تنويه:
كُتِب هذا المقال بطلب من إدارة برنامج “حوارات السوريين”، وبمناسبة مشاركة الكاتب في جلسة حوارية لمناقشة موضوع “القضية القومية”. وهو يعبّر عن رأي الكاتب وموقفه من الموضوع.
رئيس التحرير
…………………………….
لم تظهر المسألة القومية إلّا أواخرَ القرن الثامن عشر، في أيام الثورتين الفرنسية والأميركية العاصفتين، وتبلورت مع “الدولة القومية” أو” الدولة-الأمة”، خصوصًا. سبقت فرنسا الثورة التي حوّلتها البونابرتية إلى دولة-أمة، تهرب من” ليبرالية” الثورة، إلى دكتاتورية قائد الأمة الذي جعل مجد “الفتوحات الثورية” تعويضًا عن حرارة الثورة. قبل ذلك، كان لويس الرابع عشر قد قام بمركزة فرنسا حوله “أنا الدولة”، على مسافة من بابا روما، وحكم البلاد 72 عامًا حتى عام 1715. احتاج عندها إلى” قمع” الأرستوقراطية الإقطاعية المتّحدة بشكل لا مركزي حول الملك، وألزمها بطاعته تحت تهديد استبداد السلطة المطلقة وقدراتها.
يحتاج السوريون حاليًا إلى كثير من التركيز والطاقات والنيّات حتى يستطيعوا مواجهة مشكلاتهم المعقدة، مع افتراض اتفاقهم المسبق على بناء دولة حديثة لكلّ أبنائها، ديمقراطية يسودها القانون، ويحكمها دستور معاصر، وتحقق مصالح الأفراد بالحرية والكرامة والمواطنة المتساوية، ومصالح الجماعات بتأمين حقوقها من غدر الزمان وغلبة القلق والهواجس.
يركّز هذا المقال على بعض ضروريات أو أساسيات المسار الممكن المحفوف بالمخاطر والشكوك والصعوبات والتاريخ الضاغط ثقيلًا، ما بين حقوق الأفراد وحقوق الجماعات.
القومية والاستبداد:
قبل نشوء الدولة-الأمة، ظهرت دول مركزية استبدادية قوية في أوروبا، ابتدأ عصر “حكم القانون” في ظلّها، مع بروز دور “الإكراه” أيضًا في إعطاء تلك الدول شكلها الأوّلي، قبل اندلاع الثورات تطلب الحريات وحقوق الإنسان. وحين انقلبت تلك الثورات نحو التمركز والقومية، تراجعت جزئيًا تلك الحرّيات والحقوق، من دون أن تختفي. ساعد ذلك في تشجيع ثورات قومية لاحقًا، ليظهر أصحابها حاملين بدورهم رايات الحرية والوحدة القومية. لكنّ تلك الحرية كانت للأمة والشعب آنذاك، وليست حرية الأفراد. استطاعت انتفاضات 1848 أن تدفع بحركة توحيد ألمانيا وإيطاليا إلى الأمام، وكذلك بحركة استعادة البونابرتية عن طريق نابليون الثالث. عاشت تلك الدول-الأمم مزيجًا من آثار الاتّجاهين: ثورات منتصف القرن، وحركات التوحيد القومي. وحين انقلب القرن، تمكّنت الحرب العالمية من تقديم فرصة ذهبية لتطوير الروح القومية حتى استبداد النازية والفاشية وغيرهما.
في المنطقة العربية، قام أمين الريحاني، بتشجيع من الحكومة الأميركية غالبًا، برحلة مهمّة، زار فيها “ملوك العرب”، كما أسمى كتابه الذي وثّق تلك الرحلة، لاستكشاف إمكانية تحقيق “الوحدة العربية” التي كانت بريطانيا ابتدأت تطرحها. مرّ ذلك الأديب العظيم على الأردن/ الأمير عبدالله بن الحسين، والحجاز/ الملك حسين، وعسير/ الإدريسي، واليمن/ الإمام يحيى حميد الدين، ونجد/ السلطان عبد العزيز آل سعود، والعراق/ الملك فيصل الأول… وفي نهايتها، اقترح قيام دولة من كلّ تلك الدول، يكون الحسين خليفة فيها وصاحبًا للسلطة الدينية، وعبد العزيز -أو يحيى- ملكًا أو سلطانًا عليها وصاحبًا للسلطة الدنيوية. وفي تبريره لاختياره هذين الاسمين، توسّع في بيان بأسهما وحزمهما، وبمعنى آخر: أظهر قدرتهما على فرض الانضباط ومركزية القرار. وبتعبير أدقّ وأكثر بلاغة: الاستبداد.
لم يكن شمال أفريقيا في حساب الريحاني، بل لم تكن سورية ولبنان أيضًا، رغم انطلاقه في الحكم من انتمائه إلى الأخيرين. وربّما أهملهما لأنهما أصبحا خاضعين للاحتلال ثمّ للانتداب الفرنسي في ذلك الوقت تمامًا. حدث ذلك مع أنه لم يُسقط العراق من حسابه، وهو الذي كان محتلًّا من قبل بريطانيا، التي تتمتّع بنفوذ ووجود أيضًا في أكثر من مكان من مواقع رحلته. هنا قد يرجع المرء ويتحفّظ قليلًا على افتراض تشجيعه من قبل الأميركيين، ويروح ذهنه إلى البريطانيين. وليس هذا ما يهمّنا هنا.
كانت الفترة التمهيدية للحرب العالمية الثانية، مع تلك الحرب نفسها، من مصادر تنمية القومية العربية، التي افتُتحت الجامعة العربية كتصريف لها، بعد أن ابتدأت حركة تسييس قومية قوية في المنطقة. ولم يكن ذلك كافيًا أو ناجعًا، خصوصًا مع أثر الهجرة اليهودية وقيام إسرائيل والقضية الفلسطينية، تأجيجًا لتلك الحركة. وكانت “الليبرالية” العربية تتفسّخ وتزداد ابتعادًا عن الناس في الفترة ذاتها، في مصر ولبنان وسورية والعراق مثلًا، الأمر الذي ساعد تلك التوجّهات القومية بزخم مضاعف، أخذ يحمل شحنات مضادّة للحريات العامة التي كانت في حالة فشل، إلى هذا الحدّ أو ذاك.
وعلى اعتبار القومية مرتبطة بالعسكرية أيضًا، فقد قام الضباط بانقلاباتهم ووحّدوا مصر وسورية أولًا. انقلب الضباط الأحرار في مصر على اللبراليين الفاسدين وملكهم في مصر، وانقلب الضباط السوريون بعدهم على الديمقراطيين في الخمسينيات، ووحّدوا “القطرين”. ورغم كلّ الاندفاع الهائل تفاعلًا مع تلك الوحدة، ورغم نجاحات التعليم والإصلاح الزراعي وتأميم القناة وتطور الطبقة الوسطى الهائل في مصر خصوصًا؛ انقلب ضباط سوريون على الوحدة، وأعادوا فصل البلدين. لم تستطع المشاركة الشعبية الكبيرة في البلدين تجاوز تأثير مظاهر الاستبداد وتعبيراته. جاءت القومية في عيون الناس ووعيهم -غير المطابق- بالاستبداد، فتراجعت الحماسة للوحدة في البلدين، بأشكال متعدّدة.
كانت القضية الفلسطينية الابن الثاني للقضية القومية العربية، يتحمّل عليهما معًا -باعتبارهما شجرة لعصيّ القمع وحبلًا للنجاة- استبدادُ السلطات العربية. ولم تكن “الأمة” العربية متجسدّة إلى الحدّ الذي يستطيع نقل الاستبداد إلى الحداثة بحرياتها وحقوقها، بل حتى على دمج الاستبداد بحكم القانون، كما حدث في أماكن أخرى من العالم.
القومية العظمى والقومية الصغرى:
كما أشير كثيرًا، منذ خمسينيات القرن الماضي، إلى أهمية مراجعة كتابات ماركس الشاب لأهميتها الخاصة، يمكن أيضًا فعل ذلك فيما يخصّ كتابات ومواقف لينين وهو على فراش الموت. لقد اهتمّ يومذاك بمسائل متعلّقة بتأسيس الاتحاد السوفييتي، وطبيعة علاقة السلطة في موسكو مع سلطات البلدان التي قامت بها ثورتها الاشتراكية، في جورجيا وأذربيجان مثلًا. ففي جورجيا (التي عانت في العقدين الأخيرين من تروما جديدة مشابهة)، كانت هنالك حكومة معتدلة تميل إلى درجة أكبر من الاستقلالية، في حين إن بعض قادة موسكو، ولا سيّما الجورجيين مثل ستالين وأورجونيكدزه، كانوا روسيّين أكثر من الروس أنفسهم، في محاولة إلحاق بلدهم الأمّ بشكل أكبر بروسيا.
أملى لينين على مساعده، في اليوم الأخير من العام 1922، رسالة ذهبت مع ريح قومية “روسيا العظمى” اللاهبة في قيادة حزبه، روسيا العظمى التي عادت للالتهاب بشراسة أكبر هذه الأيام مع بوتين، شراسة بطرسية لا ستالينية وحسب. قال فيها: “… سبق أن قلت في كتاباتي عن المسألة القومية إن العرض المجرد لمسألة القومية بشكل عام لا فائدة منه على الإطلاق. ويجب بالضرورة التمييز بين قومية الأمة المضطهَدة وقومية الأمة المضطهِدة، وقومية الأمة الكبيرة وقومية الأمة الصغيرة.
فيما يتعلق بالنوع الثاني من القومية، فإننا، مواطني الدولة الكبيرة، كنا دائمًا تقريبًا مذنبين، في الممارسة التاريخية، بعدد لا حصر له من حالات العنف، وعلاوة على ذلك، فإننا نرتكب العنف والإهانة لعدد لا نهائي من المرات دون أن نلاحظ ذلك. ويكفي أن أستحضر ذكرياتي في نهر الفولغا عن كيفية معاملة غير الروس؛ كيف كان لا يُطلق على البولنديين أيّ اسم آخر غير بولياتشيسكا، وكيف يُلقّب التتار بالأمير، وكيف أن الأوكرانيين دائمًا خوخول، والجورجيون وغيرهم من مواطني القوقاز دائمًا كابكاسيون.
ولهذا السبب، فإن الأممية من جانب المضطهِدين أو الدول العظمى، كما يطلق عليها (على الرغم من أنها عظيمة فقط في عنفها، عظيمة مثل المتنمرين والبلطجية فقط)، يجب أن تتكون ليس فقط من مراعاة المساواة الشكلية بين الأمم، بل حتى في عدم المساواة في الأمة المضطهِدة، الأمة العظمى، التي يجب أن تعوض عن عدم المساواة عند الممارسة العملية”.
في سورية الحالية، هنالك “قوميات” أو جماعات قومية أو إثنية أو دينية وطائفية متعدّدة، بعضها أكبر من بعضها الآخر، بعضها أكثرية والآخرون أقليات. الكُرد خصوصًا جماعة قومية متميّزة واضحة، عانت التمييز و “التنمّر” من القومية الأكبر. ولا يمكن أن يبدأ حلّ قومي في هذه البلاد من دون أخذ ذلك بالاعتبار. كان ذلك صحيحًا في روسيا الثورية، وبعد مئة عام مرّت يكتسب الأمر صحّةً وجلاءً أكبر بكثير. وإذا كان “جلد الذات” من الأخطاء الشائعة، فإن الأسوأ منه ذلك الرفض المسبق لأية تهمة في هذا الحقل.
القومية والديمقراطية:
ليست العلاقة بين هذين المفهومين مطابقة أو تحصيل حاصل للعلاقة بين القومية والاستبداد. وحين أشار فوكوياما إلى أن انتصار الديمقراطية الليبرالية على الشيوعية يُنهي مسار التاريخ في هذا الميدان، لم يتوقّف كثيرًا عند انبعاث النزعة القومية كمُنتج آخر لذلك الانتصار. في روسيا وكلّ البلدان الدائرة في فلكها، حدث مثل ذلك الانبعاث، وإن بدرجات متفاوتة. كان من الطبيعي أن تقطع الظاهرة الثانية تبلور الأولى بشكلٍ أكثر صفاءً.
أيّ اعتراض على هذا الاستنتاج معقول بشكل نسبي أيضًا، لأن هنالك نزعات قومية لا تتناقض مع المسار الديمقراطي. يمكن من جهة أخرى قبول تفسير ذلك من خلال التمييز بين قوميتين: أولاهما إثنية/ عرقية والثانية “مدنية”.
قد يمكن تعيين القومية المدنية، التي يُطلق عليها أحيانًا اسم القومية الديمقراطية أو القومية الليبرالية؛ وهي شكل من أشكال القومية التي تلتزم بالقيم الليبرالية التقليدية المتمثلة في الحرية والتسامح والمساواة والحقوق الفردية، ولا تعتمد على النزعة العرقية. غالبًا ما يدافع القوميون المدنيون عن قيمة الهوية الوطنية/ القومية بالقول إن الأفراد يحتاجون إليها، باعتبارها جانبًا جزئيًا مشتركًا من هويتهم (هوية عليا)، من أجل أن يعيشوا حياة ذات معنى ومستقلة، وأن الأنظمة السياسية الديمقراطية تحتاج إلى هوية وطنية/ قومية لتعمل بشكل صحيح. وما الأمة المدنية إلّا هوية سياسية تستند إلى المواطنة المشتركة، وهي لا تتحدّد بالثقافة، بل بالقوانين والمبادئ الديمقراطية والمؤسسات التي تعبّر عنها ويتعهدّ المواطنون بالالتزام بها.
لكنّ هذا المفهوم بذاته: القومية المدنية، قد يغدو في قرننا هذا غطاءً أيديولوجيًا للتمييز القومي/ العرقي؛ كما كانت سابقًا القومية الاشتراكية/ الفاشية، أو الشيوعية/ الستالينية. رغم ذلك، فإن الأمة أو الدولة المدنية لا تهدف، من الناحية النظرية، إلى تعزيز ثقافة ما على أخرى. وقد قال هابرماس، على سبيل المثال، إن المهاجرين إلى دولة ديمقراطية ليبرالية لا يحتاجون إلى الاندماج في الثقافة المضيفة، إنما يحتاجون إلى أن يقبلوا مبادئ دستور البلاد.
عمومًا، إن العلاقة بين القومية المدنية ودعم الديمقراطية يقابلها علاقة طردية لا يمكن تجاهلها، بين القومية العرقية وتفضيلات الحكم غير الديمقراطي/ الاستبدادي. تلك نقطة لا بدّ من احتسابها عند النظر في تمييز الحركات الوطنية/القومية في كورسيكا واسكوتلندا وكاتالونيا وقبرص… كأمثلة.
أخيرًا، من الضروري بيان أن القومية المدنية نفسها قد تُستعمل كآليات لممارسة قومية تضطهد أخرى، مع تفريعات الدكتاتورية وتداخلها مع الأيديولوجيا أو الحاجة إليها.
عن المركزية واللامركزية:
ليس هنالك من لا يرى ارتباطًا ما بين الدكتاتورية أو السلطوية أو الاستبداد وبين مركزية الدولة، مع أن ذلك بالطبع ليس حتمًا ولا حتميًا. يختلف الأمر مع اللامركزية، التي تتوزّع السلطات وإمكانات القرار من خلالها في الدولة. في المجتمعات القديمة، كانت الإقطاعية شكلًا لا مركزيًا أيضًا، يختزل سلطة الملك أو السلطان في مستوى الأقاليم على الأقل، وكان ذلك وقتها شكلًا رجعيًا عائقًا للتقدّم. كان الاستبداد بذاته مدخلًا للتقدّم، أو مدخلًا أوّليًا. تعالج علوم الحوكمة المعاصرة هذا الموضوع بتفصيل كبير ومؤتمرات اختصاصية وكتابات تتراكم.
لم يكن هنالك خلاف، في ما أصبح اسمه الولايات المتحدة، ما بين مركزية الحكومة أو لا مركزيتها، بل ما بين لا مركزية فضفاضة وأخرى محدّدة. فقد كان شكل الحكم كونفدراليًا، يقوم على “رابطة صداقة قوية” بين الولايات. كانت هنالك سلطة قوية لدى كونغرس الاتحاد، ومع ذلك، كانت محدودة للغاية. كانت الحكومة المركزية مسؤولة عن الشؤون الدبلوماسية وقرار الحرب والسلم، ووضع الأوزان والمقاييس، وكانت الحكم النهائي في النزاعات بين الولايات. لكنّها لم تكن تستطيع جمع أي أموال بنفسها، وكانت تعتمد كليًا على الولايات في الحصول على الأموال اللازمة لعملها. أرسلت كل ولاية وفدًا يتكون من عضوين إلى سبعة أعضاء إلى الكونغرس، وقاموا بالتصويت ككتلة واحدة، حيث حصلت كل ولاية على صوت واحد. ولكن أي قرار بالنتيجة كان يتطلب تصويتًا بالإجماع، الأمر الذي أدى إلى تشكيل حكومة مشلولة.
كان هنالك قلق لدى الولايات نابع من تجربتها مع الحكم البريطاني وقوة ملكه وبرلمانه، ونابع في الوقت نفسه من إدراك أهمية وجود سلطة مركزية ذات سلطات مناسبة، من دون مبالغة قد تعرّض الحقوق الأساسية للأفراد وللولايات للخطر.
جرت المداولات في فيلادلفيا سرًّا، لضمان تعبير المندوبين عن آرائهم، وتركزت على شكل الهيئة التشريعية الجديدة. تنافست خطتان: خطة فيرجينيا، التي قسمت التمثيل على أساس عدد سكان كل ولاية؛ وخطة نيوجيرسي، التي أعطت لكل ولاية صوتًا متساويًا في الكونغرس. حظيت خطة فيرجينيا بدعم الولايات الكبرى التي لها مصلحة بها، وفضلت الولايات الأصغر خطة نيوجيرسي. في النهاية، استقروا على التسوية الكبرى (التي تسمى أحيانًا تسوية كونيكتيكت)، حيث يمثل مجلس النواب الولايات حسب عدد السكان؛ ويمثل مجلس الشيوخ الولايات بالتساوي؛ وسيتم انتخاب الرئيس من قبل هيئة انتخابية لا تتطابق تركيبتها دومًا مع نتائج تصويت الولايات.
إضافة إلى ذلك، جاءت المادة الخامسة من ذلك الدستور لتجعل تعديله صعبًا ومرهقًا ومديدًا، على الرغم من أن ذلك لم يمنع تحقيق 27 تعديلًا عليه، حتى الآن.
تكتسب هذه التجربة أهمية خاصة للسوريين في مناقشات مستقبلهم، كما تفعل ذلك تجربة ألمانيا في العديد من المسائل، ولا سيّما في بنية الدستور وموادّه غير القابلة للتعديل بأيّ شكل من الأشكال، بعد بنائها على التوافق. كذلك يمنع الدستور المساس بصلاحيات الولايات، ليجعل من ألمانيا بلدًا لا مركزيًا ممتنعًا على الدكتاتورية والاستبداد بالأمر، بأيّ شكل من الأشكال. نبع ذلك التركيب من التجربة النازية وضرورة منع عودتها ضد مصلحة الشعب الألماني، ومصلحة العالم كلّه.
عن سورية ومسألتها القومية الخاصة
شغلتنا طويلًا، وما زالت تشغلنا إلى حدٍّ كبير، القضية القومية في سورية، من حيث إنها تقع خارجها، أو هي تتمدّد من داخلها لتصل إلى حدود العالم العربي أو كردستان الكبرى أو غير ذلك، ولم ننتبه بما يكفي إلى فقرنا وتعاستنا، إذ نعاني من مشكلة قومية في داخلنا، في داخل سوريتنا الصغيرة نفسها، لا يمكن محوها بإغماض العين، أو بإبعادها خارج الحدود.. لقد كانت صعوبة تلك الحالة معروفة منذ مئات السنين، واضطرّ الغرب إلى اختراع تعبير” ليفانت”، ليقصد به شرق المتوسّط الموّار بالأقليات، والذي نصفه شعريًا بأنّ له جمال الموزاييك.
وقد قلت توصيف “الموّار” قاصدًا، لأن الجماعة البشرية الموجودة في ذلك الحيّز الجغرافي، هي مجموع تكاملي أحيانًا وتفاضلي في أحيان أخرى، لجماعات إثنية وقومية ودينية وطائفية تمور بدورها وتتحرّك بين حين وآخر، بحيث يصعب إيقاف “الفيلم” وتثبيته على حالة مطابقة لذاتها مع تحوّل الأزمان. لقد تغيّرت تركيبة السكان بشكل كبير، في القرن الماضي أو القرنين الماضيين، وما زالت تتغيّر بتسارع أكبر، خصوصًا منذ عام 2011، وباتّجاه مختلف حتى في تنوّعه.
سورية حاليًا في وضع تقسيمي تتزايد أجزاؤه ابتعادًا بعضها عن الآخر، يومًا بعد يوم، وهي ليست ثلاث مناطق وحسب، بل أكثر من ذلك… مثال: شمال غرب سورية مؤلّف من أربعة “كانتونات”، وحصل فيه تغيير ديموغرافي عميق قد لا يعود إلى ما كان عليه الأمر إطلاقًا… مثال آخر: استطاعت تركيا أن تبني “قضية” تركمانية، من خلال دعمها الخاص لأبنائها ولفصائلهم وسلطتهم… مثال ثالث: تمّ اختزال الوجود الكردي في عفرين وبشكل ينذر بمستقبل مجهول المعالم.
تعمّ الفوضى مناطق النظام، مع قوى مهيمنة متنوّعة وشتّى: بعضها مرتبط بالحرس الإيراني يبني نفوذه حسب هواه، وبعضها بعصابات تفرّعت عن النظام وكادت تستقل، وبعضها يحمل سماته الخاصة وجغرافيته (على حدود الأردن أو تركيا أو العراق، أو تحت سلطة متداخلة تتميّز فيها الإدارة الذاتية الكردية، وهي متناحرة مع بعض العشائر وبعض الكرد أنفسهم). يتعامل النظام مع هذه المناطق مستسلمًا لتلك الاستقلالية غالبًا، حتى في تعامله مع حلب مثلًا. وهنالك مناطق فوق الأرض وتحتها، تسود فيها داعش وأمثالها، الأمر الذي يشكّل خطرًا على كلّ الأطراف وكلّ شيء.. لكنّ الكلّ يفكّرون ضمنيًا بالإفادة منه.
هنالك ميولٌ متعارضة: مركزية ولا مركزية، أكثروية وأقلوية، تتأرجح بين ضمان الحقوق وضمان وحدة البلاد، بين المواطنة المتساوية وحقوق المكوّنات، بين قومية غالبة تخشى من التفكّك والتحلّل، وأخرى صغيرة تريد استرداد أو استكمال أو تحصين شخصيّتها…. لا يضيرنا أبدًا مراجعة تاريخنا الحديث ورؤية أن سورية لم تكن دولة مركزية إلّا لأقلّ من تسعين عامًا، لم تكن قريبة من الديمقراطية إلّا في أقلّ من 12 عامًا منها.
في السياق، يجري الصراع في حقل الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد والتعليم فالسياسة. وحين يدخل أحدنا في الحوار، يهتمّ بما يمكن أن يستلبه من الآخر، أكثر من اهتمامه حتى بأن يكسب لنفسه شيئًا. فلننظر مثلًا في محاورات -مماحكات- العمق في التاريخ، لإثبات تاريخية الحقوق وأولويّتها في الزمان، مثلًا. ولننظر في تاريخ الاستلاب والاضطهاد والمظالم، لإثبات مظلومية طرف ومديونية الآخر.
يتمثّل هذا خصوصًا بين العرب والكرد، لكنه لا يتوقّف عندهم، بل يمتدّ ليشمل غيرهم من الجماعات الإثنية كالسريان والتركمان، مثلًا… وسورية مهد للأمم والأديان والطوائف، قبل أن تكون مهدًا للحضارات.
وحين نفكّر في أسباب فشل عملية الانتقال والتغيير السياسي الذي ضحّى السوريون بالغالي والنفيس من أجلها، ننسى دائمًا كيف ننعطف بالحوار عند إثارة تلك المسائل التي تفرّقنا أكثر من أن تجمعنا.
ولننظر -مثلًا- كيف أصبحت القضية الأكثر وضوحًا وعمقًا، في علاقتها بالتقدّم على طريق الحرية والكرامة والتقدم وحقوق الإنسان، قضية المواطنة المتساوية، كيف تحتمي بها أطراف لاستبعاد طروحات مظلوميات وحقوق الجماعات، وكيف تثير على العكس حساسية ونفورًا يؤدي إلى نكرانها من قبل تلك الجماعات نفسها، أو نخبها بشكل أدقّ.
لدينا عدة “قضايا قومية” تحتدم وتتصادم حاليًا في سورية: العربية، الكردية، السريانية، التركمانية… وربّما أكثر من ذلك.
تتداخل القضية القومية العربية مع “القضية السنّية”، نسبيًا، مع أنّها في الحقيقة تشمل أيضًا مسيحيي المدن أو أطرافها، كما كانت تفعل منذ القرن التاسع عشر. وما يهمّنا هنا هو نقطة التداخل مع “السنّة”، من حيث تناقضها مع النظام بحاضنته العلوية، ومن حيث استقواؤها بمظلوميتها الهائلة في العقود القليلة الماضية، ولا تكفي حتى الآن “عروبة” الأخيرين القويّة للتغاضي عن تردّدهم بشكل قاطع، لا هم ولا المسيحيون…ولا لأن ننفي وننكر كذلك -كما نفعل كثيرًا- ذلك التداخل مع القبلية والعشائرية… ذلك الخصم الكامن للتقدّم بألوان زاهية.
تصبح هذه القضية ذات حساسية أكبر لدى النخب التي ما زالت متعلّقة بالأيديولوجيا القومية وبتاريخها الحديث الصاخب المظفّر. وهي تتمسّك من خلال تلك الحساسيّة بالدفاع ضدّ أيّ حديث يمسّ الوحدة الكاملة والمتماهية للبلاد في المستقبل.
ختامًا: سورية في مهبّ الريح، وجودها كلّه في مهب الريح… ونحن نهمل ذلك في تفكيرنا وشغلنا! ليست سورية عمومًا، بل تلك التي نريدها، ولا نرضى بغيرها، حتى لو كانت وحدتها نفسها هي الثمن والرهينة!
ما الذي يجب عمله الآن، استعدادًا وتخفيفًا للاحتقانات فيما بعد، ونزع فتيل الأزمات، ومن قبل من؟
-لا بدّ من الإقرار بأهمية الحوار، الحوارات هي قبل أي شيء آخر، الحوار حول مبادئ الحوار ومدونّة سلوكه التي توضّح حدوده وأخلاقياته وأدوات الانضباط فيه، وآليات الحفاظ على درجة حرارته أو تبريده بشكل منتظم…
-إعطاء وقت كاف للإقرار بالمبادئ الجامعة: ميثاق الأمم المتحدة على سبيل المثال، ولوائح حقوقها ومعاهداتها ومرجعية منظماتها ووثائقها، بل الاتّفاق على تحكيمها عند اللزوم.
– الانطلاق من مبدأ التوافق، الذي لا يمكن لبلد ومجتمع بالتركيبة السورية أن يستمرّا في الحياة إلّا به… لا يمكن الاعتماد على أفضلية الأكثرية بالتصويت لصناعة بلد متعدد بطريقتنا، ولا يمكن وضع دستور بأكثرية 51 %… الخيار الآخر هو استمرار الانهيار والتفتّت حتى النهاية، أو الفَرض بقوة السلاح والغلبة والقهر.
– طرح الانطلاق من التوافق على أساس التغيير من واقع الحال في تاريخ سورية الاستبدادي، الذي ليس من مستقبل إلّا بوجوده: دولة حديثة قائمة على الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
– تحريم نفي الآخر وإلغائه ورفض اللقاء معه بأيّ شكل من الأشكال. هذا ينطبق على انعدام التخوين والتكفير أيضًا، وعلى كلّ ما يُشتقّ منهما.
-تثقيل مساهمة ودور الشخصيات الأقرب إلى الاستقلال والهدوء والخلفية الثقافية والسياسية المختصة، من دون استبعاد أي طرف يمثّل أية وجهة نظر.
– فتح الباب للتعدّد والتنوّع، وإقرار أن وجودهما قوة للحوار وتطويره…
-الانطلاق من أن الاتفاق والتوافق والتسوية والتعايش والمصالحة كلّها مستحيلة من دون تنازلات متبادلة. لا بدّ أن يأتي المتحاورون إلى الحوار، وهم يحملون في رؤوسهم ضرورة التنازل أو تبادل التنازلات، حيث لا يمكن إيجاد مخرج لكلّ التناقضات، يخرج منه طرفا الحوار رابحين كلَّ ما تحتويه جعبتاهما من قائمة أهداف.

