تنويه:
كُتِب هذا المقال بطلب من إدارة برنامج “حوارات السوريين”، وبمناسبة مشاركة الكاتب في جلسة حوارية لمناقشة موضوع “تعزيز ثقافة الحوار”. وهو يعبّر عن رأي الكاتب وموقفه من الموضوع.
رئيس التحرير
ربّما كان عمري نحو سبع سنوات، حين أخذني أحدهم لزيارة قريته. كطفلٍ عاش طوال حياته في المدينة، كانت القرية مكانًا غريبًا بالنسبة لي، وكانت مخيفةً أيضًا. في ذلك الوقت، لم تكن الكهرباء متوفرة في القرية، فكان الظلام دامسًا، حدثوني عن الثعابين، وعن الحصان الذي عضّ صاحبه، ورأيت عشّ النحل لأول مرة. كان الخوف مسيطرًا عليّ من كل شيء.
في أحد الأيام، أخذني أحد أطفال القرية معه، وكنّا نعبر جسرًا صغيرًا مبنيًا على ساقية جافة. خلال عبورنا، شعرت بأنه يريد دفعي من على الجسر، فدفعته قبل أن يدفعني وهربت. كان هذا الطفل محظوظًا إذْ لم يُصب بأذى، وكنت أنا محظوظًا أيضًا لنفس السبب.
نسيتُ الحادثة إلى أن بدأت دراستي في إدارة النزاعات، وعندها تذكرت القصّة، وكان تساؤلي: لماذا قمت بدفعه؟ وكان الجواب الذي حصلت عليه، مما تعلّمته: الخوف. يُعتبر الخوف أحد الأسباب الرئيسية لخلافاتنا وصراعاتنا، الخوف من نيّات الآخر، الخوف من الفقر، الخوف من فقدان الموارد، الخوف على الهوية، الخوف على أطفالنا، وغير ذلك كثير.
الخوف طبيعي، والاستجابة له في بعض الأحيان هي ما يحدد الفرق بين الحياة والموت. فإن لم نخف في الظلام ولم نكن حذرين، فقد تأكلنا الحيوانات المفترسة، وإن لم نخف النار، فقد نحترق، إن لم نخف من السيارات، فقد تدهسنا عندما نعبر الشارع. لكن إدراك أسباب خوفنا قد يجعلنا أكثر قدرة على التعامل مع الخوف بذكاء أكثر، فلا ندفع بأحدهم من على الجسر، لأننا خائفون من أنه قد يقوم بنفس الشيء إن لم ندفعه أولًا. يقول مارك توين: “الشجاعة ليست غياب الخوف، وإنما التحكّم به”.
يمكن لأي مراقب أن يرى كيف يقتل الخوف إمكانية الحوار بين السوريين، فالجميع يخاف من الجميع. نجح حكم البعث العسكري في زرع ثقافة الخوف من الآخر، الآخر الذي يمكن أن يشي بك، الآخر الذي يريد الحصول على مكانك في العمل، الآخر الذي يريد فرض طريقة حياته عليك، الآخر الذي يريد التخلص منك. كل هذه المخاطر موجودة فعلًا، لكن نظام الحكم في سورية شجّع واستثمر في هذا الخوف، وحوّله إلى حالة مرضيّة لدى أغلب السوريين، بحيث تصبح منظومة الحكم الخيارَ الأفضل لكل الخائفين من الآخر.
بعد اندلاع الثورة السورية، تحدّى السوريون نظام الخوف هذا، وشهدنا تقاربًا غير مسبوق بينهم. أسس السوريون تنسيقياتهم لتنظيم التظاهرات، وإداراتهم المحلية لتسيير شؤون بلداتهم، تشاركوا بالمال والطعام، تضامنوا مع بعضهم، بغض النظر عن هوياتهم الطائفية والقومية، ولأول مرة، من زمن طويل، شعر السوريون بانتمائهم المشترك. ردًا على هذا، سارع نظام الأسد إلى إطلاق المتطرفين من سجونه، في الوقت الذي كان فيه يقتل المتظاهرين السلميين، وسلّم مناطقَ من سورية إلى متطرفين دينيين وقوميين دعمًا للصراعات الهوياتية، على حساب الانتماء السوري. فجأة عدنا جميعًا لعصر الخوف، ونجح النظام في تفريقنا.
الآن، بعد انكشاف قوى التطرف، آن الأوان لنعود لأن نتحكم في خوفنا، ولأن نعود لبناء هويتنا المشتركة، الإنسانية أولًا والسورية ثانيًا. هذا البناء يحتاج إلى حوار جاد بيننا. حوار نسمع فيه عن مخاوف الآخرين قبل أن نتحدث عن مخاوفنا. هذه المخاوف، ولو بدت لنا غير منطقية، تصنع ردات الفعل التي نتعامل بها. وفي أحيان كثيرة، قد يكون الطرف الخائف غير مدرك لمخاوفه، أو غير قادر على التعبير عنها، فقط الاستماع الهادئ والمتفهم، قد يساعدنا للوصول إلى أعماق الآخر، ويزيد من قدرتنا على التعبير عمّا هو في أعماقنا. فعلى سبيل المثال، حين يريد طرفٌ ما فرض قيمه على المجتمع، فقد يكون السبب هو خوفه من قيام أطراف أخرى من هذا المجتمع بفرض قيمهم عليه أو على أولاده. وحين يريد طرفٌ ما الانفصال الجزئي أو الكلي، فقد يكون السبب هو عدم ثقته بأن الآخر سيسمح له بالتعبير عن هويته بحريّة.
الآن، علينا عبور الجسر معًا، وحتى لا يدفع بعضُنا بعضًا من على هذا الجسر، سيكون علينا بدء حوار جدي، يستمع فيه بعضنا إلى بعض، رغم اختلافاتنا التي قد تبدو جذرية بالنسبة لنا. وعندئذٍ يمكن أن نصنع سورية لكل السوريين، فكيف يكون هذا الحوار؟
هنالك بعض المبادئ الأساسية التي سيكون علينا التعامل معها:
١- كل مواطن وكل مجموعة لديهم مخاوفهم ومظلومياتهم، فلا أحد يحتكر المظلومية.
٢- كل المخاوف مشروعة، ويجب التعامل معها على هذا الأساس، فالتبخيس من هذه المخاوف يقود لترسيخها.
٣- الهدف من الحوار ليس الانتصار على الآخر، وإنما إيجاد المشتركات من جهة وتوسيعها، وترك مساحة كافية للآخر حتى لا يشعر بالخوف.
٤- قبول الاختلاف والتنوع كواقع لا يمكن تجاوزه.
٥- سورية تمثل هذا الاختلاف والتنوع وتفتخر به، ولا يمكن لها أن تمثل مجموعة واحدة دون غيرها.
٦- دور القانون هو حماية المواطن، وليس فرض قيم مجموعة ما على حساب غيرها.
٧- كلّ الحروب والمعارك الداخلية خاسرة، ولا تنتج إلا المزيد من المظلوميات، والمزيد من التدخلات الخارجية.
٨- الدعم الخارجي لصراعاتنا لا يهدف إلى انتصارنا، وإنما غايته تحقيق مصالح الداعمين، ويتضمن التفاوض على حسابنا.
إن عدم التعامل على أساس هذه المبادئ يقود إلى نقاشات تهدف إلى تحقيق انتصارات على الآخر، انتصارات وإن تحققت فإنها ستكون مؤقتة في انتظار تغيّر موازين القوى. خيارنا الحقيقي هو إما أن ننتصر معًا أو أن نهزم معًا، فماذا نختار؟

