورية، على إظهار أن هدف تلك العمليات تحييد الأسلحة المتقدمة، حيث ركزت الغارات على تدمير المنشآت التي تحتوي على أسلحة متقدمة تشمل صواريخ طويلة ومتوسطة المدى، وذخائر للطيران، منظومات دفاع جوي، مراكز بحوث ودراسات عسكرية، ميناء اللاذقية ومنظومات رادار كانت سابقًا تحت سيطرة نظام الأسد.
كما ركزت على منع المعارضة من امتلاك الأسلحة، إذ تقول إسرائيل إنها تهدف إلى منع وقوع الأسلحة المتقدمة في أيدي فصائل المعارضة أو جماعات أخرى، وذلك بهدف منع التهديدات المحتملة التي قد تصدر من تلك الفصائل أو الجماعات، في حال سيطرتها على مواقع ومنشآت استراتيجية.

للاطلاع على الخريطة بدقة عالية يرجى الضغط على الرابط
استراتيجية الغارات الجوية:
ركّزت الغارات الإسرائيلية الأخيرة على استهداف مواقع عسكرية استراتيجية في مناطق مختلفة من سورية وبشكل مكثف، حيث شهدت دمشق وضواحيها قصفًا مكثفًا، شمل مطار المزة العسكري ومجمّع البحوث العلمية، إضافة إلى مبنى إدارة الجمارك الواقع في منطقة كفرسوسة داخل “المربع الأمني” المعروف بكونه مركزًا حيويًا يضم مقرات الاستخبارات الرئيسة.
أما في جنوب سورية، فقد شملت الضربات الجوية محافظات درعا والسويداء والقنيطرة، مع استهداف مطار خلخلة وقاعدة الفوج 175 في مدينة إزرع، كما تم تدمير قاعدة اللواء 121 في كناكر جنوب غربي دمشق، مما يعكس تصعيدًا واضحًا في استهداف العمليات ضد البنية التحتية العسكرية في تلك المناطق. أما غرب سورية، فقد قُصف ميناء اللاذقية ومجمع البحوث العلمية في مصياف، مما يشير إلى اهتمام خاص بالمواقع المرتبطة بتطوير الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية.
وعلى الصعيد البري، نفّذت القوات الإسرائيلية تقدّمًا محدودًا في محافظة القنيطرة، حيث استولت على مواقع بالقرب من جبل الشيخ، في خطوة تشير إلى رغبة إسرائيل في تعزيز وجودها العسكري في هذه المنطقة الحدودية الحساسة، وفي تشكيل خط دفاعي متقدم داخل الأراضي السوري، وأسفرت الغارات على صعيد الخسائر البشرية عن مقتل شخصين على الأقل في محافظة السويداء، أحدهما شيخٌ محلي قُتل داخل مطار خلخلة.
ولوجستيًا، أدّت الغارات إلى تدمير كبير في المعدات والمنشآت العسكرية، مما يزيد من تعقيد الوضع الأمني في سورية في ظل الفراغ الذي تركه سقوط النظام السابق.
وفي الختام، جاءت العمليات الإسرائيلية في سياق ما تعدّه إسرائيل تحديات أمنية ناشئة عن الوضع الجديد في سورية بعد سقوط النظام، وهي تكشف عن رغبة إسرائيل في فرض قواعد اشتباك جديدة تتماشى مع رؤيتها الأمنية، وعلى الرغم من غياب موقف عدائي واضح من المعارضة السورية تجاهها، يُطرح تساؤل حول الأهداف الحقيقية لهذه العمليات، وحول سعي إسرائيل لتوسيع نفوذها الإقليمي بدلًا من مجرد تأمين الحدود. ويُتوقع استمرار الغارات الإسرائيلية كجزء من سياستها في التعامل مع التحوّلات الأمنية في سورية، من دون الأخذ بعين الاعتبار انعكاسات هذه السياسات على الديناميكيات الإقليمية، ووضع سورية كدولة تمر في مرحلة انتقالية.

