تمتلك سورية أكثر من عشرة آلاف موقع أثري، مثّلت تاريخ شعبها وذاكرته، وشكّلت هويته الحضارية الرئيسة، أكثر من نصفها بقليل مسجل على اللائحة الوطنية للمواقع الأثرية. هذه المواقع تدل على عمق الوجود الحضاري، وتنوعه، وتغطي حقبة طويلة من التاريخ البشري من دون انقطاع منذ العصور الحجرية القديمة حتى وقتنا الحاضر.
تأسست المديرية العامة للآثار والمتاحف عام 1946 بعد استقلال سورية عن الاحتلال الفرنسي، وبرزت مهماتها خلال السنوات الأولى من الاستقلال في الكشف عن معطيات التراث السوري، والمحافظة عليها، وحمايتها، وإجراء الدراسات الخاصة بالمكتشفات الأثرية، وصياغة القوانين الناظمة لها.
وبعد استيلاء حافظ الأسد على السلطة عام 1970، بقيت المديرية العامة للآثار والمتاحف مكلفة بإدارة ملف الآثار السورية تابعة لوزارة الثقافة وذات ميزانية ضعيفة، تتحكم بها أجهزة الأمن والجيش وكبار الشخصيات من عائلة الأسد، إضافة إلى غياب الرؤية الوطنية، والفساد كصفة عامة لكل مؤسسات النظام التي لعبت دوراً معوّقاً ومكبّلاً للسلطات الأثرية في مراحلها معظمها. ما أدى الى ضعف في كوادرها ومواردها وإمكاناتها على الرغم من أهمية الدور الذي كان يمكن أن تلعبه في حماية تراث سورية الثقافي والمتاحف والمواقع الأثرية.
وكشفت الحرب (بعد عام 2011) عن ضعف السلطات الأثرية وسوء إدارتها ومنهجيتها في حماية وتوثيق الآثار السورية قبل عام 2011م، منها: ضعف الحماية والحفظ والأرشفة والتوثيق، إضافة إلى الفساد وضعف الموارد وضعف الترويج والاستثمار، ما انعكس في حجم النهب والضرر اللذين لحقا بالمواقع الأثرية والمتاحف السورية، وخلقا مزيداً من التحديات أمام إمكان استعادة القطع الأثرية المنهوبة قبل الحرب وخلالها.
وقد أثبتت هذه الحرب زيف ادعاءات نظام الأسد في حماية الآثار السورية بل فضحت تورطه في نهب الآثار السورية، واستغلالها في تكريس أركان نظامه الدكتاتوري المستبد. وكشفت عن تورط جيشه وميليشياته في نهب المواقع الأثرية، واستخدام كثير منها مقرات وقواعد عسكرية، فضلاً عن استهداف طائراته ودباباته ومدافعه وبراميله المتفجرة كثيرًا من المواقع الأثرية والمتاحف السورية استهدافًا متعمدًا ومباشرًا.
وأسهم لجوء النظام إلى الحل العسكري في مواجهة الثورة السورية إلى تحويل البلاد إلى ساحة حرب مفتوحة، ما أدى إلى انتشار السلاح ودخول المجموعات الإرهابية إلى سورية من بينها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) وغيرهما، مجموعات أسهمت أيضًا في النهب والتدمير الواسع والممنهج لكثير من المواقع الأثرية في سورية، كما أسهمت كذلك الفصائل المحسوبة على المعارضة السورية (فصائل الجيش الوطني في شمال غرب سورية) وكذلك ما يعرف بقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمالي شرق سورية في نهب وتخريب عدد من المواقع الأثرية. سُرِق عدد من المتاحف في سورية خلال الحرب، وتعرضت خمسة مواقع أثرية سورية مُسجّلة على لائحة التراث العالمي لأعمال قصف جوي من قبل النظام، وتخريب ونهب من قبل فصائل وتنظيمات متطرفة.
في مقابل عمليات النهب للآثار السورية التي مارستها أطراف الصراع في سورية، نجح عدد من مبادرات المجتمع المحلي ومنظمات المجتمع المدني وبعض المنظمات الدولية في حماية عدد من المواقع الأثرية وبعض المتاحف في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد، وتوثيق الانتهاكات التي مُورست تجاه التراث المادي، إضافة إلى الإسهام في إنقاذ آلاف القطع الأثرية وحفظها من الدمار والنهب.
انطلاقاً من أهمية الآثار السورية وضرورة حمايتها بوصفها جزءاً من التاريخ والحضارة الإنسانية، ودورها في بناء الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء، وكذلك دورها الحاسم في تعزيز التماسك الاجتماعي وصناعة السلام بين المجتمعات ما بعد الصراع؛ فإن “قلمون: المجلة السورية للعلوم الإنسانية” تفتتح ملف الآثار السورية منذ عام 1970حتى الآن في ملف العدد السابع والعشرين بعنوان: “الآثار السورية: السياسات والدور، الواقع والآفاق 1970-2023″، وتدعو المجلة الباحثات والباحثين إلى الكتابة في هذا الملف ضمن المحاور المقترحة الآتية:
المحور الأول: سياسات نظام الأسد تجاه الآثار بين عامي 1970 و2011
- منزلة الآثار السورية الحضارية وأهميتها.
- آليات إدارة التراث الثقافي المادي (الآثار والمواقع الأثرية والمتاحف) بين 1970 و2011.
- القوانين المحلية (قانون الآثار السوري 1963 وجميع تعديلاته في عهد نظام الأسد).
- الاتفاقيات الثقافية الدولية ودورها في حماية الآثار السورية.
المحور الثاني: دور الآثار السورية في تكوين الهوية الوطنية
- التراث الثقافي والآثار والهوية الوطنية.
- الآثار والمناهج الدراسية في سورية منذ عام 1970 إلى اليوم.
- الآثار وتكريس الاستبداد: استغلال التراث الثقافي (المواقع الأثرية والمتاحف) في سورية لشرعنة النظام في الداخل والخارج والتفرد بمفهوم الهوية الوطنية.
المحور الثالث: واقع الآثار السورية بعد 2011
- مناطق نظام الأسد.
- مناطق المعارضة (الائتلاف الوطني والحكومة المؤقتة والفصائل العسكرية).
- مناطق تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (مناطق داعش سابقاً).
- مناطق هيئة تحرير الشام.
- مناطق قوات سورية الديمقراطية (قسد) في شمال شرق سورية.
المحور الرابع: الاستجابات المحلية والدولية لحماية الآثار السورية خلال الصراع
- الآثار السورية ومبادرات المجتمع المحلي.
- الآثار السورية ومنظمات المجتمع المدني.
- الآثار السورية والمنظمات الدولية.
- الآثار السورية ووسائل التواصل الاجتماعي.
المحور الخامس: الأفاق؛ الآثار السورية الحاضر والمستقبل
دور التراث الثقافي المادي (الآثار والمواقع الأثرية والمتاحف) في تحقيق المصالحة وبناء السلام وتعزيز التماسك الاجتماعي بعد الصراع في سورية.
تقبل المقترحات البحثية (ملخص 500 كلمة) حتى موعد أقصاه 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2023، على أن تستكمل البحوث في موعد أقصاه منتصف كانون الأول/ ديسمبر 2023.
ترسل المقترحات إلى إيميل رئيس التحرير: youssef.salamah@harmoon.org

