تنويه:
كُتِب هذا المقال بطلب من إدارة برنامج “حوارات السوريين”، وبمناسبة مشاركة الكاتب في جلسة حوارية لمناقشة موضوع “الحقوق والحريات في سورية القادمة”. وهو يعبّر عن رأي الكاتب وموقفه من الموضوع.
رئيس التحرير
…………………………….
بدأ اهتمام المجتمع الدولي بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية بداية متواضعة، إذ اقتصرت اهتماماته على منع الاتجار في الرقيق والمعاقبة عليه، وحماية الأقليات، لكن بعد تأسيس الأمم المتحدة، إبّان الحرب العالمية الثانية، لم يعد القانون الدولي يقتصر على العلاقات القائمة بين الدول، بل أصبح يعطي للفرد أهمية متزايدة، كما أصبح من أهمّ المدافعين عن الفرد وحقوقه وحرياته، بغض النظر عن جنسيته أو دينه أو عرقه، وبغض النظر عن المكان والزمان.
كان ميثاق الأمم المتحدة المصدرَ الأول لحقوق الإنسان، ثم جاءت وثائق الشرعة الدولية (الإعلان العالمي والعهدان الدوليان) لتشمل نصوصها كل حقوق الإنسان أو معظمها. ومعها بدأ التاريخ الحقيقي لعالمية حقوق الإنسان على المستوى الدولي. ومع أنّ الإعلان العالمي جاء على شكل توصية صادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولم تكن له صفة الإلزام القانوني عند كثير من القانونيين؛ فإنّ توجيهات الجمعية العامة لها قيمة أدبية، جعلت قسمًا مهمًا من القانونيين يؤكد القيمة الإلزامية لنصوص الإعلان التي صارت جزءًا من القانون الدولي، بل إن بعض فقهاء القانون جعلوا لنصوص الإعلان سموًا على القوانين الداخلية. أما العهدان الدوليان، فتكمن أهميتهما في كونهما لم يبقيا على مستوى الاعتراف، بل أقرّا آلية لضمان احترام تطبيق مقتضياتهما، وتم تخصيص مجموعة من المواد للحديث عن كيفية تكوين اللجنة المكلفة بدراسة الخروقات التي تقترفها الدول المخالفة للعهدين وعملها، وتم تدعيمهما ببروتوكولين اختياريين: الأول يمكّن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان من استلام الرسائل المقدمة من الأفراد الذين يدّعون أنهم ضحايا انتهاكات لأيّ حقّ من الحقوق المقررة في العهد والنظر فيها؛ والثاني الذي اعتُمد في عام 1989 وينصب على إلغاء عقوبة الإعدام.
هذه الشرعة شكّلت منطلقًا وإطارًا مرجعيًا للعديد من التشريعات الدولية والإقليمية في مجال حقوق الإنسان، مثل إعلان الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1963، والمعاهدة الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية الموقعة في روما في عام 1950، والاتفاقية الخاصة بالحقوق السياسية للمرأة بتاريخ 1952، والاتفاقية الدولية الخاصة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لعام 1967، واتفاقية حقوق الطفل بتاريخ 1989، والاتفاقية الخاصة بمناهضة التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو المهينة بتاريخ 1984.. إلخ. أما تأثير ما مارسته هذه الشرعة، في الدساتير والتشريعات والقوانين المحلية في الدول المختلفة، فهو تأثير كبير لا يخفى.
عالمية أم عولمة:
أكّدت الشرعة الدولية مبدأ عالمية حقوق الإنسان، انطلاقًا من الكرامة الإنسانية التي تتفق عليها كل الثقافات، وعلى الرغم من أن الساحة الدولية تغيّرت منذ إقرار الإعلان العالمي سنة 1948، وتغيّرت معها عضوية الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أصبحت أكثر تنوّعًا؛ فإن المنظور الأوروبي لحقوق الإنسان هو الذي طغى في الشرعة، وهو منظور يستند إلى الفلسفة السياسية الليبرالية، ويركّز على الحقوق الطبيعية للفرد أكثر بكثير من المجتمع أو الثقافة، على عكس الفهم في العديد من المجتمعات الإفريقية وبعض البلدان الآسيوية، إذ يُنظر إلى حقوق الكائنات البشرية وإلى واجباتها، من حيث العلاقة بالمجموعة وليس بالفرد. وإن إجراءات المطالبة بهذه الحقوق وتطبيقها مُتجذرة في الثقافة القانونية الغربية التي تلعب فيها الدول والمشرّعون الغربيون الأدوار الرئيسية في تطبيق قوانين حقوق الإنسان في العالم.
السماح بالتنوع الثقافي لتفسير وفهم حقوق الإنسان یضمن عالمیة فعلیة لتلك الحقوق، من خلال قبول تطبيق مبادئها، فالعالمیة تقرّ بوجود الخصوصیات والفوارق بین المجتمعات، في حين إن العولمة تحاول فرض معاییر وقیم مجتمع معین أو حضارة معینة أو ثقافة معینة أو دولة معینة، على دول العالم كافة، باعتبارها المفاهیم الأسمى والوحیدة لحقوق الإنسان التي ینبغي لها أن تسود العالم، وهي المقاربة التي تتبناها الدول الغربية لعولمة حقوق الإنسان، مختزلة ما سواها من قوى وثقافات في ثقافة واحدة، فهي بذلك مختلفة عن العالمیة ونافیة للخصوصیة، فعولمة حقوق الإنسان تعني تعمیم حقوق الإنسان في الثقافة الأقوى الساعیة للهیمنة على العالم كله.
ليست المشكلة في أن حقوق الإنسان تشكل وحدها الأيديولوجية الغربية الحديثة، لكن المشكلة -كما يقول الفيلسوف الفرنسي آلان دون بنوا- في السؤال: من الذي أعطى شرعية لفرض هذه الأيديولوجية على الثقافات غير الغربية بالإكراه؟ والجواب يبدو في أن عولمة حقوق الإنسان، كما قال: ما هي إلا “طريقة مخادعة للتحويل والهيمنة، إنها امتداد للمتلازمة الاستعمارية نفسها”.
إن الزعم الذي يفترض أن القيم الحضارية الغربية الحديثة متفوقة أخلاقيًا، على ما عداها، هو زعمٌ باطل، بل هو استلاب فكري، كان من آثاره: تقديس كل ما هو غربي، والانتقاص من كل ما يتصل بالثقافة والخصوصية المحلية.
نقد للأيديولوجية والمرجعية:
أيديولوجيا حقوق الانسان تركز على الفرد، وتتعامل مع الأفراد باعتبارهم كيانات مجردة، معزولة عن المجتمع، إنها تتجاهل الأبعاد المجتمعية التي تُعطي الأولوية لاتصال المرء بجيرانه ومجتمعه والعالم بأسره، تلك المجتمعات التي تعطي للفرد حقوقًا، بحكم تناغمه ودوره الفعلي في المجتمع، لا بحكم أفكار مجردة.
إضافة إلى أن ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي جاء فيها أن “تجاهل حقوق الإنسان واحتقارها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت ضمير الإنسانية، وأن انبثاق عالم يتمتع فيه المرء بحرية القول والمعتقد، ويتحرر من الخوف والعوز، غاية ما يصبو إليه الناس”، لا تتساءل عن الكيفية التي ينظم بها المواطنون تعايشهم المشترك، وتختصر العلاقة بين المواطن والدولة إلى مجرد علاقة قانونية. إنها تتعامى عن كل قصور في مجال تنظيم الدولة والمجتمع.
من جانب آخر، يظهر السؤال المهم حول مرجعية حقوق الإنسان الدولية ومصدرها التشريعي، إن مصدر هذه الحقوق -كما يقول جاك دونللي- إما الإنسان أو الطبيعة، ولو تساءلنا عن مدى صلاحية الإنسان لأن يصبح مصدرًا لحقوق الإنسان، فسنجد أن ذلك يحيلنا إلى العقل المتغير، الذي يستجيب لتغير العوامل المحيطة، فلا توجد قائمة أو معايير ثابتة لحقوق الإنسان في المفهوم الغربي، وهذه نقطة أساسية تجعل هذه المرجعية على خلاف كبير مع مرجعيات أخرى، كالمرجعية الإسلامية أو المرجعيات الدينية والثقافية الأخرى.
من جانب آخر، نجد أن بعض الباحثين يعرّفون حقوق الإنسان بأنها تلك الحقوق الضرورية والأخلاقية والعالمية، فإذا تجاوزنا السؤال عن المعيار الذي يجعل هذه الحقوق عالمية وأخلاقية، فإننا سنصطدم بسؤال: مَن يقرّر هذه المعايير؟ وكيف يمكن تحديد السلطة التشريعية لهذه الحقوق وتبريرها؟ فإذا اعتبرنا أن تلك الحقوق مبنيّة على الحق الطبيعي، أو المنفعة أو العدالة أو الكرامة، أو المساواة والاحترام.. إلخ، فإننا سنجد أن الواقع يخبرنا أن تلك الحقوق تستند ببساطة إلى ما تقرره الدول العظمى، وإلى ما تريده لهذه الحقوق أن تكون، وما جرى ويجري اليوم في العالم من انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، كما في سورية وفلسطين مثلًا، لهو خير دليل على ذلك.
هل نحن بحاجة إلى شرعة حقوق الإنسان في سورية؟
لا يمكن إنكار حجم المظالم التي عاناها السوريون والسوريات على مدى عقود طويلة، وما زالت معاناتهم مستمرة، فالاستبداد الذي ضرب جذوره في سورية ترك آثارًا من انتهاكات حقوق الإنسان، انعكست على السلم المجتمعي بشكل سلبي جدًا، من الصعب محوها أو تجاوز تداعياتها دون معالجتها، سياسيًا وقانونيًا ودستوريًا وثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا.
لكن هل سيكون علاج ذلك بتبني شرعة حقوق الإنسان في الدستور والقانون وحسب؟! جوابي أن هذا لن يحل تلك المشاكل، بل سيزيد طينها بلة، كون هذه الشرعة لم تتخلص حتى الآن من إرث الهيمنة الاستعمارية، التي تتعامى عن الخصوصيات الثقافية، وتحتقر كل ما يخالف ثقافتها ومرجعياتها الفكرية، كما أنها ما زالت حتى الآن وسيلة سياسية تستخدمها الدول العظمى لمصالحها، فتشهر ورقة المحاسبة وقتما تشاء، وتتغاضى عن انتهاكات مروعة مقابل مقايضات مصلحية رخيصة.
هذا النقد لشرعة حقوق الإنسان لا يعني عدم حاجتنا إليها، ولا ينفي إطلاقًا أن فكرة ميثاق عالمي لحفظ حقوق الإنسان ومنع انتهاكها فكرة جديرة بالعناية والاهتمام، خاصة بعد أن وصلنا في العالم إلى ما وصلنا إليه، من انتهاكات ترقى إلى إبادات جماعية لدول وشعوب وأعراق ومجموعات وجماعات بشرية، لذلك فإن حجم أزمات حقوق الإنسان، ونطاقها، وتكرارها في جميع أنحاء العالم، يُظهر مدى الحاجة الملحة إلى وضع إطار جديد ونموذج جديد للعمل على تعزيز ثقافة حقوق الإنسان في العالم كله، فمعرفة هذه الحقوق وفهمها، وبثّ الوعي في المجتمع بها، عن طريق التربية والتعليم ووسائل الإعلام، ضرورة ملحة، والأمر الأكثر إلحاحًا تحويل هذه الثقافة إلى سلوك عملي، يحترم حقوق الإنسان، ويحصن هذا السلوك بالقوانين اللازمة، وبهذا ستنتقل ثقافة حقوق الإنسان من كونها شعارًا سياسيًا، إلى واقع معيش وسلوك فاعل.
هناك اليوم جهود كبيرة تُبذل من أطراف عديدة لجعل منظومة حقوق الإنسان منظومة عالمية، تحترم الثقافات والخصوصيات الأخرى، وتحترم تنوع المجتمعات المحلية التي تسعى جاهدة لمواجهة التحديات العالمية البارزة اليوم، كما تحاول العمل على تأسيس نظام محاسبة وحماية لتلك المنظومة، بعيدًا عن ازدواجية المعايير والاستثمار الدنيء الذي تتعامل به القوى العظمى مع انتهاكات حقوق الإنسان في العالم، فهل علينا انتظار تحقق ذلك دون أن نسهم فيه؟ أعتقد أن علينا -السوريين والسوريات- أن نحترم الإنسان وكرامته، ونحترم حق الشعوب في تقرير مصيرها، ورسم مستقبلها، والدفاع عن حقوقها، والانخراط في هذه الجهود العالمية، بكل ما أوتينا من قوة، وما توفّر لنا من وسائل؛ لأن حقوق الإنسان لا ينبغي أن تكون سلاح القوي وحده، ويجب أن تكون سلاحًا للضعيف أيضًا.

