يهدف هذا الملف إلى البحث في منطقة غير مبحوثٍ فيها كما ينبغي، وهي التي تحيل إلى الوضع الاجتماعي/ الديني، ومن ثم السياسي في مدينة السويداء. ويتيح البحث في هذه المنطقة تسليطَ الضوء على تاريخ السويداء السياسي، وبنيتها الاجتماعية، ودورها السياسي، وأوضاع أهلها، وصولًا إلى فهم ديناميات الحراك الراهن، وخلفياته، ومآلاته.
فقد شكلت السويداء، أو منطقة جبل العرب، أو جبل الدروز، وحدة تاريخية/ اجتماعية تصلح للدراسات الأنثروبولوجية والسياسية، حيث تفاعل التاريخ بالاقتصاد، والسياسة بالدين. وكان لبناء الهوية في السويداء خصوصية ثقافية تتسق مع التنوع السوري وممارسات النظام في تهميش مكونات الشعب السورية المختلفة، هوية حملوها على أكتاف تاريخهم، ودخلوا من خلالها معتركات السياسة وتعقيدات الحياة المعاصرة. وتعد العلاقات بين الدروز ومحيطهم الاجتماعي والديني من الأمور التي لعبت دورًا في تاريخ المنطقة من دون أن ننسى توزعهم بين أصحاب أراض وفلاحين، ومدنيين وريفيين، وتأثيرات ذلك كله في حياتهم.
تحتفظ السويداء بذاكرة قوية عن الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي التي انطلقت منها عام 1925 بقيادة سلطان باشا الأطرش، وتعيد السويداء إنتاج هذه الذاكرة باستمرار في ثقافتها المحلية، وتحديدًا في الفلكلور الغنائي، والشعر الشعبي، والحكايات الأهلية المتوارثة بصورة من الفخر. وفي الأحوال كلها، قاومت السويداء آنذاك محاولات الفرنسيين فصلها عن سورية بموجب فكرة (دولة جبل الدروز)، وكان للذاكرة والتاريخ الشفوي المنقول دور مهم في بناء سردية عما لعبته السويداء من دور في مفاصل الحياة السياسية في سورية حتى قبل صعود سورية بوصفها (دولة – وطنية).
وبعد الاستقلال كانت السويداء حاضرةً بقوة أيضًا في المشهد السوري، وكان لضباط السويداء دور مهم في الانقلابات والصراعات على السلطة في سورية، إضافةً إلى أن موقعها الجغرافي في أقصى الجنوب السوري، وقربها من العاصمة، ومن هضبة الجولان، فرض عليها دائمًا أن تكون في قلب السياسة السورية.
في عهد حافظ الأسد دخلت السويداء -مثلها مثل باقي محافظات سورية- في سبات سياسي فُرِض على الجميع. فقد مُنعت الأحزاب، وتحول حزب البعث إلى قائد الدولة والمجتمع، واجتيحت النقابات والاتحادات من قبل حزب البعث ومنظماته المنتشرة في كل مكان. وكانت سياسات آل الأسد تجاه السويداء عمومًا تحمل سمة عدم الرضا. ففي ستينيات القرن العشرين سرح حافظ أسد وصلاح جديد مئات الضباط الدروز بعد المحاولة الانقلابية التي قام بها سليم حاطوم، يضاف إلى ذلك غضب أهالي السويداء بسبب اغتيال الأسد الأب الزعيمَ اللبناني الدرزي كمال جنبلاط سنة 1977، وكذلك تذمر الأهالي من إهمال الأسد السويداء، وتهميشها (رفض فتح معبر تجاري إلى الأردن من حدودها الإدارية)، وصولًا إلى أحداث السويداء عام 2001.
كانت السويداء حاضرةً في حدث ثورة آذار/ مارس 2011 التي انطلقت من جارتها درعا، وتفاعلت بطريقتها الخاصة مع هذا الحدث. ومع أنها لم تشترك بالثورة في ذلك الوقت بالزخم الذي اشتركت فيه بالثورة حمص وحماة ودير الزور وغيرها من المدن السورية، فثمة من نبَّه إلى طريقتها السلمية في المشاركة: امتناع أبنائها عن خدمة العلم (الجيش) خارج السويداء كي لا يسهموا في قتل سوريين آخرين، إضافة إلى تظاهراتها السلمية، وخطاب أهلها الرافض سردية النظام في أنه (حامي الأقليات). وبطبيعة الحال، لذلك أسباب معقدة لم يبحث أو يدقق فيها بصورةٍ وافية إلى الآن.
بات لأهل السويداء -مثل باقي السوريين- شهداء، ومعتقلون ومغيبون يجول أهلوهم بصورهم، علّهم يجدون من يساعدهن في معرفة مصير أبنائهم. وفي 4 أيلول/ سبتمبر عام 2015 اغتيل وحيد البلعوس أحد مشايخ الدروز، وأحد الرموز المعارضين للنظام الأسدي، ومؤسس (حركة رجال الكرامة). أتهم أهل السويداء النظام في تدبير عملية الاغتيال، ومنذ ذلك الحين وأهل السويداء يزداد تخوفهم من ممارسات النظام العنيفة.
تعيش السويداء منذ أشهرٍ عدة حراكًا سياسيًا واجتماعيًا مستمرًا، وصل بشعاراته ومطالبه وسلوكه إلى نقطة يصعب عندها التراجع أو العودة إلى الخلف، حُطِّمت هيبة النظام وحزب البعث، وكان لهذا الحراك دور في تقويض الصورة الرمزية للنظام، ومناهضة بقائه مباشرة. وفي الوقت نفسه يبدو أن النظام ما يزال يتجاهل حراك السويداء، ولا يبدي رد الفعل الذي يتوقعه المراقبون من سلوكه في مدن سورية الأخرى. لا أحد يعرف كيف سينتهي هذا الحراك. فالدراسات المعاصرة عن الحركات الاجتماعية نتائجها متباينة حول مدى قدرة هذه الحركات والاحتجاجات على تغيير نظام استبدادي. ويعرف أهل السويداء ذلك جيدًا، وهذا ما دفعهم إلى التحالف والتشبيك مع (ريف حلب) و(درعا البلد)، وإصدار بيانات مشتركة تطالب بالحرية والكرامة والأمان.
لا يمكن للملف أن يكتمل من دون الوقوف عند المسألة الاجتماعية وأوضاع النساء في السويداء. فالمرأة الدرزية تعاني -مثلها مثل باقي السوريات- تمييزًا سلبيًا على الصعيد القانوني، وصعوبات جمة من أجل الحصول على حقوقها، والوصول إلى أوضاع تنصفها. فهي تجد صعوبات في اختيار شريك حياتها من خارج طائفتها، فضلًا عن أنها غالبًا ما تخفق في الحصول على حقوقها في الميراث، على الرغم من الحرية النسبية التي تتمتع بها في مجالات العمل والدراسة.
في ضوء ما سبق تدعو مجلة قلمون الباحثات والباحثين إلى الكتابة في ملف العدد الثامن والعشرين بعنوان “السويداء: تشابك الاجتماعي والسياسي والديني”، ضمن المحاور المقترحة أدناه، (يمكن إضافة موضوعات أخرى يرى أي باحث أنه من المهم البحث فيها):
- تاريخ السويداء السياسي في ظل السلطنة العثمانية.
- دور السويداء في ثورة 1925.
- دور ضباط السويداء في مرحلة الانقلابات.
- الحياة السياسة في مرحلة حزب البعث.
- مشيخة العقل وأدوارها الاجتماعية والسياسية.
- تفاعل أهل السويداء مع المحيط: الإشكاليات والتحولات.
- الأوضاع الاجتماعية، وقانون الأحوال الشخصية، وتأثيراته.
- ثقافة السويداء، وأعراف أهلها، وتراثها.
- الحراك السياسي الراهن: خلفياته، دينامياته، آفاقه السياسية.
- الأوضاع الاقتصادية للمحافظة، وسياسات النظام تجاهها.
تقبل المقترحات البحثية (ملخص 500 كلمة) حتى موعد أقصاه 01.04.2024، على أن تستكمل البحوث في موعد أقصاه 30.06.2024، وترسل المقترحات إلى إيميل رئيس التحرير رشيد الحاج صالح. Rasheed.alhajsaleh@harmoon.org

