المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرةالمركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة
  • عن المركز
    • من نحن
    • معايير النشر
    • فريق العمل
    • بروشور المركز
  • منشورات
    • أبحاث
    • تقارير
    • تحليل سياسات
    • تقدير موقف
    • تقييم حالة
    • ترجمات
  • نشاطات
    • مؤتمرات
    • أخبار المركز
  • منتدى حرمون الثقافي
    • ندوات
    • لقاء خاص
  • مجلة قلمون
    • العدد الحالي
    • العدد القادم
  • حوارات السوريين
    • مشروع الحوار
    • مخرجات الحوار
    • مقالات حول الحوار
    • تسجيلات الحوار
  • الميديا
    • خرائط تحليلية
    • مكتبة الانفوغراف
    • مكتبة الفيديو
×
المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرةالمركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة
بحث
  • عن المركز
    • من نحن
    • معايير النشر
    • فريق العمل
    • بروشور المركز
  • منشورات
    • أبحاث
    • تقارير
    • تحليل سياسات
    • تقدير موقف
    • تقييم حالة
    • ترجمات
  • نشاطات
    • مؤتمرات
    • أخبار المركز
  • منتدى حرمون الثقافي
    • ندوات
    • لقاء خاص
  • مجلة قلمون
    • العدد الحالي
    • العدد القادم
  • حوارات السوريين
    • مشروع الحوار
    • مخرجات الحوار
    • مقالات حول الحوار
    • تسجيلات الحوار
  • الميديا
    • خرائط تحليلية
    • مكتبة الانفوغراف
    • مكتبة الفيديو
تابعنا
جميع الحقوق محفوظة لمركز حرمون للدراسات © 2023

دعوة إلى الكتابة في العدد الثلاثين من قلمون “الدراما السورية وتحولاتها”

نشر في 13 حزيران/يونيو ,2024
مشاركة
مشاركة

يرى كثير من المفكرين أن للفن وظيفة اجتماعية، معارضين بذلك نظرية الفن للفن التي ترى أن الغرضَ من الفن الإمتاعُ والتسلية والترفيه. لكن تاريخ الثقافة البشرية يؤكد أنه كان للفنون بأنواعها المختلفة، منذ الرسوم الأولى للإنسان القديم على جدران الكهوف إلى يومنا هذا، دور كبير في تكريس قيم، ونقد قيم أخرى، ووسيلة تعبير وتواصل، ومنصة لطرح قضايا العصر، والإجابة عن أسئلة كبرى شغلت الإنسان: بعضها ذو طابع فلسفي وبعضها ذو طابع روحي أو حياتي أو اجتماعي، أو حتى معيشي. بالنتيجة أصبحت الفنون تأريخًا موازيًا للحركات الاجتماعية والتبدلات الفكرية والسياسية التي طرأت على المجتمعات البشرية.

ولعل الدراما بشكلها المسرحي منذ نشأتها على يد الكتّاب الإغريق إلى يومنا هذا، لا من خلال المسرح وحده بل السينما والتلفزيون أيضًا؛ لعبت دورًا كبيرًا في حياة البشر أفرادًا ومجتمعات، وتغيرت مضامينها مع تبدلات الزمان وتحولات المجتمعات بل إنها أسهمت في صنع هذه التحولات، وفي تقويض قيم معينة وأنماط تفكير سائدة، والدعوة إلى قيم وأنماط جديدة.  فالسينما الأميركية -على سبيل المثال- عابرة لكل الحدود كي تصل إلى شاب أو فتاة في بلدات نائية في أفريقيا وآسيا؛ استطاعت أن تروج لأنماط السلوك والتعاملات وأنواع الطعام وأشكال اللباس والقيم الأميركية كلها عمومًا، واستطاعت أن تكرس صورة البطل الأميركي المتفوق بطريقة تعجز عنها الوسائل الأخرى كلها بما فيها الجيوش الجرارة. فالفنون لم تكن فقط تعبيرًا عن نزعات رفض الواقع المعيش، والدعوة إلى تغييره، إنما كانت أداة السلطة السياسية والروحية والاقتصادية في تكريس واقع معين وقيم محددة تخدمها أيضًا.

إن قوة تأثير الدراما تتمثل في أنها تحكي حكايات من ترى أن حكاياتهم ليست مثيرة وجذابة وماتعة فقط بل تستحق تجربتهم الشخصية أن تروى أيضًا، وتستحق أن تكون خلاصاتها أمثولة تحتذى، ودليلًا يسترشد به. ومنذ عصر الإغريق حتى نهايات القرن السابع عشر، كان الملوك والنبلاء والأمراء وحدهم من تستحق قصصهم هذه المنزلة.  ولكن مع دخول القرن التاسع عشر وظهور الطبقة الوسطى في أوروبا وتنامي دورها في الحياة العامة. بدأت قصص أبناء هذه الطبقة تحتل مكان قصص الملوك والأمراء والنبلاء في المسارح، وأصبحت موضع اهتمام المجتمع. ومع دخول القرن العشرين وظهور الحركات الثورية في المجتمع، بدأت قصص أبناء الطبقات الفقيرة من عمال وفلاحين وربما عاطلين عن العمل تأخذ مكانها على خشبات المسارح وفي السينما أيضًا التي شكلت ثورة عالمية في وسائل التواصل، وقناة مؤثرة في إيصال حكايات المهمشين، ولعل ظاهرة شارلي شابلن مثال ساطع على ذلك، فقد كرس أفلامه كلها ليروي يوميات الرجل الهزيل الضعيف والمهمش. صحيح أن أفلامه أضحكت الملايين في مختلف الأصقاع ومن مختلف الأعمار إلا أن الرسائل التي حملتها كانت بليغة بنقدها الظلم والجشع والاستقواء، ويكفي هنا أن نتذكر فيلم (الأزمنة الحديثة) لنستحضر قسوة النقد للمجتمع الرأسمالي الذي حول الإنسان إلى آلة إنتاج، ما عرض تشارلي شابلن للمحاكمات المكارثية بتهمة الشيوعية.

هذا الاستعراض السريع لتاريخ الفن يبين لنا أن الفنون الدرامية عبر التسلية والترفيه استطاعت أن تكون طرفًا أساسًا في التصدي لقضايا الإنسان، وأن تكون طرفًا في صراع قديم متجدد نحو تكريس واقع معين، أو مناهضته، والدعوة إلى تغييره. وسعت السلطة بأشكالها كلها إلى استخدام الفن في تكريس خطابها وتحقيق تطلعاتها، كذلك كان سعي مناهضيها كل بطريقته وتبعا لأحوال عصره. وهذا، بطبيعة الحال، ينطبق على الدراما السورية كما ينطبق على غيرها.   

انطلقت الدراما التلفزيونية السورية مع انطلاقة البث التلفزيوني في مطلع الستينيات على يد جيل من المسرحيين والأدباء السوريين ذوي النزعة الطليعية الثورية الاجتماعية، جيل مسكون بأفكار التغيير، والتمرد على الموروث، والتطلع نحو مجتمع العدل والإنصاف، فكان لحكايات الفقراء والمهمشين والشباب والمرأة منزلة خاصة في الإنتاجات التلفزيونية الأولى، من مثل (عندما يفرح الفقراء)، و(دولاب)، و(أولاد بلدي)، ثم جاءت الأعمال الكوميدية الشهيرة للثنائي نهاد قلعي ودريد لحام التي تمتعت بشعبية واسعة، ولم تخل من النقد الاجتماعي.  

في البدايات كان بإمكان قلة قليلة من السوريين شراء أجهزة التلفزيون، فكان الأقرباء يجتمعون ليلًا في بيت من يملك ذاك الاختراع الجديد والمدهش، وقد لعبت المسلسلات السورية دورًا كبيرًا في جذب الناس إلى التلفزيون، فبدأت بعض المقاهي الكبيرة تقتنيه، وتضعه في الركن الذي كان يجلس الحكواتي فيه. حققت المسلسلات السورية الأولى نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، واستمتع الجمهور بمتابعة الحكايات ومصائر شخوصها، وتأثر بالرسائل الاجتماعية التي حملتها. وكان طبيعيًا أن يعتمد الإنتاج التلفزيوني على التمويل الحكومي نظرًا إلى عدم وجود أدوات لهذه الصناعة من كاميرات واستوديوهات وتقنيات أخرى خارج مؤسسة البث التلفزيوني الحكومي.

بقي الإنتاج السوري محدودًا بمحدودية الإمكانات المادية والبشرية المتاحة آنذاك، وظلت الإنتاجات السورية في معظمها محصورة بالعرض في الشاشة المحلية، ولم تجد طريقها إلى لشاشات العربية التي احتلتها الإنتاجات المصرية بإمكاناتها الأفضل ونجومها الأشهر الذين صنعوا عبر السينما شهرة عربية واسعة.

مع قدوم السبعينيات بدأت هذه الصناعة تستقطب ممولين عربًا، فنشأت شركات إنتاج  معظمها في دول الخليج ومصر والأردن، أما القطاع الخاص السوري، فبقي بعيدًا عن هذا المضمار بسبب القوانين التي كانت تعزز احتكار الدولة كل مناحي الإنتاج الاقتصادي عمومًا، وبسبب حذر الممول السوري وتقليديته المهنية أيضًا، باستثناء أعمال قليلة كانت تنتجها شركة خاصة، وتبيع إنتاجها لعدد من الشاشات العربية. بقي الإنتاج الدرامي السوري حكرًا على الدولة، وتراجع بصورة ملحوظة مع تراجع الإمكانات المادية، ومحدودية التمويل، وتخلف التقنيات مقارنة بما كانت تمتلكه مصر، وما امتلكته الاستوديوهات الحديثة التي نشأت في الأردن وفي عجمان وفي أثينا أيضًا حيث استقطبت استديوهاتها عشرات الإنتاجات العربية منذ السبعينيات حتى منتصف الثمانينيات. في هذه المرحلة بدأت المواهب السورية من مخرجين وممثلين وكتاب وتقنيين تجد لها فرصًا مجزية خارج إطار القطاع العام، وبدأت هذه المواهب تحقق النجاح والشهرة عبر العالم العربي.

في منتصف الثمانينيات بدأت رحلة الإنتاج التلفزيوني تدخل عصرًا جديدا مع دخول البث الفضائي الذي يبث لمدة أربع وعشرين ساعة، ما رفع الحاجة إلى مزيد من الإنتاج البرامجي والدرامي، وأدى إلى نشوء محطات تلفزيونية خاصة إلى جانب المحطات الحكومية، وكان للظهور اللاحق لقناتي (أوربت) و(أرت) دور كبير في تغيير المشهد العام، فقد كانتا جهتين كبريين لشراء الإنتاج التلفزيوني، ما أغرى القطاع الخاص السوري بالدخول في مغامرة الإنتاج. تزامن ذلك مع رغبة حكومية سورية في زيادة المادة السورية المعروضة في الشاشة السورية، والتي كانت محدودة جدًا مقارنة بالمادة المصرية التي سيطرت على ساعات البث معظمها، فدخلت وزارة الإعلام السورية بشبه شراكة مع القطاع الخاص، منحتهم بموجبها معداتها واستديوهاتها مقابل نسخة من المنتج تعرضها في الشاشة السورية. ومع تزايد شعبية المسلسل السوري، واستقباله استقبالًا حارًا من قبل الجمهور السوري والعربي، رأى النظام السوري مصلحته في مضاعفة الميزانيات المخصصة للإنتاج التلفزيوني. إلا أن القطاع الخاص رأى في الدراما السورية مجالًا طيبًا للاستثمار، وطريقة آمنة في ظل ندرة العملة الصعبة لتحويل الليرة السورية إلى دولار، إضافة إلى جلب الشهرة وتحقيق المنزلة الاجتماعية بطريقة تفوق مجالات الاستثمار الأخرى. وهكذا استطاع القطاع الخاص مع دخول مزيد من المستثمرين الأقوياء في منتصف التسعينيات، وظهور مزيد من المحطات الفضائية مستفيدًا من قانون الاستثمار رقم 10؛ أن ينتزع الهيمنة على هذه الصناعة من القطاع العام الذي بدأت إنتاجاته تتراجع تدريجًا، كمًا و نوعًا.

لقد كان لولادة جيل من الممثلين الجدد القادمين من المعهد العالي للفنون المسرحية، وكتاب جدد استقطبتهم هذه الصناعة من عوالم الأدب والترجمة والكتابة المسرحية، دور مهم في إغناء موضوعات الدراما، سواء كانت تاريخية أم اجتماعية وكوميدية، فأعطوها أبعادًا نقدية اتسمت بالجرأة غير المعهودة أحيانًا، وأثار جدلًا مجتمعيًا واسعًا. أخرج هذه الأعمال أغلبها مخرجون سينمائيون ضاقت بهم فرص العمل السينمائي النادرة، فجاؤوا إلى عالم المسلسل التلفزيوني برؤاهم السينمائية، ما أعطى الدراما التلفزيونية السورية نكهتها الخاصة التي أسهمت في انتشارها عربيًا، وزيادة الطلب عليها. وهكذا بدأت الدراما تتحدث عن الواقع، وصارت على تماس أكبر مع حياة المواطن العادي، فاجتهد صنّاعها للإتيان بأدوات تختصر المسافة بين العمل الدرامي وعموم السوريين. واتسعت دائرة النقد في الكوميديا، لتتجاوز العادات الاجتماعية إلى نقد فساد المسؤولين في الدولة، وعائلاتهم، والمقربين منهم، وكذلك القوانين التي أصبحت ضاغطة على المواطن، وعاجزة عن مواكبة المتغيرات، ولم يعد التاريخ محض سرد جاف للمحفوظ في الكتب، وتمجيدًا سطحيًا لوقائعه وأبطاله، فقد أعادت  بعض الأعمال التلفزيونية الكبيرة التي حققت شهرة واسعة قراءة للصراعات التي لونت هذا التاريخ قراءة نقدية أضاءت على مآسيه وأخطائه وانكساراته، كما أضاءت على أمجاده وبطولاته. اشتهرت المسلسلات التي تتناول تاريخ الدولة السورية في أثناء الاحتلال الفرنسي، وبعد الاستقلال، أو تاريخ المنطقة العربية، وقدمت المواطن السوري في صورة مواطن حر قادر على التمرد، وتحدي ظلم الواقع، وتغيير موازين اللعبة، وهي صورة غير اعتيادية بالنسبة إليه بعد سنين من التهميش.

 ولكن، على الرغم من أن العمل التلفزيوني قارب الحياة بجوانبها المختلفة، وتحدث عن مشكلات السوريين وهمومهم الحياتية، فإنه حافظ على الحدود المفروضة من جانب الرقابة، ولم يتجاوز خطوطها الحمر التي لم تكن دائمًا ثابتة في حدتها وصرامتها بل كانت تتبدل بتبدل المزاج السياسي العام، وتنوع الأشخاص المسؤولين عن هذه الصناعة، وعلى رأسهم الوزير المختص. ففي السنوات الأخيرات من حكم حافظ الأسد عندما كان يُحضَّر لصعود بشار الأسد كان تقريب الأب -ومن بعده الابن- نجوم الدراما ظاهرة لافتة تزامنت مع اتساع مساحة المسموحات، فشوهد في بعض الأعمال تجاوز للخطوط الحمر المتعارف عليها؛ ففي مسلسل (حمام القيشاني) مثلًا أُضيء على الحركات والشخصيات السياسية التي سبقت حكم البعث في سورية، وهي عناوين وموضوعات مسكوت عنها في الإعلام، وكأن السياسة في سورية بدأت حصرا مع البعث. وفي مسلسل (خان الحرير) كان تناول الوحدة السورية – المصرية بطريقة نقدية خارج السردية المكرسة بعثيًا، وهي أن ((القوى الرجعية والإمبريالية تحالفت من أجل إسقاط الوحدة))، في حين عزا المسلسل سبب انهيارها إلى عيوبها البنيوية، كما بين الآثار المدمرة لسياسات التأميم والإصلاح الزراعي، وكذلك لقيام الدولة الأمنية مكان النظام الديموقراطي. صحيح أن صدْر الرقابة لم يتسع لهذه الأفكار كلها، وتدخل مقص الرقيب لحذف عدد لا بأس به من مشاهد الجزء الثاني من المسلسل إلا أن الطروحات التي ناقشها المسلسل ما أمكن مناقشتها علنًا سابقًا.

أصبح النقد الساخر في الأعمال الكوميدية مثل (مرايا) و(بقعة ضوء) أكثر حدة ومباشرة، ما جعل بعض لوحات العملين مادة يتداولها الناس، ويتحدثون في جرأة مضمونها. وبدأ المشاهد يتعرف إلى أسماء جديدة من مخرجين وكتاب سيناريو لفتوا الانتباه إلى (سوريي الهوامش) الذين لم يكن يهتم بهم أحد، وألقوا الضوء على معاناة الناس وأحلامهم المكسورة وحقوقهم المنهوبة.

وهكذا شكلت الدراما السورية في ذلك الوقت علامة فارقة، وغيرت قيمًا مختلفة، وأسهمت في خلق جيل صاحب رؤية جديدة أوسع وأكثر انفتاحًا ثقافيًا وسياسيًا، وأكثر جرأة على النقد، ما مهد لوعي سياسي بعد عقود من التغييب؛ صار هامش الحرية أكبر، وارتفع سقف النقد لكل المؤسسات الحكومية، ولكنه لا يصل إلى مؤسسة القصر الجمهوري وساكنيها، في لعبة كان هدفها الرئيس إشاعة جو من الحريات رصدت الأجهزة حاجة الشارع إليه، والنأي بمؤسسة الرئاسة عن الفساد والفشل الحكومي في مرحلة كان يجري فيها نقل الحكم من الأسد الأب إلى الأسد الابن. وهذا ما ظهر جليّا في مواقف عدد كبير من الفنانين الذي اشتهروا بالنقد قبل عام 2011، ولكنهم اشتهروا بالولاء للرئيس بعد هذا التاريخ.

وهكذا، مع ولادة الألفية الثالثة شهدت الدراما السورية تطورًا ملموسًا حققت في إثره انتشارًا واسعًا في الوطن العربي مستفيدة من تزايد المحطات العربية الفضائية، وتنافسها في حيازة أعلى نسب المشاهدة، وأصبحت سلعة تدر ربحًا كبيرًا، سواء كان من الناحية المادية على شركات الإنتاج والمشتغلين بها، أم على الصعيد الثقافي من حيث نقلها صورة جديدة مختلفة عن الواقع والإنسان السوريين، ونجحت في تحقيق قفزة عالية من جهة التقنية والمحتوى. لم تحدث تلك القفزة مصادفة، فسوق الفضائيات المتعطشة لتعبئة ساعات البث الطويلة أعطت فرصة كبيرة لصناع المحتوى السوري أن يوصلوا كلمتهم إلى الشارع العربي العريض، ولكن هذا الأمر بدأ يتغير تدريجيًا مع تحول هذه المحطات وشركات الإعلان التي ترفدها من مجرد زبون يشتري مادة جاهزة إلى ممول يتدخل في صناعة هذه المادة وفي مضمونها أيضا. فلم يعد مرحبًا بالموضوعات الإشكالية، ولا بالأعمال التي تغوص في أزمات الواقع المعيش، وبدا جليًا الانحياز إلى الترفيه والتسلية بعيدًا عن الهموم الحياتية للمواطن العربي، والاكتفاء بسرديات سطحية لا تربط معاناته بالسياقين الاجتماعي والسياسي العامين (مثل سلسلة مسلسلات باب الحارة) بل تحمله في كثير من الأحيان مسؤولية ما آلت إليه أحواله. وعندما لم تجد هذه الجهات الإنتاجية ضالتها عند الكتاب العرب، لجأت إلى دبلجة نوع من المسلسلات التركية التي تنسجم مع سياساتها، ثم في مرحلة لاحقة إلى إعادة إنتاج هذه المسلسلات بممثلين سوريين وعرب، ما أدى إلى لجوء المنتجين العرب معظمهم إلى تبني هذا (الموديل الإنتاجي)، وتراجع كبير في الأعمال التي تطرح مضامين على صلة جوهرية بواقع الإنسان العربي.

ومع بداية الثورة السورية تزعزع قطاع الصناعات الفنية، وأخذ نصيبه من الانقسامات المجتمعية والسياسية التي بدأت حدتها بالظهور، وسادت مرحلة ركود على صعيد الإنتاج الفني في ما بحث العاملون في هذا المجال عن وجهات أخرى، وكانت الدول العربية (مصر والإمارات بصورة خاصة) أساس تلك الوجهات. زاد استثمار السلطة السياسية أثرَ الدراما في المجتمع، وحاولت اللعب على هذا الوتر عبر تحميل الأعمال الفنية أفكارًا ومفهومات تتناسب مع توجهاتها في قمع الحركة السياسية، وقد يصح القول إنها تمادت أكثر في أعمال بررت فيها العنف، ومجدت ثقافة القوة، ونشرت ثقافة الخوف، وزرعت داخل السوري حالًا من عدم الأمان عليه أن يتعايش معها، مثلما أظهرت شرائح اجتماعية تسن قوانين ضمن الدولة، وتصبح مرهوبة الجانب بهدف ترهيب المجتمع. هكذا أسهمت بعض الأعمال الدرامية كثيرًا في تلميع صورة النظام، وتجميل مواقفه أمام المجتمع السوري أولًا، وأمام العالم العربي، بالتماس الأعذار له في القتل والتهجير، أو جعل الفاعل مجهولًا في ما آل إليه المجتمع السوري من خراب ودمار، أو جعل أطراف الثورة أطراف نزاع يتساوون في المسؤولية عن تردي الأوضاع السورية، وهي صفقة ذات مصالح مشتركة بين صناع دراما يحاولون أن يجدوا موطئًا لأقدامهم في مجتمع لم يعد يمتلك من الرفاهية ما يجعله ينتقد الأعمال الفنية أو يشاهدها، ومقاربة لتملق السلطة السياسية، وصناع الفن المتبادل، والتغريد من برج عاجي بعيدًا عن المجتمع السوري من أجل استمرار مصالح الطرفين. وقد ظهرت بعض الأعمال الدرامية رمادية الطابع، مثل شريحة من المجتمع السوري التي لم تجرؤ على اتخاذ موقف مؤيد للثورة أو النظام. تزامن ذلك مع تجنب المحطات معظمها إنتاج الأعمال الدرامية التي ترصد أسباب قيام الثورات، وطريقة تعاطي الأنظمة معها، وتجنب شراء هذه الأعمال.

في السنين الأخيرة بدأت الدراما السورية تحاول الصمود بعد فكّ الحظر عنها في الدول العربية، وكان ذلك نتيجة تطبيع بين النظام السوري وبعض حكومات الدول العربية، وهو ما أدى إلى عودة ظهور الدراما السورية في الشاشات العربية مجددًا ظهورًا يمهد لعودة حقبة ازدهارها، رافق ذلك ظهور فنانين ونجوم دراما وصناعها مع الطبقة السياسية الحاكمة، يقدمون سردية توافق هوى النظام -كما شاهدنا في مسلسل (أولاد بديعة) الذي حقق نجاحا جماهيريا ملحوظا- حيث نرى أن العيب ليس في السلطة بل في المجتمع المفطور على العنف والجشع وانتهاك القوانين والحرمات، فأبناء بديعة غير الشرعيين يعيثون في الأرض فسادًا.

وعلى الرغم من ذلك كله، ما زال الإنسان السوري يرى في الدراما السورية ملاذًا يلجأ إليه، وحبلًا سريًا يربطه بسورية التي يحب كما في مسلسل (الفصول الأربعة) الذي ما زال بعد ربع قرن من عرضه الأول يحصد المشاهدات، وتستمتع بمشاهدته أجيال لم تكن قد ولدت وقت إنتاجه. ويرى في مسلسل من مثل (الولادة من الخاصرة) طبيعة السلطة التي أوصلته إلى ما وصل إليه. وهذا مؤشر كبير إلى تأثير الدراما السورية في وعي السوريين، ودورها في حياتهم اليوم، وفي المستقبل أيضًا، ويمكن لها -إن تهيأت الظروف المناسبة- أن تلعب دورًا كبيرًا في إعادة بناء مجتمع قُسِّم، وأُحبِط، وزُّجَّ به في أتون اليأس والطائفية والعدمية.   

وفي ضوء ما سبق، تدعو (قلمون: المجلة السورية للعلوم الإنسانية) الباحثات والباحثين إلى الكتابة في ملف العدد الثلاثين بعنوان (الدراما السورية وتحولاتها)، وذلك ضمن المحاور المقترحة أدناه (يمكن إضافة موضوعات أخرى يرى الباحثات والباحثون أنه من المهم الخوض فيها).

  1. تاريخية تطور الدراما السورية وأدواتها منذ ستينيات القرن العشرين  حتى اليوم.
  2. خصائص الدراما السورية ومكامن اختلافها.
  3. الدراما السورية بين السياسي والاجتماعي.
  4. سياسات النظام تجاه الدراما السورية
  5. البيئة السورية في الدراما.
  6. صورة المرأة في الدراما السورية قبل الثورة السورية وبعدها.
  7. صراع القيم والأخلاق في الدراما السورية.
  8. هل من ضوابط حاكمة للدراما السورية؟
  9. تأثير الدراما السورية في المراهقين والشباب.
  10. ثنائية الثورة والنظام في دراما ما بعد 2011 في داخل سورية وخارجها.
  11. شركات الإنتاج وخلفياتها السياسية.

تقبل المقترحات البحثية (ملخص 500 كلمة) حتى موعد أقصاه (31 تشرين الأول/ أكتوبر 2024)، على أن تستكمل البحوث في موعد أقصاه (31 كانون الأول/ ديسمبر 2024).

تخضع البحوث جميعها للتحكيم العلمي.

ترسل المقترحات إلى إيميل رئيس التحرير Rasheed.alhajsaleh@harmoon.org

علامات سورية ، الدراما السورية
مشاركة المقال
Facebook Twitter Copy Link Print
مشاركة

مقالات أخرى للكاتب

شرعنة عنف الدولة في سورية

أزمة اللاجئين السوريين وتهديدات الأمن العالمي (دراسة حالة ألمانيا)

تصعيد أزمة اللاجئين السوريين في لبنان: الدوافع والمآلات

اترك تعليقا

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقال السابق “التغريبة السورية: الحرب الأهلية وتداعياتها المجالية والسكانية 2011-2020” جديد المركز العربي
المقال التالي حرمون ينظم ورشة عمل حول تجربة البوسنة والهرسك وكيفية الاستفادة منها

قد يعجبك ايضا

المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة يعقد المنتدى السنوي للأبحاث في دمشق

ينظّم المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة أعمال المنتدى السنوي للدراسات السورية المعاصرة (الدورة الخامسة)، يومي 30 و31 آب/ أغسطس 2025، في العاصمة السورية دمشق.يتضمّن المنتدى مجموعة من الأوراق المحكّمة التي تتناول قضايا الحوكمة وإعادة الإعمار، وإصلاح التعليم والنقابات، وتحوّلات الخطاب السياسي والديني، وديناميات الطائفية، وأوضاع اللاجئين في دول الجوار والشتات، وأدوار الفاعلين المحليين والدوليين. ويخصّص مجموعة من الورشات لمناقشة قضايا…

19 آب/أغسطس ,2025

الإصلاح المؤسسي في سياق عملية العدالة الانتقالية في سورية

يُعنى إبراهيم دراجي، في دراسته "الإصلاح المؤسسي في سياق عملية العدالة الانتقالية في سورية: الاستفادة من انتهاكات الماضي لبناء المستقبل"، بمفهوم الإصلاح المؤسسي في سورية، بوصفه ركيزة أساسًا في العدالة الانتقالية، مركزًا على ضرورة معالجة إرث البنية السلطوية للنظام المخلوع وانتهاكاته الجسيمة من أجل منع تكرارها. تنطلق الدراسة من إشكالية خضوع مؤسسات الدولة للهيمنة السياسية والأمنية، وتسعى إلى الإجابة عن…

18 آب/أغسطس ,2025

“آليات عودة اللاجئين السوريين: حلول واقعية متعددة الأبعاد” في ندوة لحرمون

يعقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة، يوم السبت 28 حزيران/ يونيو 2025، الساعة السادسة مساءً بتوقيت إسطنبول، ندوة حوارية بعنوان “آليات عودة اللاجئين السوريين: حلول واقعية متعددة الأبعاد بين الأمن والعدالة وإعادة الإعمار”. يشارك في الندوة الدكتور سامر بكور، مدير قسم الأبحاث في مركز حرمون وأستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة إكستر- بريطانيا، وتديرها أسماء صائب أفندي، مديرة منتدى حرمون…

25 حزيران/يونيو ,2025

انضم الى النشرة البريدية







  • من نحن
  • معايير النشر
  • فريق العمل
  • بروشور المركز
  • التوظيف
  • اتصل بنا
جميع الحقوق محفوظة لمركز حرمون للدراسات © 2024
certifiedISO27001 certifiedISO9001

تمت إزالته من قائمة القراءة

تراجع
Welcome Back!

Sign in to your account

Lost your password?