مركز حرمون للدراسات المعاصرة
مشروع حوارات السوريين/ المرحلة الثالثة
الموضوع السادس: الانقسام المجتمعي على خلفية الموقف السياسي
تمهيد:
هذا هو الموضوع السادس، وهو الأخير من مواضيع المرحلة الثالثة من برنامج حوارات السوريين، الذي أطلقه مركز حرمون للدراسات المعاصرة منتصف العام 2021. وكانت مرحلته الثالثة قد بدأت في أيلول/ سبتمبر 2023، ويُدار البرنامج بالتعاون مع مجموعة من الشخصيات الفكرية والثقافية المستقلة.
وهذا هو الموضوع الثالث من المواضيع التي اهتمت بانقسامات السوريين، وكانت على التوالي: الانقسام على خلفية الأزمة الطائفية، والانقسام على خلفية الأزمة القومية، والانقسام على خلفية الصراع السياسي.
المقصود بـ “الانقسام المجتمعي على خلفية الموقف السياسي” هو الانقسام المجتمعي الحاد الذي حصل بين السوريين، على خلفية رأيهم وموقفهم من الصراع العنيف الذي بدأ مع ثورة السوريين في ربيع 2011، أو بعبارة أخرى هو انقسام السوريين بسبب الموقف السياسي من النظام والثورة، وسنصطلح على تسميته تجاوزًا، ولغرض الاختصار، بـ “الانقسام السياسي”.
وعلى الرغم من صعوبة مقاربة الموضوع، بسبب صعوبة جمع الأطراف والتيارات المتقابلة في جلسة حوارية واحدة، أو بسبب صعوبة التمييز بين الانقسام السياسي والانقسام المجتمعي الحاصل بين الناس بسبب موقفهم من الصراع؛ فقد رأينا، في فريق إدارة الحوار، أن موضوع الانقسام يستحق الجهد، لأنه انقسام واسع وعميق بين السوريين، وصل في بعض حالاته إلى درجة تفريق الإخوة عن بعضهم والأصدقاء عن بعضهم، بسبب الموقف من الثورة والنظام، بُعيد اندلاع الثورة، ثم تعزّز هذا الانقسام وتصلّب مع الوقت بسبب شدة الصراع واستمراره، وما واجهه السوريون من عنف وقسوة وتهجير وتدمير، وما أريق من دمائهم وكراماتهم، منذ آذار 2011 حتى الآن، ولا سيما بعد استغلال أطراف الصراع، وأصحاب المصلحة فيه، عواطف الناس عبر ضخ كل أنواع السموم والكراهية والتحشيد، حتى أصبح الموقف السياسي من الصراع وأطرافه هو العامل الحاسم في علاقات الناس ببعضها، متفوقًا بذلك على أقوى الروابط والمشتركات بينهم؛ فالموقف من الصراع يحسم العلاقات، ويَجبُّ ما قبله وما دونه.
وعلى الرغم من شدّة الانقسام واتساعه، فإننا نراه انقسامًا هشًا، يمكن احتواؤه والتعامل معه بسهولة أكبر من تلك الانقسامات ذات البعدَين الطائفي والقومي، إذ لا جذور تاريخية وأيديولوجية له، ولا مصلحة للغالبية العظمى من الناس به. ويمكن فضح سردياته والأكاذيب والمبالغات التي استُخدمت لإذكائه من قبل كل الأطراف. ويضاف إلى ذلك أن الناس، بعد مرور كل هذا الوقت، أصبحوا قادرين على الاستماع لخطابات مختلفة، وإعادة النظر بكل ما تأثروا به وشكَّل موقفهم من الطرف الآخر.
يمكن -تجاوزًا- تسمية طرفي هذا الانقسام بـ “الموالاة والمعارضة”، والموالاة (بالمعنى المقصود هنا) هم السوريون الذين يدعمون النظام الحاكم في هذا الصراع، بغض النظر عن الأسباب؛ والمعارضة (بالمعنى المقصود هنا) هم السوريون الذين يقفون ضد النظام في هذا الصراع، بغض النظر عن أسبابهم.
أخيرًا، نشدد على نقطتين: الأولى أن الحوار لا يصحّ إلا بين المختلفين، لذلك نحرص في حواراتنا على دعوة مشاركين من كل الأطراف والانتماءات؛ والثانية أن كل ما يرد في التقرير هو تكثيف لما قاله المشاركون، ولا يعبّر عن رأي إدارة الحوار.
المحاور والأسئلة:
جرى النقاش في جلستي الحوار حول المحاور والأسئلة التالية:
المحور الأول: تشخيص حالة الانقسام المجتمعي بسبب الموقف السياسي:
- ما حجم هذا الانقسام وأبعاده ومدى خطورته؟
- ما مدى تقاطعه مع الانقسامَين الطائفي والقومي؟
- وهل ترون أن مواقف الناس تجاه هذا الانقسام أصبحت الآن أكثر عقلانية وأقلّ حدة، وأن البيئة أصبحت مواتية نسبيًا لطرح مبادرات تساعد في تخفيف حدة هذا الانقسام؟
المحور الثاني: ما الذي يمكن فعله لرأب هذا الصدع بين السوريين؟ وما العقبات التي تحول دون ذلك؟
مقدمة:
غالبًا ما يكون هناك خلطٌ في حوارات السوريين بين التنوّع السياسي، وبين الانقسام السياسي، وبين الانقسام المجتمعي على خلفية الموقف السياسي، وتختلف الأسباب وراء هذا الخلط، إذ يكون بعضه غير مقصود، بسبب تعقيد الحالات وتشابكها، ويكون بعضه الآخر مقصودًا، بسبب رغبة الأشخاص في إثبات مواقفهم وآرائهم المختلفة التي تعكس اصطفافاتهم السياسية، وهؤلاء يمكن وضعهم في قسمين: قسم مقتنع بما يقول، وقسم مضطر إلى قول ما يقول.
هذا الخلط المتعمّد أو غير المتعمّد أوقعنا في مشكلة تحديد الأفكار المطروحة وتصنيفها بشكل دقيق؛ فنحن مثلًا أمام تمظهرات لمفردات سياسية تُستعمل كتوصيف سياسي معاصر، لكنها تستبطن محتوى ما قبل الدولة، فليست لتسميات “الموالاة والمعارضة”، على سبيل المثال، الدلالة نفسها عند الجميع، وليست الانقسامات السياسية والطائفية والقومية إلا انقسامًا واحدًا برأي بعضهم، ولو أردنا تحديد هذه المفاهيم -وفق المتداول في أحاديث السوريين وحواراتهم- لوجدنا أنفسنا أمام متاهة حقيقية تتشابك فيها العصبيات القومية والطائفية والمناطقية، مع المصالح الاقتصادية وسرديات المظلوميات التاريخية.. كل هذا يجعل من قراءة الانقسام المجتمعي بسبب الموقف السياسي أشبه بأحجية معقدة.
المفاجئ في الأمر أن هذا الخلط لا يقتصر على الناس العاديين، بل هو كذلك على صعيد قسم كبير من (النخب)، وهي التي يُفترض أنها الأقدر على إيضاح المفاهيم الأساسية، وعلى مقاربة الانقسام السياسي على نحو أعمق وأكثر دقة، لكن الواقع يشير إلى غير ذلك، فما تفرزه حوارات “نخب” السوريين هو أكثر تعقيدًا والتباسًا من الواقع ذاته، لذلك لم نكن موفّقين بما فيه الكفاية في الحصول على المخرجات المتوخاة من جلستي الحوار المشار إليهما، لكننا مضطرون إلى نقل الآراء والأفكار التي قيلت ضمن السياق، بأكبر قدر ممكن من الأمانة.
حول المحور الأول: تشخيص حالة الانقسام السياسي من حيث الحجم والأبعاد، ومن حيث مدى التقاطع مع الانقسامين الطائفي والقومي، وهل أصبحت مواقف الناس تجاه هذا الانقسام أكثر عقلانية وأقل حدة، بما يسمح بطرح مبادرات تساعد في تخفيف حدة هذا الانقسام؟
اتفقت معظم الآراء على وجود انقسام سياسي واسع وعميق بين السوريين، لكنهم اختلفوا في تحديد أسبابه:
- منهم (المسمون على المعارضة) من حمّل نظام الحكم في سورية مسؤولية ذلك:
- إن بسبب القمع والاستفراد بالسلطة واحتكار السياسة وإلغاء الحياة السياسية من المجتمع، ومنع تشكل أحزاب سياسية حقيقية ذات برامج، ويمكنها العمل بين الناس وممارسة اللعبة الديمقراطية.
- أو بسبب تركيزه في فترة الصراع على تشويه صورة المعارضين والمحتجين، وتخوينهم وربطهم بأجندات خارجية تريد النيل من سورية بسبب صمودها وممانعتها.
- أو بسبب سعيه لطمس جوهر الصراع، وتغييب وجهه السياسي، وإزاحته من حقل السياسة، وتحميله على الصدوع الدينية والطائفية والقومية باستخدام القوة والعنف وسفك الدماء. وترافقت إجراءات النظام تلك مع فشل ذريع للمعارضة في إبقاء الصراع في حقله الأساسي، وانجرارها إلى الحقل الذي أراده النظام.
- ومنهم (المسمون على الموالاة) من حمّل المعارضة السورية المسؤولية:
- إن بسبب تركيبتها المشوهة المأزومة، التي لا ترى في العمل السياسي إلا سلطة وكرسيًا.
- أو بسبب تركيزها على تشويه صورة النظام وإبراز بعده الطائفي..
- أو بسبب تفويتها لفرصة الحوار الذي دعا إليه النظام.
- أو بسبب تبعيتها للخارج المعادي للدولة السورية، بسبب دورها القومي وانتمائها لمحور المقاومة.
- ومنهم من ذهب إلى تحميل القوى الاستعمارية وإسرائيل جزءًا من المسؤولية، بسبب سعيها الدائم للإبقاء على تخلف المجتمعات وضعفها.
أحد المشاركين ذهب إلى أنه لا وجود لانقسام مجتمعي في سورية مختلف عما هو موجود في كل العالم، وأن هذه المشكلة تُعالج بالتدريج، وعبر تعزيز مبدأ المواطنة، وليس بالضرورة من خلال الثورات العنيفة.
وذهب رأي آخر إلى أن الانقسام المجتمعي في سورية ذو جذور عميقة، وأنه كان موجودًا قبل بدء الصراع بوقت طويل، حيث كانت سورية تعيش حالة انقسام صاعد على كل الصعد الدينية والطائفية والمناطقية، لكن الدولة كانت تمنع بالقوة ظهور هذا الانقسام إلى العلن والتعبير عنه، والقول بأن أحداث 2011 وما بعدها هي السبب المباشر في الانقسام المجتمعي غيرُ صحيح.
في المحور الثاني المتعلق بالجانب العملي، وبما يمكن فعله لرأب هذا الصدع بين السوريين، وما العقبات التي تحول دون ذلك؟
في الحلول المطروحة، برزت وجهتا نظر أساسيتان:
- الأولى ترى أنه من الصعب الحديث عن أي حلول للتخفيف من الانقسام السياسي في الشروط الراهنة، وليس ثمة جدوى من أي عمل الآن، وأنه لا بد من توفر مقدمات ضرورية وبيئة مناسبة قبل الحديث عن حلول، ومن تلك المقدمات التي ساقها المشاركون:
- لا يمكن الحديث عن حلّ للانقسام السياسي قبل تحقيق مسار مقبول للعدالة الانتقالية يشمل الجميع، ليس بشار الأسد ورموز النظام السوري فقط، بل كل الأطراف التي ارتكبت انتهاكات بحق الشعب السوري، على أن يكون مسار عدالة، لا مشروع انتقام.
- لا بدّ من توفر حياة سياسية وأحزاب فاعلة حتى يمكن الحديث عن النهوض بأعمال مؤثرة على صعيد معالجة الانقسام السياسي.
- لا بدّ من تطوير المشاركة المجتمعية، باعتبارها عنصرًا رئيسًا في تكوين الوعي السياسي وممارسة السياسة.
- معالجة أزمة الانقسام السياسي غير ممكنة إلا من خلال التنمية الاقتصادية المتوازنة بين مختلف المناطق السورية.
- لسنا اليوم في مرحلة بناء الدولة والمواطن، نحن اليوم فعلًا في مرحلة تحرر وطني، بالمعنى العميق للكلمة، وبدون إنجاز التحرر الوطني لا يمكن الحديث عن إجراءات لرأب التصدعات بين السوريين.
- تشكيل كتلة وطنية وازنة وجامعة وذات حيثية ومصداقية، تقوم على أسس وطنية، وتدير الظهر لكل الأفكار العابرة للوطنية السورية، دينية كانت أو قومية.. تتبنى برنامجًا وطنيًا للنهوض بالدولة السورية، وتكون جاهزة عندما يقرر المجتمع الدولي حلًا للمعضلة السورية.
- الثانية ترى أن العمل ممكن، بل يجب العمل منذ الآن على معالجة الانقسامات بين السوريين، وليس علينا انتظار توفر الشروط والمقدّمات الواردة في الفقرة أعلاه. ومما ساقه المشاركون من أفكار:
- تعزيز الحوار بين السوريين وتطويره وتوسيعه، وهذه مسؤولية النخب بالدرجة الأولى، مع أخذ ما يلي بعين الاعتبار:
- لا بد من الانتقال بحوارات السوريين من الدوائر المغلقة التي تقتصر على مجموعات محددة من الناشطين والناشطات المعروفين لبعضهم، إلى دوائر أوسع وأشمل تغطي كل التيارات والانتماءات.
- لا بد من نقل الحوار إلى المجتمع نفسه، لكي تكون المشاركة المجتمعية جزءًا من آلية التغيير، فبدون المشاركة المجتمعية لن يتشكل وعي سياسي ناضج، ولن تُستعاد السياسة، ولن يحدث التغيير.
- أحد المشاركين رأى أن الحوار المجتمعي الواسع غير ممكن، ويجب أن يكون الحوار الآن بين النخب التي يناط بها قيادة عملية التغيير. بحيث يتوصل هؤلاء إلى صيغ للحكم الرشيد ودولة القانون والمؤسسات ومقومات الدولة الحديثة..
- يجب العمل على توعية المجتمع السوري بالمخاطر الجدية على صيغة وجوده ومستقبله وأمنه إذا استمرت الانقسامات وتعمّقت بين السوريين، فمن شأن هذا الوعي أن يُبدّل أولويات السوريين ويجعل الانقسام السياسي يتراجع أمام وعي تلك المخاطر.
- لا حل ممكنًا في هذه الظروف إلا إذا انفتح السوريون على بعضهم، وتبادلوا خطابات مطمئنة، وركزوا على المشتركات فيما بينهم.
- يجب أن تبدأ النخب السياسية في المناطق السورية بالتشبيك مع النخب في المناطق الأخرى، ويجب البدء بوضع أسس للتعاون والحياة المشتركة، ثم تتوسع إلى باقي المناطق، وصولًا إلى تشكيل تكتلات سياسية على مستوى الدولة.
خاتمة:
كان الهدف من تنظيم الحوار حول هذا الموضوع هو محاولة التوصل إلى أفكار تساعد في التخفيف من حدة الاستقطاب بين السوريين (الناس العاديين) على خلفية مواقفهم من طرفَي الصراع في سورية، النظام والثورة، حيث اتسع هذه الانقسام وتعمّق وترك أثره العميق على العلاقات الطبيعية بين الناس، حتى ضمن الأسرة الواحدة، لكن مقاربة الموضوع بالمعنى المقصود (الانقسام المجتمعي بين موالاة ومعارضة على خلفية الصراع السياسي) كانت على درجة من الصعوبة في جلستي الحوار اللتين عُقدتا لهذا الغرض، صعوبة لجهة التمييز بين انقسام السياسيين وبين الانقسام المجتمعي، وصعوبة لجهة جعل المتحاورين المحسوبين على الموالاة يتحدثون في صلب الموضوع بحرية ودون خوف، وإبعادهم قليلًا عن قضيتهم المركزية، وهي مهاجمة المعارضة والثورة والنيل منهما.
إذًا؛ جاءت النتائج شحيحة نسبيًا، ولا تتناسب البتة مع الجهود التي بُذلت لتنظيم الجلسات، ولا مع الأسماء المهمة التي شاركت، لذلك رأينا -من باب التعويض- في فريق إدارة الحوار تنظيمَ استبانة تغطّي الموضوع، كما تغطي الانقسامين الآخرين (القومي والطائفي)، لفهم الروابط والتداخلات بين الانقسامات الثلاثة، وسيُنشر التقرير المعدّ حول الاستبانة مباشرة بعد هذا التقرير.
فريق إدارة برنامج الحوار – المرحلة الثالثة
(حسب التسلسل الأبجدي، مع حفظ الألقاب)
مستقلون متطوعون: بدر الدين عرودكي – حمزة رستناوي – ريمون معلولي – سعاد خبية – علاء الدين زيات – عيسى إبراهيم.
من مركز حرمون: بسام يوسف – نادر جبلي.
المشاركون
(حسب التسلسل الأبجدي، مع حفظ الألقاب)


