وجد آلاف اللاجئين السوريين في مصر شيئًا من الاستقرار والأمان النفسي، خلال أكثر من عقد على لجوئهم إليها، وازدهرت أحوال بعضهم، لكن ذلك لم يدم لهم، إذ باتوا يعانون اليوم حالة قلق شديد على مصيرهم ومستقبلهم فيها، وذلك بعد جملة من القرارات والإجراءات التي غيّرت مسار حياتهم، وأعادتهم إلى ميادين الحيرة والإحباط والعجز عن مواجهة الواقع الجديد؛ حيث شهد العام 2024 تغييرات نوعية في طريقة تعاطي السلطات المصرية والمفوضية العامة لشؤون اللاجئين في مصر مع ملفّهم، كان آخرها وقف منحهم الإقامات السياحية، في إجراءٍ وضَع الآلاف من السوريين أمام مشكلة حقيقية تهدّد أمانهم، وتثير مخاوفهم حول مآلات هذا التغيير وخلفياته، وإن كان يأتي في إطار القوننة والتنظيم، كما تقول السلطات المصرية، أو هو انعكاس طبيعي لتبعات الأزمة السودانية وتدفّق مئات آلاف اللاجئين السودانيين إلى مصر. ويذهب بعض المراقبين إلى اعتباره عملية غربلة وفق مصالح اقتصادية بحتة، بحيث تُبقي المستثمرَ وتُخرج اللاجئ الفقير، ويُفسّره آخرون بأنه يحمل بعدًا سياسيًا ممنهجًا هدفه تصفية ملفّ اللجوء السوري عامّة، ويرى أن هناك تواطؤًا عربيًا بغطاء دولي غايته الإجهاز على ذلك الملف، بمشاركة مفوضية اللاجئين.
هدف تقييم الحالة هذا دراسة أوضاع اللاجئين السوريين في مصر، ورصد هذه التغييرات وتحليلها، وبيان أسبابها وسياقاتها وتأثيراتها المحتملة في حياة اللاجئين السوريين في مصر، ويرسم صورة عن واقعهم ومستقبل وجودهم، ويرصد دور مفوضية اللاجئين كمرجعية حمائية في كلّ ذلك.
تطورات أوضاع اللاجئين السوريين في مصر
تكاثفت سلسلة متتابعة من الضغوط باطراد على اللاجئين السوريين في مصر، وقد ازدادت بشكل ملحوظ منذ بداية 2014، من حيث التأثير في جودة حياتهم ومستوى أمانهم، وتمتّعهم بوضع قانوني يعترف بوجودهم كلاجئين، لا كـ “ضيوف” كما دأبت السلطات المصرية على وصفهم منذ بداية دخولهم إلى مصر، أو مهاجرين ومستثمرين كما تُصوّرهم اليوم. وظهرت آخر حلقة في هذه السلسلة من الضغوط، بإيقاف منح الإقامة السياحية للسوريين على أراضيها أو تجديدها، في الأول من حزيران/ يونيو 2024، مع نهاية المهلة التي حددتها السلطات المصرية للمخالفين أو المتأخرين عن تجديد إقاماتهم، وشمل تنفيذ القرار جميع حاملي هذه الإقامة، بحيث لن تُستكمل طلبات الإقامة السابقة لهذا التاريخ ولا اللاحقة له، وقد خلّف هذا الإجراء حالة ذعر وارتباك وإحباط بين أفراد الجنسية السورية الذين خصّتهم السلطات به دون غيرهم من الجنسيات، لما يمكن أن يتسبب من تداعيات سلبية خطيرة عليهم، تبدأ من الترحيل والملاحقة، مرورًا بوقف جميع الخدمات التي يتمتعون بها (تجميد الحسابات البنكية، وقف خط الهاتف، والسفر الداخلي، عمل وكالات، توثيق عقود الإيجار، الخدمات العقارية والمرورية وسواها)، وما يجرّه ذلك من خسائر وكوارث اقتصادية ومعاشية عليهم تؤدي بالضرورة إلى تجميد أعمالهم وتعطل حياتهم، وانتهاءً بمنع قبول تسجيل أبنائهم في المدارس والجامعات. وهناك بعض السوريين ممن لديهم إقامة دراسية قاموا بتحويلها مؤقتًا إلى إقامة سياحية حتى لا يصبحوا مخالفين، لحين تمكنّهم من استئناف الإقامة الدراسية، لأسباب منها تجديد الجوازات، وكل هؤلاء أصبحوا اليوم غير قادرين على تحويل إقامتهم إلى دراسية، وهذا الوضع أعاد تذكير السوري بحالة الاستقرار الهشّ، وكان قد اعتقد بأنه قد تمكّن من الحصول على شيء من الاستقرار، بعد مرور أكثر من عقدٍ على إقامته في مصر، ليصبح الآلاف في حالة خوف من المجهول مجددًا.
بدأت عمليات الترحيل القسري الفوري على نطاق واسع، وأخذت وتيرة أعلى في الإنذارات التي سُلّمت إلى مئات السوريين الذين تم رصدهم بدون إقامات، تتضمّن إنذارًا بالمغادرة العاجلة خلال سبعة أيام، وفي حال رغبتهم في العودة إلى مصر، عليهم طلب تأشيرة جديدة بموافقة أمنية جديدة (تكلفة الطلب تراوح ما بين 1200- 1500$)، وتزامن ذلك مع الترويج لتحويل الإقامات إلى إقامات الاستثمار، حيث ظهرت مرة واحدة عشرات الإعلانات والشركات تقدّم عروضها ضمن مجموعات السوريين في مصر على “فيسبوك”، وتتوجه إلى القادرين والمستثمرين منهم في مصر بتحويل إقاماتهم السياحية التي لم تزل سارية حتى الآن إلى استثمارية، أو الخروج والعودة لمن لا يملكونها، ليتمكنوا من تحويل إقامتهم إلى استثمارية، وكأن لسان حال الدولة المصرية يقول: لا مكان في مصر إلا للمستثمرين، وبدأ الكلام الموجه عبر وسائل التواصل الاجتماعي يحثّ على ذلك، باعتباره المنفذ والحلّ لموضوع وقف الإقامة السياحية، دون اعتبار لكون الشريحة الأوسع من اللاجئين السوريين تعاني واقعًا اقتصاديًا صعبًا جدًا، ولا قدرة لها على حلول كهذه.
خلط هذا الإجراء الأوراقَ، ووضع عشرات آلاف السوريين في وضع قلق، لعدم قدرتهم على تعديل أوضاعهم، حيث إن قضية الحصول على إقامة لجوء بموجب الكرت الأصفر أمرٌ بعيد المنال، بسبب صعوبة الإجراءات التي تفرضها المفوضية، أو بسبب إغلاق ملفاتهم من قبلها بسبب تأخير التجديد، وهو ما خلق حالة ذعر حقيقي تتبدّى واضحة في الأسئلة والحالات التي يطرحها المئات منهم، ضمن مجموعات اللجوء على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبح الآلاف حاليًا بوضع غير قانوني وتحت رحمة الترحيل.
إشكالية التفاوت في أعداد السوريين في مصر
في الآونة الأخيرة، ظهرت تصريحات رسمية تتداول معلومات تشير إلى أن عدد السوريين في مصر يبلغ مليونًا ونصف المليون سوري، وأنهم الجنسية الثانية عددًا، بعد السودانيين البالغ عددهم 4 ملايين لاجئ، ولم تصدر إحصائية رسمية من الجهاز الوطني للإحصاء تُبيّن العدد الفعلي لهم خلال 12 عامًا منذ اللجوء السوري إلى مصر، وكانت الخارجية المصرية أعلنت في 29 أيار/ مايو 2019، على لسان وزير الخارجية للشؤون العربية محمد البدري، أن عدد السوريين في مصر يقدّر بنحو 550 ألفًا، وذلك أثناء مشاركته في حفل إطلاق خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين السوريين مع المفوضية العامة لشؤونهم[1]، وتشير إحصاءات المفوضية إلى أن عدد اللاجئين المسجلين لديها حتى 20 حزيران/ يونيو 2024 وصل إلى ( 392.000) لاجئًا مسجلًا من السودان، و(156.444) لاجئًا مسجلًا من سورية[2].
هناك تفاوت كبير بين أعداد المفوضية القليلة، مقابل الأرقام الكبيرة للحكومة المصرية، ويُلاحظ وجود قفزات كبيرة في أعداد السوريين وفق الأرقام المصرية، بين أعوام (2019 و2024)، على الرغم من محدودية القادمين الجدد، قياسًا بالأعداد التي دخلت مصر خلال موجة اللجوء الكبيرة في ذروة الحرب السورية (2012-2014)، عندما كان الدخول متاحًا دون تأشيرة، وقبل أن توقف السلطات المصرية بشكل تام دخولهم بتأشيرة عادية، وقد أتيح بعد هذا المنع تسرّبهم بشكل قليل، من خلال الحصول على تأشيرة دخول عبر (السوق السوداء)، حيث بدأت الأسعار بــ 3500 $ لتصل الآن بعد سنوات عدة إلى 1200$ للشخص الواحد، وقد سميت “الموافقة الأمنية”.
وفي تفسير هذا التفاوت الكبير في الأعداد، يُنظر إلى مصالح كلّ طرف، إذ إن لكلّ طرف مصالحه في الاختصار أو الزيادة، حيث يفرض إعلان عدد أقل للمسجلين من طرف المفوضية تحجيم ملف اللاجئين السوريين، ما يعني مساهمة مالية أقل ومسؤوليات أقل تجاههم، وقلّما تقابل في مصر مواطنًا سوريًا غير مسجل في المفوضية، فمن هم هؤلاء الذين يزيدون عن المليون والربع! ويتقاطر السوريون الجدد -ومعظمهم من الشبان- عادة إلى تسجيل أنفسهم في المفوضية، كإجراء يعتبرونه مهمًا لحمايتهم، أو بحثًا عن أمل بإعادة التوطين، ولو لم يحصلوا على الإقامة، ومثلهم العائلات الجديدة، ولا سيما من دخل منهم عن طريق السودان بطريقة غير شرعية، وكان هذا الطريق نشطًا جدًا خلال السنوات السابقة، قبل تخفيض رسم الموافقة الأمنية، وكان معظم هؤلاء لا يستطيعون تقنين وضعهم دون التسجيل في المفوضية[3].
ومع ذلك، فأرقام المفوضية تزيد بنسب ضئيلة منذ سنوات عديدة، قياسًا بعدد القادمين وبالفارق الكبير الذي يشير إليه المصريون بين (2019 و2024) والبالغ مليون سوري إضافي، حيث كان عدد اللاجئين السوريين المسجلين عام 2016 قد بلغ 114.911 لاجئًا، وفي عام 2018 بلغ 131.504، وفي آب/ أغسطس عام 2022 بلغ العدد 144.167، وفي كانون الأول/ ديسمبر 2023 وصل إلى 153.756، وفي حزيران/ يونيو 2024 بلغ العدد 156.444، في حين إن مبالغة الحكومة المصرية في الأعداد مبعثها إظهار أزمتها بغية الضغط على المفوضية بوجود هذا العدد الضخم من اللاجئين الذين يُرعبون أوروبا، لو فُتحت أمامهم سبل الهجرة غير الشرعية، كما كان الوضع في مصر في الأعوام الأولى لموجات اللجوء، وهو فرصة للحصول على أموال مساعدات أكبر مقابل إيوائهم أو تبرير إجراءاتها. وتردّ المنظمة الدولية للهجرة (iom) الزيادة العددية منذ عام 2019 إلى الخطاب الإيجابي للحكومة المصرية تجاه المهاجرين واللاجئين ومعاملتها بمساواة مع مواطنيها، وترى ذلك عامل جذب[4]، وتفسّر آراء مصرية هذا الفارق بين الأرقام بأنه يعود -كما تقول الحكومة- إلى عدم تسجيل جميع اللاجئين في المفوضية، ويرى آخرون أن الحكومة المصرية تعتبر جميع المهاجرين إليها لاجئين، في حين لا تعترف مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلا بالمسجّلين لديها، ولهذا لجأت الحكومة المصرية في العام الأخير إلى خلق مشاهد الازدحام أمام مراكز الإقامات، وإظهار حالة الاستعصاء، لتأكيد وجود هذه الأعداد.
أنواع الإقامات التي تُمنح للسوريين في مصر
تمنح وزارة الداخلية المصرية اللاجئين السوريين الذين يمتلكون جواز سفر ساري المفعول، ممهورًا بختم دخول نظامي للأراضي المصرية، أربعة أنواع من الإقامات:
- الإقامة الدراسية: مدتها سنة، يحصل عليها الطلبة المقيدون في الجامعات أو المدارس بعد الحصول على قيد رسمي، وتخوّل هذه الإقامة الحاصلَ عليها إمكانية السفر والعودة، وإضافة والديه وإخوته دون 18 عامًا، وتتيح له إمكانية إجراء جميع المعاملات الرسمية.
- الإقامة السياحية: (تم إيقاف منحها للسوريين حاليًا) تُجدد كل 6 أشهر، وتمنح حاملها جميع حقوق الإقامة الدراسية، باستثناء الخروج والعودة.
- النوع الثالث: هو إقامة المستثمر، وهي تعطى أيضًا لأفراد عائلة المقيم من الدرجة الأولى، بعد حصوله على الموافقة الأمنية وافتتاح مشروع برأس مال 35 ألف دولار كحد أدنى.
- الإقامة العقارية: يتمتع أصحاب العقارات التي تتجاوز قيمتها 100 ألف دولار بالإقامة العقارية، شريطة شراء العقار عن طريق أموال محوّلة من الخارج بقيمة 400 ألف دولار.
- إقامة اللجوء على الكرت الأصفر: يمكن أن يحصل عليها اللاجئ، ولو كان دخوله غير شرعي، ومدتها ستة أشهر، وأصبح الحصول عليها صعبًا وغير متاح بسهولة، وهي لا تمنح حاملها أي امتيازات لناحية الحصول على الخدمات من الحكومة، حيث إن مهمتها إعطاء شرعية الوجود على الأراضي المصرية فقط.
الواقع الاقتصادي ومساهمة السوريين في الاقتصاد المصري
ما زال اللاجئون السوريون متشبثين بوجودهم في مصر، ضمن هامش الممكن المتاح لهم، من خلال عملهم في قطاعات مختلفة (معامل بلاستيك، مصانع ألبسة، صناعات الموبيليا والأثاث، صناعات غذائية، مطاعم وخدمات)، وقد لجأ كثير منهم إلى التملّك، وخلق ذلك لديهم هامش استقرار، وكان لهم وفق تقارير دولية مساهمتهم الاقتصادية الإيجابية، على الرغم من الظروف الاقتصادية المضطربة التي تعيشها الدولة المصرية، حيث ارتفعت معدلات الفقر من (27.8%) في عام 2015، إلى 32.5% في عام 2023، في حين ترتفع النسبة بين اللاجئين (من جميع الجنسيات) إلى 84% [5].
ويُعدّ السوريون الذين يشكلون 17% من أعداد المهاجرين الدوليين في مصر، وفق المنظمة الدولية للهجرة في مصر، من أفضل الجنسيات التي تساهم إيجابيًا في سوق العمل والاقتصاد المصري. ويقدّر حجم الأموال التي استثمرها 30 ألف مستثمر سوري مُسجّل في مصر بنحو مليار دولار[6]، مما ينعكس إيجابيًا على مصر كمجتمع مُضيف، وقد قال البنك الدولي إن حجم الاستثمارات السورية المسجلة في مصر بلغ (800) مليون دولار خلال 2017، منبهًا في الوقت نفسه إلى أن حجم الاستثمار الفعلي قد يكون أكبر من ذلك، لأنه عادة ما يقوم اللاجئون بتسجيل الأعمال التجارية بأسماء مصرية، أو لا يسجلونها أبدًا، لأسباب عديدة[7].
ونقلًا عن وزارتي الاستثمار والتعاون الدولي والتجارة والصناعة المصرية، فإن ثلث الشركات الأجنبية المسجلة في مصر خلال الأشهر الأولى من عام 2018 كانت سورية، حيث أسس السوريون 818 شركة برأس مال قدرُه 69 مليون دولار. وحول دور الاستثمارات السورية في خفض نسبة البطالة في المجتمع المصري، أشار تقرير البنك الدولي إلى أن توسع الاستثمارات السورية أفسح المجال لمزيد من العمالة، “حيث يوظف السوريون أكثر من نصف العاملين لديهم من المصرين”[8].
وعلى الرغم من نسبة البطالة العالية بين اللاجئين في مصر، وتدهور الوضع الاقتصادي، يحاول السوريون التعامل بمرونة وجهد مع هذه الظروف، ومع عديد من المستجدات المرتبطة بإعادة الحكومة المصرية حساباتها تجاه ملف اللاجئين وفق مصالح داخلية ترتبط بقانون الربح والخسارة، وما صدر من قرارات بهذا المنحى خلال عام، فقد أعلنت الإدارة المركزية لشؤون الطلاب الوافدين في مصر تجديد قرار دفع رسوم القيد الجامعي للوافدين الذي يعادل ألفي دولار، أي ما يعادل 95 ألف جنيه مصري، ولم يستثنِ القرار الجديد السوريين حاملي الشهادة الثانوية المصرية الذين كانوا مستثنيين من الدفع سابقًا، وقد ترك هذا الإجراء أثره على مستقبل عدد كبير من طلبة الثانوية اللاجئين الذين لم يستطيعوا الالتحاق بالجامعات وإكمال تعليمهم، لتعذر إمكانية الدفع، كما ارتفعت رسوم الإقامات الدراسية من 22 دولارًا إلى خمسين دولارًا للفرد الواحد، إضافة إلى ما تركه توقيف منح الإقامة السياحية من خسائر مالية وتبعات اقتصادية واجتماعية على اللاجئين ستؤدي من جديد إلى تشتيتها وإثقال كاهلها.
وتزامنت هذه الخطوات مع حملات تبثّ خطاب كراهية وتحريض ضد اللاجئين السوريين والسودانيين، من حيث إنهم يشاركون المصريين في مواردهم المحدودة، ويتهمونهم بالسيطرة على جزء واسع من سوق العمل، وعلى كثير من المهن والصناعات، وتزامن تصاعد الحملات مع تصاعد غضب المصريين من أزمة الكهرباء، وحمّلت حسابات مشاركة في الحملة اللاجئين والمهاجرين في مصر مسؤولية أزمة الكهرباء وغلاء الأسعار، وأزمات أخرى متعلقة بالضغوط الاقتصادية في مصر، إضافة إلى انتشار دعوات واسعة لاستهداف أرزاق اللاجئين، ونبذهم ومقاطعتهم، ونشر معلومات خاطئة ومضللة عنهم.
وخلال تعقّب موقع “صحيح مصر” لمصدر الحملات، قال في بيان له إن لجانًا إلكترونية مؤيدة للحكومة المصرية تقف خلفها وتدعمها، وتعمل على تصاعدها، ووثق ذلك استنادًا على تحليل واسع للهاشتاغات الداعية لترحيل اللاجئين السودانيين والسوريين، وتحليل آلاف التغريدات، وتحديد أبرز الحسابات المسؤولة عن انتشار الهاشتاغات[9].
التحديات التي يواجهها اللاجئون السوريون في مصر
التحديات القانونية
يتكرر ورود مفردة إقامة في هذه المادة، حيث إن موضوع الحصول على الإقامة أو تجديدها هو أهمّ تحدٍّ قانوني يواجه اللاجئين، وقد تحوّل ذلك إلى هاجس دائم بالنسبة إليهم، يدورون في فلكه لصعوبته وتعقيد إجراءاته، وبسبب الوقت والجهد والضغط النفسي الذي يأخذه الحصول عليها في بعض المراكز المكتظة بالسوريين، فبوجودها يستطيع السوري تدبّر أموره في جميع المناحي القانونية الأخرى، وفي غيابها أو تأخّرها أو عدم الحصول عليها، يُمنع اللاجئ من جميع الحقوق القانونية كمقيم كما يحرم من جميع الخدمات، حيث إن الحصول على الخدمات عامّة، ومنها التسجيل في المدراس والجامعات، والعمل، وتوثيق السكن، وخط الهاتف، والمعاملات بأنواعها، والتنقل، واستلام الحوالات أو الصرافة، أو دخول الدوائر الحكومية.. وسواها، كلّ ذلك يرتبط بوجود إقامة سارية.
لم يكن الحصول على الإقامة يسيرًا قبل هذا العام، لكنها مع ذلك لم تكن بصعوبة ما وصلت إليه إجراءاتها خلال العام الأخير، حيث المماطلة والإطالة، وتسليم كثير منها بعد انتهاء مدتها، ورفض الأوراق المقدمة بسبب وبدون سبب، ما يرتب عبئًا كبيرًا ومضنيًا على المراجعين الذين يضطرون إلى المجيء والذهاب مرات كثيرة، حيث تتعطل شؤونهم وأعمالهم، فضلًا عن التعب والاستنزاف، ويعتقد كثير من اللاجئين، ومن ضمنهم سودانيون وعراقيون، أن الهدف من تكرار إحضار الأشخاص مرات عديدة دون إنجاز معاملاتهم هو الاستفادة من حالة الازدحام والفوضى وتكدّس أعداد كبيرة من المراجعين يوميًا أمام مبنى مركز استصدار الإقامات، ويترافق ذلك أحيانًا مع طقوس تصوير لهذه التجمعات، ويبدو أن الغاية من كل ذلك هي استخدام هذا الأمر دليلًا للإشارة إلى الكمّ الكبير من اللاجئين طالبي الإقامات. وإظهار العبء الملقى على كاهل الدولة المصرية هو الرسالة المراد إيصالها من أجل طلب أموال إضافية لتمويل إيوائهم عبر صناعة هذا المشهد، فضلًا عن سوء المعاملة التي يتلقاها طالبو الإقامات، وهو أمر تتقاسمه جميع الجنسيات في تلك المراكز، لتتحول في بعض المناطق المكتظة بالسوريين إلى كابوس متجدد ودائم بالنسبة إليهم، يعوق كل تفاصيل حياتهم أو يوقفها بشكل كامل.
تفاقمت المشكلة مع تطور الأزمة في السودان، ولجوء أعداد كبيرة من السودانيين إلى مصر، حيث بلغت وفق أرقام مفوضية اللاجئين (400) ألف لاجئ سوداني مسجل لديها، فيما تتحدث الحكومية المصرية عن “أربعة ملايين” لاجئ سوداني[10]. وتقول الحكومة المصرية إن هذا العدد الضخم شكل عبئًا كبيرًا على الدولة ومؤسساتها، في ظل إمكانات محدودية القدرة للدوائر الحكومية، وهو ما أثر بالضرورة في التعامل مع السوريين.
أزمة تعريف السوريين في مصر: أهو لاجئ أم مهاجر أم مقيم؟
تُتّهم الدولة المصرية بالتعمّد بالخلط ما بين صفة اللاجئين والمهاجرين المقيمين على أراضيها، وبحسب بيان للحكومة المصرية، فإن التقديرات الأولية تشير إلى وجود 9 ملايين مقيم ولاجئ في مصر، من نحو 133 دولة يمثلون 8.7 بالمئة من حجم السكان البالغ عددهم نحو 106 ملايين نسمة[11]، وترغب الدولة من خلال إجراءات التقنين الأخيرة في حصر ما تقدّمه من خدمات في مختلف القطاعات، وتوثيق جهودها لرعاية هذه الملايين[12]، وتهتم مصر بإبراز جهودها المتعلقة بدعمها ماليًا في إطار ملف اللاجئين، حيث وقّع الاتحاد الأوروبي في آذار/ مارس الماضي اتفاقات مع القاهرة بقيمة 7.4 مليار يورو (8 مليارات دولار تقريبًا) على مدى أربعة أعوام، للتعاون في مجالات عدة، في مقدمتها الهجرة غير الشرعية[13].
يشي أسلوب تعامل السلطات المصرية مع اللاجئين السوريين الهاربين من الحرب بأنها تصنّفهم كمهاجرين، وأصبح التعامل معهم كأي مهاجر أو سائح، وكرّس هذه المسألة أنها أطلقت عليهم منذ البدء صفة “الضيوف”، فمع الزخم الذي رافق بدايات الثورة السورية، وتفاعلِ الرأي العام العربي والدولي مع الحراك الشعبي وكيفية مواجهته بالعنف والإجرام من قبل السلطة، أبدى المصريون تفاعلًا إيجابيًا كبيرًا مع اللاجئين السوريين منذ دخولهم إلى مصر، وكانت تسميتهم بالضيوف مقبولةً عاطفيًا عند المصرين، بدلًا من تسميتهم باللاجئين، وعومل السوريون في المرحلة الأولى معاملة المصريين، ومع ازدياد الأعداد وطول القضية السورية والحاجة للتنظيم، بدأت إجراءات تقنين الوجود السوري من خلال فرض الحصول على إقامة كشرط للبقاء على جميع السوريين، حتى المسجلين في المفوضية العامة لشؤون اللاجئين، ومن هنا بدأ تحوّل هؤلاء اللاجئين (الضيوف) إلى “مهاجرين مقيمين”، في حين تم تمييع السبب الأساسي الذي جاء بهم هاربين من الحرب والموت. ومع حركة السفر المفتوحة والحيوية ما بين القاهرة ودمشق، ولا سيما لبعض رجال الأعمال والمستثمرين السوريين القادرين على الذهاب والعودة من غير المطلوبين للنظام، شاع الظنّ أن السوريين معظمهم آمنون، وأن لا مشكلة لهم مع النظام، وأنهم قادرون ماديًا، ووافق ذلك ما تروجه الدعاية في مصر بكون معظمهم أصحاب مشاريع تجارية، على الرغم من أن مئات آلاف من السوريين الآخرين يعيشون في الحد الأدنى، ولم يغادروا مصر منذ دخولهم الأول.
وشيئًا فشيئًا، بدأت المفوضية بسحب يدها من ملف اللجوء السوري، وتقليص نشاطها، وكانت آخر خطة استجابة نشرتها المفوضية لملف اللاجئين السوريين هي خطة عامي (2019-2020) ليتسع ويزداد نفوذ سفارة النظام السوري في مصر ودورها، بدعم من السلطات المصرية، من خلال ربط جميع الخدمات الرسمية التي يحتاج إليها السوري لتسيير معاملاته بـ (خطاب موافقة من السفارة)، ومن ضم ذلك خطاب (لا مانع للتسجيل في المدارس والجامعات والمعاملات، وترسيم السيارات، وخطاب سفارة لتأكيد عنوان السكن، خطاب سفارة للإعفاء من التأخير في الإقامة.. وغيرها)، لتتحول تلك المعاملات إلى مداخيل مالية إضافية تخرج من جيب اللاجئين الذين يُجبرون على دفع كلفة هذه الأوراق للسفارة بالدولار (تكلفة الخطاب 50 $). ومن ثم، غُيّبت قضية اللجوء تمامًا.
من جانب آخر، هناك عشرات الشبان القادمين يوميًا إلى مصر على متن الطيران السوري، هربوا من أداء الخدمة العسكرية في جيش النظام، بعد دفع رسوم الموافقة الأمنية (1200) $ للجانب المصري ، ولم يعد يُنظر إليهم كلاجئين أو هاربين من المشاركة في الحرب، بل عُدّوا مهاجرين ومصدرًا للدولار، وفي تقييمات أخرى، باتوا يوصفون بالساعين وراء العمل في مصر كأقرانهم.
تحاول السلطات المصرية، عبر وقف منح الإقامات السياحية لللاجئين المجبرين على استصدارها كلّ ستة أشهر مقابل بقائهم آمنين في مصر، القيام بعملية الفرز التي يتم الحديث عنها ما بين (اللاجئ والمقيم)، ومن ثم لم يبق أمام هؤلاء، وقد شلّت حياتهم وتوقفت عنهم معظم الخدمات، سوى طريقين فقط: إما المغادرة الفورية إلى دولة أخرى وإعادة طلب الدخول بدفع رسوم موافقة أمنية جديدة (1200$)، وهذا بالطبع غير متيسر لمعظم السوريين، لعدم قدرتهم المادية ولأنه لا طريق أمامهم سوى طريق العودة إلى سورية، وكثير منهم لا يستطيع ذلك لأسباب أمنية مهددة للحياة؛ وإما التوجه إلى المفوضية والحصول على إقامة اللجوء، في حال كانوا يملكون ملف لجوء، وهذا أيضًا متعذَّر في حالات كثيرة، سنشرحها في محور الحديث عن المفوضية.
يصنف السوريون في مصر أنفسهم كلاجئي حرب، ما لم تتغير الأسباب التي دفعتهم إلى الهرب من بلادهم، ولا يستطيع معظمهم العودة إلى سورية الآن، لكونها -كما تؤكد كثير من التقارير الدولية الرسمية- غير آمنة للعودة، أما قضية اضطرارهم منذ البدء إلى الحصول على الإقامة، فهو خيار الدول المضيفة لا خيارهم، ويأتي في إطار بحثهم عن هامش استقرار، ووسيلة لتسيير أمورهم الحياتية في ظل غياب شبه تام لدور المفوضية في تحمّل أيّ مسؤولية، فالسوريون لم يخرجوا من بلادهم للعمل ولا للسياحة أو الدراسة، إنما خرجوا هربًا من الحرب والقتل وخشية على أنفسهم وأبنائهم من الاعتقال أو التصفية، ولا تزال الأسباب ذاتها قائمة حتى اليوم، ويتطابق هذا الواقع مع ما جاء في تعريف الأمم المتحدة للاجئ بأنه “الشخص الذي أُجبر على مغادرة بلده بسبب الحرب أو العنف أو الاضطهاد، مع عدم القدرة على العودة أو الخوف من ذلك”، وتعرّف اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين لعام 1951 اللاجئ بأنه “الشخص الذي يوجد خارج بلد جنسيته أو بلد إقامته المعتادة، بسبب خوف مبرر من التعرض للاضطهاد على أساس العرق أو الدين أو الجنسية أو الانتماء إلى مجموعة اجتماعية معينة أو الرأي السياسي”. وبسبب هذا الخوف، لا يستطيع أو لا يريد طلب حماية ذلك البلد أو العودة إليه، وتعرّف مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين اللاجئ بأنه شخص أُجبر على الفرار من وطنه، بسبب الاضطهاد أو الحرب أو العنف، على عكس المهاجر الذي اختار الانتقال طواعية، وليس بسبب تهديد مباشر.
وكانت مصر قد وقّعت على اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وعلى بروتوكولها في عام 1967[14]، ومن ثم فهي مسؤولة عن حماية اللاجئين الفارين إليها، وأكدت المادة 91 من دستورها لعام 2014 حق الدولة في منح اللجوء السياسي لكل أجنبي تعرض للاضطهاد بسبب الدفاع عن مصالح الشعب، وتشترط المادة 93 من الدستور المصري[15] الالتزام بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان ذات المصدر.
المفوضية العامة لشؤون اللاجئين في مصر والدور الغائب
مع بداية تفشّي فيروس كورونا نهاية 2019، جمّدت المفوضية العامة لشؤون اللاجئين في مصر عملها في الملف السوري، وأوقفت أنشطتها، وتوقفت عن تجديد الإقامات الخاصة التي تمنحها للاجئين، وبطاقات الحماية المؤقتة (الكرت الأصفر)، وبررت هذا الإيقاف بأنه من باب الحرص على أن تكون مستندات المفوضية موثقة بشكل سليم، ثم عادت واستأنفت عملها في نطاق محدود جدًا، ابتداء من 24 آب/ أغسطس 2020، فبدأت في إجراء عدد محدود جدًا من مقابلات تجديد المستندات، وفي 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2020، أضافت عددًا محدودًا من مقابلات التسجيل للقادمين الجدد، وأصبح تواصل اللاجئين المنتهية صلاحية بطاقاتهم مع مكتب المفوضية في غاية الصعوبة، حيث أصبحت صفحة المفوضية على (فيسبوك) تعج بالشكاوى والاتهامات بعرقلة تقديم الخدمات للاجئين، وبالإهمال وبالكذب، وبعدم الرد على الهواتف أو تعطيلها، وكانت المفوضية قد خصصت عددًا قليلًا من الأرقام الهاتفية لم يكن يستطيع غالبية اللاجئين تحصيل مكالمات عبرها، بسبب التعطيل أو عدم الرد، ثم تقلص العدد إلى رقم هاتف واحد فقط للتواصل وطلب موعد، ولا يكاد المتصل يجري مكالمة إلا بجهد الأنفس، في حين إن الخط الهاتفي متوقف بشكل مستمر ولا يمكن الوصول إليه، الأمر الذي خلق حالة من اليأس والإحباط والشعور بعدم الجدوى عند اللاجئين من ملاحقتها أو طلب تجديد الوثائق. ثم قامت المفوضية بعد ذلك بإقفال الملفات المنتهية، بدعوى أنها مخالفة، ومع إلغاء الإقامات السياحية وسيطرة هاجس الترحيل على السوريين، تعرض أصحاب الملفات المغلقة، وغير القادرين على تحصيل موعد للتجديد، لإشكالات وصعوبات كثيرة، وكانت طلبات إعادة فتح الملفات تُقابَل بالتجاهل أو الرفض، بدعوى أنها تحتاج إلى أسباب جديدة لتقنعها بإعادة فتح ملف اللجوء، ما وضع هذه الشريحة أمام أزمة خطيرة.
قلة المساعدات التي تمنحها مفوضية اللاجئين
يحصل أقل من 15% من اللاجئين السوريين على مساعدة “كوبونات غذائية”، بقيمة (400) جنيه للشخص الواحد، بما يعادل 10$، وقد تم إيقاف معظمها في الآونة الأخيرة، وتمنح إقامة اللجوء التي تجدّد كل 6 أشهر دون رسوم، لكن مواعيد الحصول عليها تُعطى بعد سنة أو سنة ونصف من تاريخ التقدّم، وخلال هذه المدة، يبقى اللاجئ بدون وثائق، وتمنح هذه الوثيقة اللاجئ شرعية العيش على الأراضي المصرية من دون ملاحقة، لكنها لا تعطيه فرصة الحصول على أي نوع من الخدمات الحكومية، في حين يعتبر كثير من اللاجئين أن تحمّلهم عناء تجديدها أو الحصول عليها قد يمنحهم فرصة الترشح لبرنامج إعادة التوطين، وتشير المفوضية في تقرير لها إلى أنها في عام 2021 أعادت توطين 3089 لاجئًا غادروا إلى دول[16].
ويتهم اللاجئون المفوضيةَ في مصر بالمشاركة في ممارسة الضغوط عليهم، والتعامل معهم بإذلال، شأنها شأن مراكز الحصول على الإقامات في وزارة الداخلية، حيث يتجمع مئات اللاجئين بطوابير طويلة أمام باب المفوضية، يوميًا، من دون احترام لآدميتهم، مع توجيه ملاحظات وعبارات الإهانة لهم من قبل موظفي أمن المفوضية، بدعوة تسببهم بإزعاج الجوار، وإجبارهم -بفعل سوء التنظيم أو التعمّد- على البقاء ساعات قد تجاوز 15 ساعة انتظار معظمها ليلًا، ليحصل المحظوظون منهم على موعدٍ لتجديد وثائقهم، كما يتهمون المفوضية بالتعمّد في تضييق مساحة التواصل معهم، والعشوائية في توزيع المساعدات.
ويقول كثير من السوريين لو أن المفوضية لا تقدّم لنا كلاجئين شيئًا سوى ضمان تعليم مناسب لأبنائنا، لكان هذا الشرف يكفيها، وهناك حالة إرباك تضع اللاجئين اليوم أمام إشكالات خطيرة، فالمدارس الحكومية لا تقبل بتسجيل أبنائهم إلا بوجود إقامة سارية، وهذا يعني أن التعليم غير متاح إلا لعدد محدود جدًا منهم، وبدأت التغيرات بما يتعلق بتعليم أطفال اللاجئين السوريين منذ العام الماضي، وذلك بفرض شروط جديدة للتسجيل في المدارس والجامعات الحكومية، حيث وضعت الحكومة قيودًا شديدة على التعليم، واشترطت حيازة الطالب على إقامة لجوء على الكرت الأصفر حصرًا، لقبولهم في المدارس الحكومية، وهو أمر غير متوفر لعشرات الآلاف منهم، بعد إيقاف الإقامات السياحية وإعطاء مواعيد في المفوضية بعد سنة وسنتين لمنحهم الإقامة.
وبين قرارات الحكومة المصرية المفاجئة وتجاهل المفوضية؛ سيُحرم آلاف الأطفال والشبان السوريين من التعليم، حيث تمتنع المدارس الحكومية كليًا عن تسجيل أطفال اللاجئين غير المسجلين، وهذا ما لم يكن معمولًا به سابقًا، حيث كان يتم تسجيل أبناء اللاجئين السوريين في المدارس الحكومية، مع منحهم قيدًا دراسيًا، وكانت المفوضية تتكفل بدفع المصاريف ودعم المدارس المصرية بما تحتاج إليه، من دون أن يداوم الطالب السوري في المدرسة نهائيًا، في حين يكون الدوام الفعلي في مدارس أهلية سورية (خاصة) وقد أقفِل معظمها بقرار من وزارة التربية. أما الباب المفتوح بشكل جزئي الآن، في حال توفر إقامة، فهو باب المدارس الخاصة المصرية، ولكن نسبة السوريين الذين يستطيعون التسجيل فيها ودفع رسومها نسبة قليلة جدًا.
خاتمة
لا يمكننا تغييب البعد السياسي في أثناء مقاربة هذه التفاصيل، وعند معاينة هذه التشكيلة الواسعة من الضغوط التي قلّما ينجو من تبعاتها أيّ من اللاجئين السوريين في مصر وفي غيرها من الدول، حيث لا حدود للانتهاكات الواقعة عليهم، مع كثرة المخالفات التي تسجّل في أسلوب التعامل معهم، وقد غابت المرجعيات الحمائية من طرف المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، ومن طرف الدول المضيفة أيضًا، وتُرك اللاجئون السوريون لمواجهة مصيرهم المجهول، وباتوا بازارات تُستثمر فيها حيواتهم ومستقبل أطفالهم. ومما يؤكد هذا أن الإجراءات المصرية، منذ نهاية عام 2023، تجاه اللاجئين والضغوط باتجاه الترحيل والعودة إلى سورية، تزامنت مع إجراءات مماثلة في لبنان والأردن وتركيا والعراق وكردستان العراق[17]، من خلال تقييد تأشيرات الدخول أو وقف منحها، ووقف إجراءات تجديد الإقامات حتى صكوك الإقامة المؤقتة وإقامة اللاجئ في هذه الدول، وقد رافق ذلك أحداث عنصرية وجرائم وانتهاكات واسعة وعمليات ترحيل جماعي، تحت شعار “العودة الطوعية”، استهدفت اللاجئين السوريين في هذه الدول التي يقيم فيها العدد الأكبر منهم. وتزداد الأمور وضوحًا في تركيا ولبنان، وهو ما يشي بوجود سياسة موحدة تجاه ملفّ اللاجئين السوريين، بالتزامن مع انفتاح ملحوظ باتجاه التطبيع مع نظام الأسد، وإعادة العلاقات معه في تجاوز واضح لرغبات السوريين وخياراتهم والحلّ السياسي الذي ينتظرونه.
[1] مصر تكشف عن عدد اللاجئين السوريين على أراضيها، شبكة شام الإخبارية، 30 أيار/ مايو 2019، شوهد في 26 آب/ أغسطس 2024، الرابط: https://2u.pw/lYDmzKsv
[2] سياق اللاجئين في مصر، وكالة الأمم المتحدة لدعم اللاجئين، شوهد في 26 آب/ أغسطس 2024، الرابط: https://2u.pw/hOQlyog
[3] ورد في خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين السوريين عام 2018-2019 أنه “لا تزال بيئة الحماية في مصر مستقرة في عام 2017. وتبقـى اشـتراطات تأشـيرة دخـول السـوريين إلـى مصـر سـارية، ونتيجـة لذلـك يسـتمر الدخـول غيـر النظامـي عبـر الحـدود البريـة مـع السـودان. بحلـول نهايـة أيلول/ سـبتمبر 2017، سجلت المفوضية 15,196 وافدًا سوريًا جديدًا، منهـم 6,589 عبـروا مـن الحـدود السـودانية بطريقـة غيـر نظاميـة، وعـادة مـا يتـم احتجـاز السـوريين الذيـن يصلـون إلـى مصـر دون الحصـول علـى تأشـيرة، أو حيـازة مسـتندات سـارية المفعـول أو تصاريـح الإقامـة المعتـادة، وعقـب المفاوضـات التـي أجرتهـا المفوضيـة مـع الحكومـة المصريـة، أطلق سـراح المحتجزيـن وسُمح لهـم بتنظيـم إقامتهـم عـن طريـق التسـجيل مـع المفوضيـة والحصـول علـى تصريـح إقامـة علـى وثائـق اللجـوء”.
[4] المنظمة الدولية للهجرة في مصر تُقدّر العدد الحالي للمهاجرين الذين يعيشون في مصر بـ 9 ملايين شخص من 133 دولة، 7 آب/ أغسطس 2022، شوهد في 20 آب/ أغسطس 2024، الرابط: https://bit.ly/3Tig4Pl
[5] مصطفى شحاتة، “هل تحتاج مصر إلى تغيير سياساتها للتعامل مع اللاجئين” موقع حلول للسياسات البديلة، 4 آذار/ مارس 2024، شوهد في 21 آب/ أغسطس 2024، الرابط: https://bit.ly/3SW8oSB
[6] المصدر نفسه.
[7] تقرير البنك الدولي، “أثر صناعة الوظائف في توسيع الفرص الاقتصادية للسوريين اللاجئين والمجتمعات المضيفة، الرابط: https://bit.ly/4cyH0RA
[8] خلال 9 أشهر.. السوريون يؤسسون 818 شركة جديدة في مصر برأسمال فاق 69 مليون دولار، الاقتصاد اليوم، 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، شوهد في 26 آب/ أغسطس 2024، الرابط: https://2u.pw/16GRz95I
[9] بيان صحيح مصر على توتير، 2 تموز/ يوليو 2024، شوهد في 22 آب/ أغسطس 2024، الرابط: https://bit.ly/3YWNEO6
[10] الإحصاء: لدينا 9 ملايين لاجئ قبل الأزمة السودانية وإجراء حصر جديد 2024، الدستور، 28 آب/ أغسطس 2024، شوهد في 24 آب/ أغسطس 2024، الرابط: https://2u.pw/nNwsIq9i
[11] الحكومة تبدأ تدقيق أعداد اللاجئين.. وتكلفة ما تتحمله الدولة من خدمات لرعايتهم، رئاسة مجلس الوزراء المصري، 8 كانون الثاني/ يناير 2024، شوهد في 26 آب/ أغسطس 2024، الرابط: https://2u.pw/swgWJTMM
[12] الحكومة تكشف أعداد المقيمين واللاجئين في مصر، 18 نيسان/ أبريل 2024، شوهد في 1 آب/ أغسطس 2024، الرابط: https://2u.pw/PQgB4cl3
[13] تفاصيل حزمة التمويل الأوروبية لمصر بقيمة 8 مليارات دولار، سكاي نيوز عربية، 18 آذار/ مارس 2024، شوهد في 12 آب/ أغسطس 2024، الرابط: https://bit.ly/4dpL3AM
[14] مصر – لمحة عامة، المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، شوهد في 20 آب/ أغسطس 2024، الرابط: https://2u.pw/2raUhIlI
[15] جمهورية مصر العربية- دستور لسنة 2014- بتاريخ 18 / 1 / 2014، شوهد في 18 آب/ أغسطس 2024، الرابط: https://2u.pw/059i0Tf4
[16] مصر “تدقق” الأعداد.. اللاجئون في ميزان الربح والخسارة، الحرة، 20 نيسان/ أبريل 2024، شوهد في 20 آب/ أغسطس 2024: https://bit.ly/3AGl5KI
[17] العراق: ترحيل غير قانوني للسوريين – فرصة محدودة للطعن في أوامر الترحيل، هيومن رايتس ووتش، 27 حزيران/ يونيو 2024، شوهد في 20 آب/ أغسطس 2024، الرابط: https://2u.pw/tQ4r2ULJ

