تُعد ظاهرة العنف من أهم الموضوعات التي استحوذت على اهتمام الباحثين في العلوم الاجتماعية باختلاف تخصصاتهم، وهي ظاهرة عامة عرفتها المجتمعات البشرية جميعها بلا استثناء، سواء المتحضرة منها أم البدائية. ويرى عدد من الباحثين من مثل كولون ولسن أن تاريخ البشر هو تاريخ العنف، وهو جزء من ثقافة الإنسان[1].
ولكن هذه الظاهرة المستمرة منذ القِدم تتميز في العصر الحالي -وخاصة بعد ثورة التكنولوجيا[2]– بتطورها، وتعدّد أشكالها، وتداخلها مع عوامل نفسية واجتماعية ودينية وسياسية واقتصادية لا حصر لها[3]، حتى بات من الصعب تحديد مفهوم العنف أو مفهومات العنف في بعديّها الفردي والاجتماعي، أو المباشر وغير المباشر، أو الصريح والرمزي[4]. لذلك يجب وضع هذه الظاهرة المُركّبة في سياقاتها المتنوعة، وإخضاعها لتحليل دقيق عابر للتخصصات والنظريات، وهذا شرط أساس في قراءة هذه المسألة قراءة موضوعية وعلمية بعيدًا عن التحيّزات الأيديولوجية أو الثقافية.
ويُثير مصطلح العنف جملةً من المشكلات ترتبط باعتبارات أيديولوجية وسياسية وثقافية، ولكن المشكل الأهم ارتباطه بظواهر اجتماعية وسياسية متنوّعة أيضًا من مثل الثورات، والانتفاضات، والحروب، والصراعات الدينية والطائفية، والحياة العائلية والاجتماعية، وبيئة العمل، وبيئة المدرسة، وصور التمرد الناتجة عن الاجتماع البشري؛ والمشكل الآخر تعدّد المقاربات والاختصاصات التي درست هذه الظاهرة، فعلوم الاجتماع والنفس والتربية والفلسفة والاقتصاد والتاريخ والسياسة والأنثروبولوجيا واللاهوت والإدارة والحقوق والجريمة والإعلام والصحافة كلها أولت اهتمامًا خاصًا بهذه الظاهرة.
وقد أولى الباحثون اهتمامًا خاصًا بالعنف الجماعي أو بين الجماعاتي، من مثل العنف على أساس طائفي، أو ديني، أو عرقي، أو سياسي، أو طبقي، أو جندري، ومجازر الكراهية، وجرائم الحروب، والجرائم ضد البشرية، والأعمال الإرهابية، وعمليات القتل والاغتصاب والتعذيب والإهانة والتحقير والإذلال في أثناء الحروب الأهلية.
وفي كتابه “العنف، تأملات في وجوهه الستّة”[5] قسّم سلافوي جيجك (Slavoj Zizek) العنف إلى ثلاثة أنواع: العنف الذاتي، والعنف الموضوعي المنهجي، والعنف الرمزي. ويتجسد هذا الأخير في اللغة والأشكال، وهو ليس فاعلًا في العلن، وإنما ضمنيًّا من خلال التحريض مثلًا أو من خلال علاقات الاستغلال والهيمنة الاجتماعية التي تفرض شكلًا معيّنًا من القيم التي تخضع لها الطبقة الاجتماعية المُهَيمن عليها. أما العنف الموضوعي، فهو عنف منهجي كامن في طبيعة الأنظمة السياسية والاقتصادية من مثل النظام النيو-ليبرالي أو النظام الشمولي، بينما العنف الذاتي هو الجزء المرئي من صور العنف الأخرى التي يمكن التعرّف إليها بسهولة من مثل العنف المادي المباشر (القتل والإرهاب وحوادث النهب)، ولكن، بحسب ما يؤكّده جيجك، إن العنف الذاتي المادي المباشر مُفَعّل غالبًا من خلال العنف الموضوعي والعنف الرمزي.
هذا الاستعراض الموجز للعنف مفهومًا وظاهرةً يُبيّن لنا إلى أي مدى يمكن أن تتفجر هذه الظاهرة في أوقات الأزمات والثورات الشعبية والتمردات والحروب، وتخرج عن عقالها المضبوط بمجموعة من الأنظمة والقوانين والأعراف التي تتخلخل وتتزعزع في تلك اللحظات، وهذا ما حصل بالضبط في أثناء انتفاضة الشعب السوري في وجه النظام الشمولي الذي يعيش تحت نيره، وبعدها، إذ تصاعدت مستويات العدائية والعنف إلى درجات غير مسبوقة.
فمع بداية الثورة الســورية في منتصف آذار/ مارس 2011 حاول نظام الأسد إخماد الشارع المنتفض سلميًا ضده من خلال قمع المتظاهرين بالضرب الوحشي والتعذيب والشتم والتخوين والاعتقالات التعسفية، وقد مورس هذا العنف مباشرةً أمام الكاميرات أحيانًا. انتشرت آنذاك علنًا بعض الفيديوهات (المسربة) التي تُظهر أجهزة الأمن وهي تمارس التعذيب والإذلال بطريقة وحشية، وبحسب بعض الباحثين والسياسيين لم تكن هذه الفيديوهات (مسربة)، إنما سربها النظام بصورة ممنهجة كي تنتشر، وتُعيد بناء جدار الخوف عند السوريين الثائرين عليه، وحين لم تنجح هذه الاستراتيجية الردعية في إعادة المنتفضين إلى بيوتهم، زاد النظام من حدّة العنف والقتل العشوائي والمباشر للمتظاهرين، وخاصةً مع اتساع رقعة التظاهرات، وحجمها، وشمولها أنحاء سورية كلها تقريبًا.
وفي وجه وتيرة العنف المبالغ فيه الذي استخدمه نظام الأسد ضد المناطق الحاضنة للثورة، وإضفاء طابع طائفي مُتَعمَّد[6] عليها لإجبار الأقليات على التماهي مع سلطته الاستبدادية؛ انفجر عنفٌ مضادٌ في كل مكان من سورية، وبلغ مستويات غير مسبوقة، فتحولت الثورة السلمية إلى كفاح مسلح ما لبث أن تحول بدوره إلى صراع طائفي وعرقي وأهلي في بعض الأحيان. وبلغ العنف المباشر ذروته في عامي 2013 و2014 مع بروز دور الحركات الجهادية والنصرة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وأصبحت المجازر والإبادة الجماعية وقطع الرؤوس والنحر وقصف المدنيين وتهجيرهم وتدمير المباني التي مارسها النظام وميليشياته من جهة، والحركات الجهادية من جهة أخرى، مشاهد يومية لعموم السوريين، إذ ترافق العنف الحقيقي الواقعي مع عنف إعلامي وألكتروني غير مسبوق أيضًا.
والأسئلة التي تطرح نفسها في هذا المضمار: ما أسباب هذا العنف المتفجّر في أنحاء سورية كلها من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها؟ وأين تكمن هذه الأسباب؟ وإلى أي مدى يبدو العنف بعد 2011 بأنواعه وطبيعته المتنوعة (فردي وجماعي، مباشر ورمزي غير مباشر، طائفي وديني، جسدي مادي ونفسي معنوي…) جزءًا من طبيعة الشعب السوري وثقافته، أخرجته الثورة وقمع النظام الدموي والفوضى التي عمت سورية كلها إلى العلن؟ وإلى أي مدى كان العنف بعد 2011 نتاجًا مباشرًا لعنف مارسه النظام قبل الثورة وبعدها؟ وفي ضوء تقسيمات جيجك ما أنواع العنف الكامنة في بنية نظام الأسد خلال 40 عامًا من السلطة، وكيف أسس للعنف المباشر الذي مارسه بعد الثورة عليه؟
وللإجابة عن هذه الأسئلة يجب أن نأخذ بالحسبان أنه لا يوجد ظاهرة اجتماعية يمكن تفسيرها بالاعتماد على عامل أو سبب واحد، مهما كانت أهميته، فظاهرة العنف منتج مركَب من بيئة يتوافر فيها اختلالات واختناقات في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وحين نبحث عن الأسباب التي أدّت إلى كل مظاهر العنف الدموي في سورية، فإننا لا نسعى إلى تبريره، ولا تبرئته، ولا تبرئة أي جهة قامت به، وإنما نجتهد في دراسة هذه الظاهرة المعقدّة من جوانبها كافة بغية الوصول إلى أسبابها، ومن ثم اقتراح الحلول الجذرية التي لا يمكن اختزالها أبدًا في الجانب الأمني، على الرغم من أهميته.
وكما أسلفنا، فإن ظاهرة العنف غير قاصرة على منطقة معينة من سورية، وإنما منتشرة في أنحاء البلاد جميعها. فقد نشرت منظمة حقوق الإنسان في عام 2023 تقريرًا[7] صادمًا عن معاناة السوريين الإنسانية بسبب الانتهاكات الشديدة والمصاعب الجسيمة والأحوال الاقتصادية السيئة وانعدام الأمن في أنحاء سورية جميعها كما في بلدان اللجوء المحيطة، تركيا ولبنان والأردن. ففي المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري (وسط سورية وغربها وجنوبها)، واصلت أجهزة النظام من مخابرات وفروع أمنية وقوات حكومية وميليشيات غير حكومية عمليات الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، ومصادرة الممتلكات (نهب السوريين بحماية القانون)، وإساءة معاملة السوريين في المناطق جميعها بلا استثناء. أما في شمال غربي سوريا الخاضع لقوات المعارضة حيث يعيش 4.1 مليون سوري، فإنهم يتعرضون للحصار، ويفتقر معظمهم إلى أبسط موارد الحياة، وقد ارتكبت فصائل مختلفة من (الجيش الوطني السوري) والشرطة العسكرية انتهاكات عدة بحق آلاف السوريين من اعتقال، واحتجاز تعسفي، وإخفاء قسري، وتعذيب، وسوء معاملة، وعنف جنسي، ومصادرة ممتلكات، واستيلاء على منازل من دون أي عقاب. واتهمت الولايات المتحدة فصائل الجيش الوطني بأنها متورطة في تجنيد الأطفال أيضًا. وما يزال مئات الآلاف من السوريين الذين فروا من منازلهم في أثناء العمليات العسكرية التركية المتعاقبة في المنطقة، وبعدها، نازحين ومحرومين من أملاكهم. ويتعرض السوريون في المناطق الخاضعة إلى هيمنة جماعة (هيئة تحرير الشام) بين الفينة والأخرى لهجمات عشوائية من القوات السورية-الروسية، وقد خلص التقرير -آنف الذكر- إلى أن هذه الجماعة تمارس عمليات الاحتجاز التعسفي لناشطين وصحافيين وغيرهم من المدنيين الذين عبّروا عن آراء نقدية، ويتخلل ذلك حالات من التعذيب وسوء المعاملة.
أما في شمال شرقي سورية الخاضع لـ (قوات سوريا الديمقراطية- قسد) المدعومة من الولايات المتحدة، فقد أشار التقرير إلى أن هذه القوات تمارس الاعتقالات التعسفية، والتعذيب في السجون، والاحتجاز في أوضاع غير إنسانية[8]، إذ وثّق تقرير لجنة التحقيق الأممية الصادر في آب من عام 2023[9] حالات وفيات في أثناء الاحتجاز في السجون المركزية في الحسكة والرقة. وتشكل حالات تجنيد الأطفال في المناطق التي تسيطر عليها (قسد) أكثر من نصف الحالات الموثّقة في عموم سورية.
وفي ضوء ما سبق، وبالنظر إلى أهمية دراسة ظاهرة العنف في الوضع السوري الحالي، والغياب شبه التام للدراسات والأبحاث العلمية لهذه الظاهرة تدعو (قلمون: المجلة السورية للعلوم الإنسانية) الباحثات والباحثين من التخصصات جميعها إلى الكتابة في ملف العدد الثالث والثلاثين بعنوان “ظاهرة العنف في سورية بعد 2011″، وذلك ضمن المحاور المقترحة أدناه (يمكن إضافة موضوعات أخرى يرى الباحثات والباحثون أنه من المهم الخوض فيها):
- العنف بصفته المُشْكِلَة والمقاربات النظرية والمنهجية.
- الجذور الفكرية والتاريخية للتعصّب والعنف في سورية.
- تقاطعية العنف مع التمييز الممأسس والاقتصادي-الاجتماعي.
- العنف الطائفي السوري ضمن السياق السياسي الحاضر والتاريخي.
- سياسات النظام السوري في مأسسة العنف.
- تقاطع الشريعة والدين والقانون والعنف في سورية.
- الإعلام وخطاب العنف (الميديولوجيا)[10]، وسائل التواصل الاجتماعي والعنف وخطاب الكراهية والتحريض على العنف.
- الآثار النفسية والصحية والاجتماعية للعنف في سورية، وكيفية مواجهة ظاهرة العنف.
تقبل المقترحات البحثية (ملخص 500 كلمة) حتى موعد أقصاه (15 نيسان/ أبريل 2025)، على أن تستكمل البحوث في موعد أقصاه (1 آب/ أغسطس 2025).
تخضع البحوث جميعها للتحكيم العلمي.
ترسل المقترحات مرفقة بالسيرة العلمية للباحثة أو الباحث إلى إيميل رئيس التحرير:
Rasheed.Alhajsaleh@harmoon.org
[1] صالح علي المولى، “ثقافة النحر وحرفة قطع الرؤوس…أي معقولية؟ مقاربة تحليلية نقدية”، ص27-ص59، في: مجموعة مؤلفين، العنف والسياسة في المجتمعات العربية المعاصرة، ثنائية الثقافة والخطاب، ج: 2، (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017).
[2] بعضهم يتحدث عما يُسمى بـ (العنف الرقمي) أو (العنف عبر الإنترنت)، إذ يتخذ العنف من الإنترنت والشبكات الإلكترونية ساحة قتال، لا لبث روح التفرقة والتطرف ورفض الآخر فقط، وإنما لشن هجمات من شأنها إضعاف قدرات هذا الآخر نفسيًا أو ماديًا أو كليهما في آن معًا. https://www.amnesty.org/ar/what-we-do/technology/online-violence/
[3] انظر: عبد الله ملوكي، “مضامين العنف عبر إيكولوجيا الافتراضي الرمزي وتأثيرها في صناعة العنف السياسي بين الذات والآخر”، ص362-ص414، في: مجموعة مؤلفين، العنف والسياسة في المجتمعات العربية المعاصرة، ثنائية الثقافة والخطاب.
[4] تشير المسوحات الغربية إلى أن 40 بالمئة من المراهقين تعرضوا للعنف عبر الوسائط الألكترونية: Robert Baron and Nyla R. Branscombe، علم النفس الاجتماعي، طلال العلي وعويد المشعان (مترجمين)، (دار الفكر، 2016).
[5] سلافوي جيجك، العنف تأملات في وجوهه الستّة، فاضل جتكر (مترجمًا)، (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، 2017).
[6] مثال على ذلك، انظر: “أبعاد العنف الطائفي في الساحل السوري”، تقييم حالة، وحدة الدراسات السورية، (الدوحة:المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014 ).
“عملت القوى الأمنية في بانياس في نيسان/ أبريل 2011 على نقل المحتجين المعتقلين إلى قرى علوية مجاورة، وقدمتهم بوصفهم سلفيين تكفيريين، وأهينوا علنًا في الشوارع. وتظهر مقاطع فيديو حالات تعذيب القوى الأمنية لمعتقلين، وفيها يتحدث المُعذِب بلكنة ساحلية مثل “بدكن حرية، هي منشان الحرية”. انظر: عزام أمين، “الطائفية من منظرو علم النفس الاجتماعي: الحالة السورية أنموذجًا”، في كتاب: المسألة الطائفية في وصناعة الأقليات في الوطن العربي، (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017).
[7] https://www.hrw.org/world-report/2024
[8] حتى منتصف نوفمبر/تشرين الثاني، واصلت (قسد) وقوات الأمن المحلية (الأسايش) الاحتجاز التعسفي لـ 60 ألف شخص على الأقل مشتبه بانتمائهم إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وأفراد عائلاتهم من سورية وحوالى 60 دولة أخرى.
[9] https://documents.un.org/doc/undoc/gen/g23/155/49/pdf/g2315549.pdf
[10] أوّل من استخدم هذا المصطلح الكاتب الفرنسي روجيس دوبريه (Régis Debray.) عام 1979 في كتابه السلطة الثقافية في فرنسا (Le Pouvoir intellectuel en France).

