تنويه:
كُتِب هذا المقال بطلب من إدارة برنامج “حوارات السوريين”، وبمناسبة مشاركة الكاتب في جلسة حوارية لمناقشة موضوع “الحقوق والحريات في سورية القادمة”. وهو يعبّر عن رأي الكاتب وموقفه من الموضوع.
رئيس التحرير
…………………………….
إنه من دواعي سعادتنا أن يكون لنا سهمٌ في مناقشة قضية حساسة جدًّا تعني كلّ سوري، سواء أكان داخل المناطق التي تسيطر عليها قوات النظام المستبد، أم كان في الشمال السوري يعاني الفقر وقلة الخدمات وتحكّم جهات لها أجندتها الخاصة بها، أم كان مثلنا محرومًا من وطنه الذي وُلد وترعرع فيه، يعيش بعيدًا عن الأم الحنون والأرض الرحبة ومراتع الصبا. وعلى الرغم من الظروف القاسية التي نمرّ بها -السوريين- جميعًا، فإننا ما نزال عازمين على العودة إلى الوطن السليب، لنداوي الجراح، ونعمل على لمِّ الشمل، بعد زوال الطغمة الحاكمة المتسلطة على رقابنا منذ ما يزيد على ستة عقود. وإني أتمنى أن تكون هذه الكلمات مثمرة، ونحن نسعى لخلاص بلادنا من هذه المحنة.
إن هذه المأساة الإنسانية التي نعيشها اليوم في سورية عاشتها قبلنا أممٌ وشعوبٌ عبر التاريخ، وإن ثورة الشعب السوري وجراحه النازفة وأهدافه السامية ستكون بوصلة نجاةٍ لجميع شعوب المنطقة بكل تأكيد، كما كانت الثورة الفرنسية حاملة مشعل الحرية للبلاد الأوروبية جميعًا، علمًا أن تلك الثورة تكللت بالنجاح بعد قرابة مئة سنة من بداية الصراع بين قوى الثورة، والثورة المضادة التي تقاوم التغيير. نعم، إن محاصرة الحكومات العربية لثورات الربيع العربي ما كان لها أن تنجح مؤقتًا، لولا الدعم الكبير من القوى الغربية المهيمنة على القرار الدولي، وهنا لا بدّ من التأكيد أن إرادة الشعوب لا تُقهر، ولا يستطيع أي مستبد أن يتحكم في شعب حرٍّ إلى الأبد، ولا أظن أن هناك مستبدًا ظالمًا انتصرت إرادته على إرادة شعبه عبر التاريخ، ولذلك فإن ثورة الشعب السوري على النظام الاستبدادي ستنجح بلا ريب، طال الزمان أم قصر، وهذه هي النتيجة الحتمية لثورة شعبنا المعطاء.
وإننا إذ نتكلم على الأمم المتحدة وشرعتها، فإننا نتكلم أولًا على حضارة بشرية قدّمت عصارتها الفكرية بعد حروب طاحنة من أجل إنقاذ ما تبقى من إنسانية أنهكتها الحرب، ولا شك في أن الحضارات، كما نراها اليوم، ليست من صنع الغرب وحده، فقد اشترك فيها بنَّاؤون من كل بلاد المعمورة، كالفراعنة والبابليين واليونان والمسلمين ومَن شاركهم في زمانهم، ولا شك في أن كل دورٍ يقوم على ما تحته، والنتيجة أن البشر جميعًا شركاء في هذا البناء، علمًا بأن سمات البناء الحالية تحمل الطابع الغربي في بعض جوانبه الروحية والثقافية، والأممية في بعضها الآخر، ونحن نعلم أن الغرب اعتمد النظام الديمقراطي سياسيًّا، ردًا على الاستبداد السياسي الملكي، وجاء هذا النظام بعد حروب دموية طاحنة لا تخفى على أحد، وكلّنا يعلم أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان خرج من باريس عام (1948)، أي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بقليل، في الفترة التي أقرّت فيها بعض دول العالم إقامة دولة إسرائيل ذات الأجندة القومية والدينية الخاصة، فتم بذلك تبديل شعب بشعب آخر، وتمليك الأرض لمن لا يملكها، مع قتل أو تهجير كثير من السكان الأصليين لتلك الأرض، فعن أي ديمقراطية وأي حقوق وأي ميثاق عالمي نتكلم! الإنسان الفلسطيني اليوم في (غزة) يُقتل ويُذبح على مرأى من العالم أجمع، وبدعم من النظام الغربي لإسرائيل، مع صمت مطبق يقدح بكل المواثيق والمعاهدات الدولية، وهذا يعني أننا نتكلم على نظام سياسي عالمي جائر.
ماذا عن المنهجية الثقافية للغرب؟
اعتمد الغرب العلمانيةَ ثقافةً ومنهاجَ حياةٍ بعد ظلم واستبداد الكنيسة التي كانت تقتل العلماء والمفكرين، بتهمة الهرطقة والخروج من الإيمان، وكلنا يعلم أن النداء الذي انتشر في أوروبا، أيام الثورة على الاستبداد السياسي وظلم الكنيسة، هو قول الثائرين: (اشنقوا آخر حاكم بأمعاء آخر قسيس)، وهنا نرى أن ما وصل إليه الغرب في نهاية المطاف هو توافق بين المتحاربين على مبادئ توقّف سفك الدماء بينهم.
الحضارة الغربية الجديدة كما نراها اليوم لها أربعة جوانب: جانب علمي عملي، وجانب فكري فلسفي، وجانب فني، وجانب اجتماعي. أما الجانب العلمي الذي هو خلاصة ما توصل إليه الجهد البشري من علوم، فعلينا الاستفادة من كل نفع وخير فيه دون تحفّظ، لأنها مخرج بشري قام على أسس ثقافية وعلمية. وأما الجانب الفلسفي الذي يبحث في الأمور الغيبية وفي ما وراء الطبيعة وعلاقة الخالق بالمخلوق، فإننا لا نحتاج منه إلى أي شيء، لاختلاف مصادر التلقي بين الثقافة الشرقية الإسلامية والغربية العلمانية. وأما ما يسمى بالفنون والعادات والأخلاق الاجتماعية، فيقبل الصالح منها ممّا لا يخالف ديننا وثقافتنا، كالصدق والوفاء بالوعد والتعاون، ويرفض ما خالف ديننا وعاداتنا مما يعتبر حرامًا وانحرافًا عن الفطرة الإنسانية السوية.
تنطلق رؤيتنا الإسلامية من التأكيد أن العالم أسرة إنسانية واحدة، وأن الخلق كلهم عباد الله، وأن أحبّهم إلى الله تعالى أنفعهم لعباده، مع التأكيد أننا جزء من حضارات متعاقبة، حملت لواء الكفاح ضد الهيمنة والغطرسة، لإعطاء الإنسان دوره الكامل على هذه الأرض التي استخلفه الله عليها.
لقد نادى الجميع وصرخ مؤيدًا للحرية والعدالة والإخاء بين الإنسان وأخيه الإنسان، ولقد كان لصرخة عمر بن الخطاب دورها السياسي والأخلاقي وهو ينادي: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا). نعم، إن الأصل في الحضارات التكامل وليس الصراع، اللقاء وليس التدابر، لأن الصراع يكون بين الحضارة والتخلف، وبين العلم والجهل، نحن أبناء أسرة إنسانية واحدة، أصلها واحد، خيرات الأرض تكفينا جميعًا، ونستطيع بتكاتفنا أن نحمي المظلوم من الظالم، نحن أبناء مدرسة القرآن، الذي افتتح آياته بقوله: (الحمد لله رب العالمين)، واختتمها بقوله: (قل أعوذ برب الناس … إلى قوله … من الجنة والناس)، ففي بداية الخطاب، شمل جميع الخلق، وفي نهايته ضم جميع البشر، وهو بين ذلك يقول: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا)، فهذا الخطاب الكريم يرفع قدر الإنسان إلى أسمى منزلة وأعلى مكانة، ثم يأتي الخطاب الرباني الذي يناسب أن يكون محورية الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، وهي قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان). نعم، بلا شك نحن بحاجة إلى ميثاق لحقوق الإنسان في الحقوق والواجبات لا يفرق بين لون ولا عرق ولادين، هذه المبادئ هي التي نادى بها رسول البشرية الخاتم محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- في خطبته الشهيرة في حجة الوداع: “أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب”. ولقد ذكر القرآن قصة آدم مرارًا ليذكر الخلق جميعًا أنهم إخوة لأب واحد وأم واحدة، وأن لهم قيمًا واحدة في الأصل شرعها لهم رب واحد.
وهنا، لا بدّ من بعض الإضاءات حول فقرات الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، وذلك على اعتباره جهدًا بشريًا مشكورًا لا نصًّا مقدسًا يجب اتباعه بحذافيره:
المادة رقم واحد من الميثاق: (يولد الناس أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق). ويقابلها النص القرآني: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا).
المادة الثانية: لكل إنسان حق التمتع بكافة الحريات الواردة في الإعلان، دون تمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو الدين أو اللغة أو الرأي السياسي، ودون أي تفرقة بين الرجال والنساء. ويقابلها الحديث النبوي: “لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى”. وكذلك حديث: “النساء شقائق الرجال”.
والأصل في الشرع تساوي الذكور والإناث في الحقوق والواجبات وفي الثواب والعقاب، إلا في أحكام خاصة ينفرد بها كلّ منهما، لخصوصية معينة تتعلق بقدراته ومسؤولياته وليس لجنسه. مثل تقسيم الإرث بين الرجل والمرأة، وهو الأمر الذي يلمز إليه البعض على أن فيه ميزة للرجل على المرأة، فإن فيه نظرة قاصرة لموضوع الإرث، لأنه يرتبط بتشريعات عامة أخرى، أهمها التعبّد لله تعالى، ثم النفقات المناطة بكل منهم، وفي بعض الأحيان ترث المرأة أكثر من الرجل.
المادة الثالثة: (لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه). ونحن نرى أن للحرية حدودًا، وحدود الحرية بما يحفظ قيم المجتمع وحقوق الأفراد فيه، وإلا فهي فوضى، فماذا لو أراد شخص أن يقود سيارته كما يريد، بدون التزام بقواعد المرور المتبعة في مدينته، أليس من حق السلطة التنفيذية أن تضبط حركته بقانون محدد وتعاقبه على تجاوزه؟ وما النتيجة المنتظرة من السماح لمخمور أن يقود سيارة؟ كم إنسان سيفقد حياته مقابل تمتع هذا الفرد بحرية غير منضبطة؟ ومثال ذلك السير عاريًا في الشوارع العامة، بحجة الحرية الشخصية وعدم إيذاء الغير. لذلك فلا بد لنظام الحريات من قانون ضابط، وذلك لاختلاف أذواق الناس، فما يراه البعض حريةً شخصية يراه الأخرون تجاوزًا اجتماعيًّا كبيرًا، ففكرة الحرية المطلقة ستؤدي حتمًا إلى فساد المجتمعات.
المادة الرابعة: (لا يجوز استرقاق أو استعباد أي شخص، ويحظر الاسترقاق وتجارة الرقيق بكافة أوضاعها). ويقابلها: ما أمرت به الشريعة الربانية المسلم الذي خالف بعض التشريعات الإسلامية أن يكفّر عن خطئه بإعتاق الرقيق، وذلك لتخليص المجتمع من الرق بشكل متدرج حتى انتهاء الظاهرة من المجتمع.
المادة الخامسة: (لا يعرض إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة). ويقابلها: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”.
علمًا أننا لم نرَ على أرض واقع العالم المعاصر تطبيقًا كبيرًا لهذا البند، فهل من حق البشرية أن تتجاهل استباحة برلين وقتل الرجال وهتك أعراض أكثر من مليون امرأة، حتى إن كثيرًا من النساء انتحرن خشية تعرضهن للاغتصاب من الوحوش الكاسرة، فإن قال قائل: كان هذا الفعل الشنيع قبل الميثاق العالمي لحقوق الإنسان بثلاث سنوات، فسنقول: فماذا عما ما جرى في البوسنة من قتل واغتصاب؟ هل نذكر سجن غوانتنامو وأي مصائب حلت فيه؟ هل نذكر سجن “أبو غريب” وما جرى فيه من حط لكرامة الإنسان؟
المادة السادسة: (لكل إنسان أينما وجد الحق في أن يعترف بشخصيته القانونية”. ويقابلها: (وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا).
المادة السابعة: (كل الناس سواسية أمام القانون، ولهم الحق في حماية متكافئة دون أي تفرقة). ويقابلها: حكم القاضي شريح لمواطن يهودي في قضية بينه وبين رأس الدولة الإسلامية علي بن أبي طالب.
المادة العاشرة: (لكل إنسان الحق على قدم المساواة التامة مع الآخرين في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة ونزيهة نظرًا عادلًا علنيًا، للفصل في حقوقه والتزاماته وأي تهمة جنائية توجه إليه). ويقابلها: (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون).
مع العلم أن القضية الفلسطينية العادلة رُفعت إلى المحاكم الدولية المحايدة بحسب الظاهر، وهذه القضية عالقة، وصدرت فيها قرارات دولية متكررة منذ عشرات السنين ولم تطبّق حتى الآن، ولا يزال المحتلون الغرباء يسكنون بيوتًا ليست لهم، ويعيشون في أرض ليست ملكهم، إضافة إلى عدوان يومي من الغرباء على أهل البلاد بين قتل وسجن وتهجير، لذلك لا بد من طرح نظرية: (القانون بين النص والتطبيق) على جميع المواثيق الدولية.
المادة الحادية عشرة: (كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئًا منها حتى تثبت إدانته قانونًا وبمحاكم علنية). ويقابلها: القاعدة الفقهية (الأصل في الإنسان البراءة).
في نهاية المطاف، سأمرّ مرورًا سريعًا على بعض النقاط المهمة في موضوع (الحرية)، حيث إني أراه أصل الاختلاف بين منظومة القيم الغربية بطابعها العلماني، ومنظومة القيم الشرقية بطابعها الديني الإسلامي.
– إن حدود الحرية هي بقدر ما نحافظ على قيم المجتمع وحقوق الأفراد فيه وإلا؛ فإنها الفوضى، ولو أطلقنا الحرية لمن شاء أن يفعل ما شاء، فكيف سنحافظ على الشعائر الدينية والعبادات؟ وهل سنحميها من أيدي العابثين؟ قال تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهُدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا).
– نحن بحاجة إلى تحرير الإنسان من داخله، تحرير الإنسان من عبادة الشهوات، تحريره من التبعية العمياء لإنسان آخر، نحتاج إلى أن تتحرر الأمم المستضعفة من التبعية للأمم القوية والتي لا تحمل قيمها، وقد ورد في الحديث النبوي: (لا تكونوا إمعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن ظلموا فلا تظلموا).
– إن ضوابط الحرية في الإسلام منوطة بما أقرّه الشرع الحكيم، أمرًا ونهيًا، وقد ورد في الحديث: (الحلال ما أحلّه الله في كتابه، والحرام ما حرّمه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه).
– مرجعية الحرية في الإسلام هي الدين القائم على الوحي، الخاتم للرسالات، لذلك فإن ما فيه من تعاليم جاءت على سبيل الديمومة. أما مرجعية الحرية في الفكر الغربي، فقد تطورت خارج سياق الدين تمامًا، بل إنها كانت تعادي القيم الدينية، لذلك جاءت فكرة الحرية غير منضبطة بقانون، فهي عند الغرب: (أن يفعل الانسان ما يشتهي، لا ما ينبغي)، وإن خالف القيم أو أضرّ بنفسه أو غيره ممّن لا يستطيع الشكوى مثل الحيوان والبيئة. وهذا يعني النزول بالإنسان إلى درك الحيوان الذي يتحرك بدافع الغريزة، فلا عقل يمنع، ولا ضمير يردع، أو الصعود إلى منزلة الإله الذي لا يسأل عما يفعل، وكلا الأمرين يجانب الصواب. لقد حوّلت الثقافة الغربية الحرية إلى إباحية، فصار الإنسان يتعرّى كما يشاء، ويمارس الشذوذ في الأماكن العامة والخاصة، فهل ننتظر أن نرى مثل هذا الأمر في بيوتنا، بعد أن تتبنى الحريات الغربية؟ وقل مثل ذلك في الإلحاد والرّبا وألوان الفساد الأخرى.
والخلاصة أننا سنأخذ من المنظومة الدولية ما كان صالحًا نافعًا لا يعارض قيمنا، وأما ما كان ضارًا فاسدًا فلا حاجة لنا به. وأنا أقول هنا: لماذا نريد أن نلزم أنفسنا بتبني المنظومات الغربية؟ لماذا لا نترك لشعبنا أن يختار منظومة القيم التي يريد أن يخضع لها في ضوء استفتاءات حرة ونزيهة؟

