عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة ندوة حوارية، بعنوان “مسار العدالة الجنائية الدولية في سورية ولبنان وفلسطين”، يوم السبت 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2024، شارك فيها المعتصم الكيلاني، خبير قانوني مختص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، وأدارتها أسماء صائب أفندي، مديرة منتدى حرمون الثقافي في إسطنبول.
تناولت الندوة محاور رئيسية عدّة، أبرزها التحديات التي تواجه الملف السوري في ما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، وكيفية مساءلة مرتكبي الجرائم أمام المؤسسات الحقوقية الدولية. وناقشت مصير هذا المسار والتأثيرات السياسية في القانون الجنائي الدولي.

بدأت الندوة بتعريف المؤسسات المنبثقة عن الأمم المتحدة، حيث أوضح الكيلاني أن هناك مؤسسات قضائية دولية عدة، أهمّها محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية. وشدد على أهمية القانون الدولي الإنساني في تنظيم النزاعات المسلحة وحماية المدنيين.

وشرح الكيلاني أن نظام العدالة الدولي وُجد لحفظ السلام والأمن العالميين، وشدد على مسؤولية الناشطين الحقوقيين والعاملين في مجال حقوق الإنسان في دعم هذا النظام الدولي للعدالة، وأشار إلى أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، وسيحاسَب مرتكبوها حتى بعد مرور سنوات طويلة.
تطرّق الكيلاني إلى محكمة الجنايات الدولية، موضحًا أنها أنشئت بموجب نظام روما الأساسي عام 2002، وهي مختصة بتحديد المسؤولية الجنائية الفردية للأشخاص الذين يرتكبون الجرائم الدولية الكبرى، مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم العدوان. وأوضح أن هذه المحكمة تختص فقط بمحاسبة الأفراد وليس الدول. وتحدث عن محكمة العدل الدولية، وهي أعلى سلطة قضائية في الأمم المتحدة، موضحًا أنها أنشئت لفض النزاعات بين الدول، وضمان التزامها بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية.
في ما يتعلق بالقانون الدولي الإنساني، أوضح الكيلاني أنه يهدف إلى تنظيم الحروب وحماية المدنيين والأسرى، وأكد أهمية هذا القانون في ظل الانتهاكات الكبيرة التي تحدث في المنطقة. وتطرق الكيلاني إلى النظام القضائي الدولي غير الجنائي، الذي يشمل آليات الأمم المتحدة والإجراءات الخاصة، مثل المقررين الخاصين وفرق التحقيق التابعة للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، وأشار إلى أهمية هذه الآليات في مراقبة حالة حقوق الإنسان في الدول وإصدار التقارير.

وفي سياق الحديث عن التطورات التكنولوجية وتأثيرها في العنف والحروب، أكد الكيلاني أن استخدام التكنولوجيا المتطورة في القتل السريع محرّمٌ في القانون الدولي، ولفت النظر إلى أن الآليات الدولية لمكافحة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ترتبط بشكل أساسي بقوة القرار السياسي في عملية التطبيق.
وانتقد الكيلاني عدم التزام بعض الدول بقرارات المحاكم الدولية، مستشهدًا بحالة إسرائيل التي لم تلتزم بقرار محكمة العدل الدولية الصادر في 26 كانون الثاني/ يناير 2024، الذي يلزمها باتخاذ تدابير مؤقتة لحماية المدنيين في غزة، وأرجع ذلك إلى غياب آليات تنفيذ فعالة لدى هذه المحاكم.
وفي ما يتعلق بتصنيف النزاعات، أوضح الكيلاني أن القانون الدولي الإنساني هو المسؤول عن تصنيف النزاعات، وذكر أن النزاع في سورية يُصنّف كنزاع داخلي مسلح، ويتجه تصنيف الوضع في لبنان نحو اعتباره نزاعًا دوليًا مسلّحًا بسبب الاعتداءات الإسرائيلية.

وفي ما يخص الوضع في فلسطين، أكد الكيلاني أن الجرائم التي ترتكبها إسرائيل لن تمرّ دون عقاب، مشيرًا إلى أن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سيُحاكم يومًا ما أمام محكمة الجنايات الدولية، وأضاف أن توسيع رقعة الحرب وإطالة أمدها هو محاولة من نتنياهو للهروب من المحاسبة على الجرائم المرتكبة في فلسطين ولبنان.
وبالنسبة إلى الحالة السورية، أوضح الكيلاني أن سورية ليست موقّعة على نظام روما الأساسي، مما يحد من إمكانيات ملاحقة النظام السوري أمام المحكمة الجنائية الدولية، ونبّه إلى أن روسيا والصين استخدمتا حق النقض (الفيتو) 13 مرة، لمنع تحويل الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية.
وأشار الكيلاني إلى أن السبيل الوحيد المتاح حاليًا لمحاسبة مرتكبي الجرائم في سورية هو استخدام مبدأ الولاية القضائية العالمية، وأكّد أهمية هذا المسار رغم محدوديته، مشيرًا إلى أنه يحمل قيمة معنوية مهمة للضحايا وذويهم.
في ختام الندوة، أكد الكيلاني أهمية استمرار العمل على توثيق الانتهاكات وبناء الملفات القانونية، معربًا عن أمله في أن تتمكن سورية المستقبل من محاكمة مرتكبي الجرائم أمام نظام قضائي سوري نزيه وديمقراطي.
ولاقت الندوة تفاعلًا ملحوظًا من الجمهور الحاضر، حيث شارك في طرح الأسئلة والنقاشات حول مختلف جوانب العدالة الجنائية الدولية وتطبيقاتها في سياق النزاعات في المنطقة.

وسلّطت هذه الندوة الضوء على التحديات الكبيرة التي تواجه تطبيق العدالة الدولية في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما في سورية ولبنان وفلسطين، وأظهرت الحاجة الملحة إلى تطوير آليات أكثر فعالية لضمان محاسبة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بغض النظر عن الضغوط السياسية والدولية.
وأكدت الندوة أهمية استمرار جهود توثيق الانتهاكات وبناء الملفات القانونية، حتى في ظل الظروف الصعبة والعقبات السياسية، باعتبار ذلك خطوة أساسية نحو تحقيق العدالة في المستقبل.
يمكن متابعة الندوة كاملة من خلال الضغط على الرابط التالي:
فيسبوك https://bit.ly/3Nt12CE
يوتيوب https://www.youtube.com/watch?v=c-It87wAvOo

