تنويه:
كُتِب هذا المقال بطلب من إدارة برنامج “حوارات السوريين”، وبمناسبة مشاركة الكاتب في جلسة حوارية لمناقشة موضوع “القضية القومية”. وهو يعبّر عن رأي الكاتب وموقفه من الموضوع.
رئيس التحرير
…………………………….
ثمّة تباين واستقطاب بين مكوّنات النسيج السوري، نتيجة تاريخ قلق واختلافات ثقافية لا يمكن تجاهلها عبر تاريخ بلاد الشام، تبعه عهد طويل من الدكتاتورية والهيمنة الأمنية واستثمار التعصّب والطائفية من أجل السلطة، ورغبة كلّ طرف -سواء أكانت في الهيمنة على الآخرين أم في الانفصال- إنما تنتج عن غياب الدولة بمفهومها الحديث، والبؤس الذي كرّسته الأنظمة القمعية والمتسلطة عبر حقبة طويلة. وفي عالم حافل بالصراع، لا أحد يرغب في الانفصال عن كيان يعمل على حماية رعاياه ورفاهيتهم، لكن الكيان الذي يُمثل عبئًا على مواطنيه، ويتحوّل إلى سجن يحدّ من تطلعاتهم، بالتأكيد لن يُفرز وطنًا، لأن الوطن حيث يشعر المرء بوجوده الكريم وأفقه المفتوح.
ربما يُثير التشكيك بهوية سورية واضحة كثيرًا من الامتعاض والرفض عند أكثرية السوريين (حاملي الهوية السورية)، من دون أن ننتبه إلى أنّ لكل سوري سوريته التي يرغب فيها، ويحشد لها تصوراته الخاصة والضيقة، إلا أن النظر بواقعية براغماتية قائمة على عدالة مرتبطة بآخرِ ما وصلت إليه الفلسفات والدراسات الإنسانية يُتيح لنا اجتراح مسالك مهمة جدًا في حياكة النسيج السوري، بما يجعله نسيجًا متينًا وزاهيًا بدون ترقيعات مجحفة. ولكي نكون في مسار هدف واضح، علينا أن نُبيّن عبر ورشات ونقاشات مستفيضة ما معنى سورية، مفهومًا وجغرافية وتاريخًا وهوية. فهذه الهوية بدأت بالظهور والنمو على خلفية الصراع مع المستعمر، ومحاولة تأسيس الدولة السورية وما صاحبها من تقلبات إقليمية وداخلية، لكنها لم تنضج بالقدر الكافي في ظلّ صراعات أيديولوجية أفرزت فيما بعد سلطة أمنية متغولة. ومع رفضنا المسبق لكل التحديدات الحدودية، لأسباب قومية أو دينية، علينا أيضًا أن نفهم أنّ ما جرى من تقسيمات وجغرافيات مفخخة قامت على مصالح ومساومات استعمارية، كاتفاقية سايكس بيكو مثلًا، جاءت أصلًا في واقع منقسم وثقافات متباينة، على الرغم من المشتركات التاريخية والقيمية واللغوية، وربما نستطيع القول متسائلين بسخرية: هل قام سايكس وبيكو بتقسيم وتجزيء هذا العالم العربي، الشرق أوسطي، الأفروآسيوي، أم جمعا ما لا يمكن جمعه في كيانات قلقة؟
في الحالة السورية، مثلًا، نجد أن الأطراف ترتبط بهويتها مع دول الجوار القريبة منها أكثر من المركز، وثمة ثقافات متعددة داخل حدود هذه الدولة الصغيرة نسبيًا، وهويات عديدة لها أبعاد قومية ودينية وثقافية مختلفة بوضوح. ربما كان الرهان على المشتركات والرغبات رهانًا ممكنًا بعيدًا عن التدخلات الإقليمية والدولية، وفي ظل دولةٍ تمتلك مقوماتها القانونية والدستورية الواضحة والمنصفة، وعقدها الاجتماعي المتفق عليه. وللتعبير عن هذه الإشكالية، ربّما يستحسن البحث في الأجندة الوطنية مقابل الأجندات الأخرى القومية والدينية والثقافية.
الأجندة الوطنية لها تفرعات عدّة، لا بدّ من الاتفاق عليها، وإن كان هدفُها تشكيلَ دولةٍ سورية قابلة للحياة والازدهار ومواجهة التحديات، ولا شك أنها مهمّة عسيرة جدًا، راهنًا، في ظلّ الدمار الشامل والاحتلالات المتعددة والمنظومة الحاكمة المتفق عليها، إقليميًا ودوليًا، لكن العمل عليها قدَرُ السوريين في البؤسَين: بؤس الصمود في المكان، وبؤس المنافي ودول اللجوء. وإنّ الرؤية الواضحة للهدف الذي يحقق للجميع تطلعاتهم تعني السير باتجاهه، وتهذيب الأجندات الأخرى ووضعها على مسار واقعي وقانوني. ولعل أبرز تفرعات الأجندة الوطنية تتمثل في طبيعة الدولة المأمولة ومؤسساتها؛ التقسيمات الإدارية وطبيعة ارتباطاتها بعضها ببعض، وبالمركز؛ حلّ إشكالية التعددية القومية والطائفية؛ فتح الآفاق أمام الخيارات الخاصة ضمن أسس قانونية واقعية تستند إلى بعد ديمقراطي حقيقي؛ والتعامل مع الواقع السياسي في الشرق الأوسط والعالم بواقعية ناتجة عن رؤية شاملة. هذه التفرعات كلٌّ منها يبدو حلمًا بعيد المنال، لكن الحلم يملك عنصر قوة لا يجب الاستهانة به، وهو أن سورية موحّدة ستجنّب سكانها، على اختلاف قومياتهم وثقافاتهم، الدمار الذي ينتج عن صراعات القوى والتبعيات الضائعة والمأجورة وسماسرة الحروب والنزاعات.
يكفي أن نقرأ التاريخ كمصدر للعبرة، لنكتشف أن الكيانات الدينية التي حققت شيئًا من الحضارة إنما حققته بانحيازها إلى الطابع المدني في عهود ازدهارها، وإذ غرقت في عصبيتها الدينية، انحدرت إلى أسفل. لا يمكن للتمييز الديني أو الطائفي أن يكون عادلًا، ولا أن يُنتج مجتمعًا صحيًّا متماسكًا. وكلُّ كيان سياسي قائم على الانحياز إلى دين أو طائفة في راهننا هو كيانٌ قلق ومأزوم ومهدد. وحدة الثقافة بحد ذاتها عامل مهم في توحيد التطلعات، لكنها أيضًا وحدة متوهمة في كثير من جوانبها، فاللغة لا تكفي لتكوين هوية ثقافية متطابقة، عندما نجد اختلافًا في أنماط الإنتاج والمعيشة والظروف البيئية والبنى العقدية، وللغفلة عن هذه الاختلافات ثمن باهظ، من تنمية الكراهية وبثّ الفتن وترسيخ الأحقاد. ثمة ثقافة جديدة يجب العناية بتكوينها، أكثر من العناية بثقافات جزئية، ثقافة وطنية تؤسس لعلاقة سليمة ووشائج متينة بين المواطنين، على اختلاف أروماتهم وعقائدهم وثقافاتهم. ولا بد من الاعتراف بأهمية الأبعاد البراغماتية في هذه الهوية الوطنية، والمتمثلة في الحرية والكرامة من جهة، والتنمية والرفاهية من جهة ثانية، والاستقرار والطموح نحو غد أفضل من جهة ثالثة…
ولكي نستفيد من التاريخ الضارب في القِدم، لا بدّ من وضعه في موقعه كخبرة وعبرة وتجربة، وليس كمستندات ووثائق للصراع. فبلاد الشام بعد عهود من التبعية لبيزنطة وروما والصراعات القديمة بدأت خطاطة تاريخية مدنية في العهد الأموي، وعلى الرغم من عيوبها فإنها كرّست حضورها العالمي، ولا يمكن للاستقرار أن يجد سبيله في سورية بدون مدنيّة كانت هي الحلّ دومًا، وتمثلت في عهود دمشق عبر التاريخ، دمشق التي كانت تُمدّن غزاتها بفيضٍ من اللين والسلم (خاله الآخرون جبنًا).
ولأنّ عالَم اليوم متداخِلٌ جدًا، يبدو أن القَدر الليبرالي (ثقافيًا وحسب، وبعيدًا عن بعده الاقتصادي والسياسي) هو المدخل الوحيد نحو سلم أهلي قائم على العدالة والإنصاف، حيث لا تكون حقوق المواطنة حكرًا على أحد، ولا يُغمَط حق أي سوري في أيّ جزء من حقوقه، مع إقامة نظام مدني ليبرالي يستند إلى دستور يعبّر عن كل مكوّنات النسيج السوري، بعيدًا عن الامتيازات والتمايزات أيًا كان نوعها، حتى تلك التي تشمل فئات عمرية أو تخضع لمفاهيم جندرية، ويرافق ذلك ترشيدٌ للقوانين بما يجعلها، فضلًا عن تنظيم المستقبل السوري وحمايته، تُصلِح الهنات والأخطاء والمظالم السابقة بواقعية، مع سنّ القوانين التي تُنصف الجميع وتُحقق العدل في كلّ بقعة من هذه الدولة، والبحث في أسس التقسيمات الإدارية، ونقاش طبيعة الارتباط بالمركز، سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا، مع الاهتمام بالتطلعات المشروعة عبر آليات سياسية وإجرائية شاملة، والاستجابة للنقاش حول مصائر الأجزاء إذا تبينت مشروعيتها، عبر تحديد دقيق للقطاعات وبنيتها وتنوعاتها وآليات تحقيق العدالة للجميع.
هذا سعيٌ وطني بامتياز، لا يحجب عن التطلعات القومية حقّها في التعبير عن هويتها، بل ربما يهذبها لتتخلص من عيوب وبوائق نشأتها، إذ إن النظريات القومية في الشرق الأوسط خاصة إنما نشأت كردة فعل على محاولات طمس الهويات الخاصة وتغييرها. ولأنها نظريات نشأت في ظل أزمات، تبقى محتفظة بجذور الأزمة واختلالات ردة الفعل، وتتحول نحو إفراز الأزمات أكثر من محاولتها ترشيد العلاقة وإنهاء الصراع.
ولأن الحالة الكردية هي أبرز ما يحضر على صعيد الاختلاف القومي في سورية الراهنة، منذ ما يقارب 80 سنة على الأقل، يبدو أن تناولها بتفهّم وواقعية يمكن أن يكون مدخلًا لكل التمايزات الأخرى. لا شك أن الكردي السوري عانى ضعف مواطنه السوري، وإن كان مواطنه العربي أيضًا قد عانى. وتعرّض للإجحاف والظلم والقهر طوال عقود لا يمكن التغافل عنها، خلقت أزمة ثقة عميقة بين الكرد وشركائهم في الوطن السوري، بل إن هذا الشرخ تعمّق أكثر مع ظهور خطاب عنصري أكثر شدة، في بعض أدبيات وأقوال شخصيات ومؤسسات، من المفترض أنها تمثل الأفق الجديد لسورية الجديدة المتحررة من نير الاستبداد. وبالتأكيد، حالة ردة الفعل لن تنتج تصورات منطقية، إنما تنتج تخبطات على أصعدة مختلفة ومتداخلة. لا بدّ من التأكيد أن من حق أي جزء أن يستقلّ عن الكل، ولا سيما إذا كان هذا الارتباط بعيدًا عن الإنصاف والاستقرار، لكن عن أي جزء نتحدث؟ ما هي حدوده؟ وما هي مكوناته؟ وما هي رؤيته، سواء بالصلة مع الجوار أو التعامل مع مكوناته المختلفة ثقافيًّا أو قوميًّا؟ وكيف يمثل خيار الانفصال أو أي شكل من أشكال الاستقلال عن المركز تعبيرًا حقيقيًّا عن رغبات سكان هذا القطاع؟ هذه أمور لها سُبُلها وترتيباتها وإجراءاتها، ولا يمكن بناؤها على مجرد ثورة أو نقمة أو تمرد. فالسعي نحو الفدرالية أو الكونفدرالية أو الاستقلال، لا بدّ من أن يمرّ عبر استفتاءٍ يقام في ظروف مناسبة، ولا يمكن للظروف المناسبة أن تقام إلا عندما يتحقق الوطن بحقّ. بمعنى آخر: إنّ أي نزوع محق وعادل لا بدّ له أن يسلك طريقًا دستوريّا في وطنٍ يهتمّ بمواطنيه بعدالة تامة. وإذا كان إنجاز المشروع الوطني عسيرًا جدًا، بسبب الظروف بتفاصيلها المؤلمة والدامية والمحبطة، فإن المشاريع القومية ستكون أكثر عسرًا وفداحة، وربما يمضي وقت طويل ويحلّ دمار أشد باستمرار قبل أن ندرك تمامًا أنه لا خيار لنا سوى البدء بالحل الوطني مهما تطلب من صبر وجهد.
لا يحتاج الكردي إلى استجداء الاعتراف من مجلس مرتهن أو ائتلاف مزعوم، إنما يحتاج إلى المضيّ قدمًا في سبيل سورية مختلفة، أن يبادر ويؤسس مع غيره سورية تتيح لمواطنيها أن يعبّروا عن هوياتهم وتطلعاتهم، وتفتح المجال أمام الخيارات الخاصة بشكل عقلاني عادل، فيه تفاهم عميق مستند إلى الفهم والتقدير. ولا يمكن للكرديّ أن يحقق أي شكل من أشكال الاستقلال، إلا في ظل دولة حقيقية وحسابات قانونية وسياسية دقيقة ومنصفة. ولا شك أن هذا لن يتم إلا بقطيعة كاملة مع أيديولوجيات الاستبداد والرواسب العنصرية من قبل كل السوريين. السعي نحو سلطة لها امتياز فئوي يبقى أسير نزعات تحشيدية تذكي الصراع والتفتت، وأوهام بأن الهيمنة على الآخرين تُحقق امتيازات فئوية دائمة. وهو الوهم الذي لا بد من القطيعة معه، وإدراك الحاجة إلى التعاون بين الجميع باختلافهم، من أجل وطن ممكن في عالم يمور بالتحولات والصراعات.
علينا أن ندرك الفارق العميق بين الاستقلال والانفصال، ليكون أي تحوّل في مصلحة الجميع، فالاستقلال له آليات داخلية وطنية وواقعية ومؤسساتية، ويستند إلى حقائق على أرض الواقع، ويتيح الاستقرار والتفاهم، ولا يعني قطع العلاقة مع البقية، وله خيارات كثيرة يمكن البحث فيها، من الاندماج الكلي في دولة تعددية، إلى الاستقلال الكلي، مرورًا بالفدرالية والكونفدرالية والحكم الذاتي …. إلخ. أما الانفصال، فهو في حقيقته اقتطاعٌ غير مدروس وغير ناضج، وخاضع لمصالح الآخرين من القوى الإقليمية أو الدولية التي تذكيه وتموّله. وهو لا يحقق أي مصالح قومية أو وطنية.
وعلى السوريين عامة أن يدركوا أن سورية متنوعة جدًا في قطاع جغرافي محدد، وأن الاعتراف بالتنوع ليس خيارًا، وأن التعبير عن هوية منفتحة وشاملة، هو تعبير واقعي ينبني عليه واقع أفضل للجميع.
الأجندة الوطنية تبدأ من طاولة مستديرة، تضع عليها كل الأطراف آمالها وتصوراتها، من أجل رؤية تشمل الجميع على حد سواء. وتبدأ من تأسيس جذري لمفهوم الوطن السوري والمواطنة السورية، ليكون هذا الوطن خير ملجأ للجميع، بدلًا من الاستقواء بالخارج، أو انتهاز فرص الصراعات الدولية من أجل هيمنة الجزء على الكل. كل فرد في هذا الوطن له صوته ووزنه، ولا يغمط حقوقه أحد.
ليست الأجندة الوطنية مجرّد اختيار بين الخيارات، إنما هي قدر سورية الوحيد، إذا كانت ما تزال ممكنة كدولة حقًا.

